هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


لماذا لا نقرأ مثلهم؟

حوا بطواش

منذ أن عدت من رحلتي اليتيمة الى خارج البلاد، قرأت عشرة كتب خلال أسبوعين! كيف لا؟ وقد أدهشني ما رأيت. كم خجلت بنفسي أنا معلّمة التاريخ، الجامعية، التي تظنّ نفسها مثقّفة ومتعلّمة، لم أكن أقرأ حتى كتابا واحدا خلال شهر... أو حتى شهرين! وكم كنت مصدومة وأنا أرى هؤلاء الناس لا يهدرون لحظة واحدة من حياتهم عبثاً، كما نفعل نحن دائما في كل الأوقات، يقرؤون كل شيء في كل الأماكن، وبسطات الكتب والصحف والمجلات منتشرة عندهم في كل الزوايا كمحلات البيتسا والفلافل والشوارما عندنا. يا لرقيّهم وتحضّرهم! إن مشهد الناس المتكرّر أمام عينيّ، وهم في هدوء تامّ يرخون رؤوسهن وعيونهم الى كتبهم وصحفهم خلال الدقائق القصيرة من انتظار مجيء القطار أو السفر فيه، أو عند الإستراحة في مطعم أو مقهى أو حديقة عامّة، بدل الثّرثرة والصّراخ والتلصّص على الآخرين، كما نحبّ نحن أن نفعل كثيرًا، لم يفارق ذهني طوال الرحلة، وقطعت عهدا على نفسي بأن أركض لاقتناء الكتب والصحف حالما أعود! حتى بتّ متشوّقة أن تنتهي رحلتنا وأعود الى البيت، كي أبدأ بقراءة ما فاتني طوال حياتي من القراءة!

زياد لم يهتمّ كثيرا بهذا الأمر الذي شغل بالي عميقا. "لا تقلقي، يا حبيبتي." قال لي، "سيكون أمامك عمر بكامله كي تقرئي ما تشائين من الكتب."

عدنا الى البيت، وشرعت أقرأ بنَهم واشتياق كما لم أفعل في حياتي. إشتريت روايات لكتّاب طالما أردت أن أقرأ لهم وأجّلتها في كل مرة، واستعرت من المكتبة دواوين شعرية ومجلات ثقافية وكتبا عن الأدب والسياسة والفلسفة. اقتنصت فرصة وجودي في البيت خلال العطلة الصّيفية، فكنت أبدأ قراءتي صباحا، بعد أن يذهب زياد الى عمله، أرتمي على أريكتي المفضّلة في غرفة الجلوس مع كوب من الشاي المعطّر بالنعناع وبعض قطع البافلا، وأقرأ كتبي صفحةً بعد صفحة، وفصلا بعد فصل، الى حين اقتراب الظهر، فأقوم وأحضّر بعض الطعام للغداء. ثم آكل شيئا سريعا لسد جوعي وأعود بسرعة الى أريكتي مع كتبي وأبقى جالسة الى حين عودة زياد من عمله... حتى بات زياد يتضايق من الأمر.

"أما زلت جالسة في مكانك؟ ماذا دهاك يا امرأة؟" قال لي بعد نحو أسبوع وقد استاء من وضعي. كان ذلك في صبيحة يوم جمعة، الذي كنا في العادة نقضيه معا فيما مضى، ونبدأه بجلسة على فنجان قهوة.

حاولت التخفيف عنه: "حبيبي، خمس دقائق وأكون معك."

"أي خمس دقائق يا بنت الحلال؟ أنا أنتظرك منذ ساعة وأنتظر تلك القهوة اللعينة!"

"لا بأس عليك، يا حبيبي. دعني أكمل هذا الفصل فقط ثم آتي اليك وأفعل ما تشاء."

"منذ أن عدنا من تلك الرّحلة لم تتركي كتبك لحظة واحدة. ماذا دهاك؟ لعن الله الساعة التي أخذتك فيها الى أوروبا. لو كنت أعلم أنها ستخرّب عقلك لما فكّرت أصلا في أخذك!"
"أوهوو حبيبي! كل هذا من أجل فنجان قهوة؟؟ متى ستفيق على نفسك وتدرك أهمية القراءة ؟ ألم ترَ الناس كيف يقرؤون في الخارج؟ ونحن هنا، ماذا ينقصنا حتى لا نقرأ؟ ها أنا جامعية ومعلّمة وناشطة إجتماعية، وأنت... أنت عامل نشيط في مصنع، ماذا ينقصنا قل لي! لماذا لا نقرأ مثلهم؟"

"هل ستعيدين لي نفس الموّال كل يوم؟ حسن، إنسي الأمر. سأذهب وأحضّر القهوة بنفسي. إقرئي أنت كما تشائين!"

فذهب وأغلق الباب وراءه، وأنا أكملت قراءة كتابي بهدوء وراحة، دون أن آبه بالقهوة... حتى أتممت فصلا آخر، فأغلقت الكتاب وخرجت إليه.

كان جالسا وحده في الشّرفة يحتسي فنجان القهوة.

جلست قبالته، فسكب لي القهوة في الفنجان. قلت له: "إنه كتاب رائع يا زياد. عليك بقراءته! كلما أكمل فصلا يشدّني أكثر اليه ولا يدعني أتركه!"

"لا، وحياتك! أنا مشغول جدا هذه الأيام وليس لدي وقت ولا جلد للقراءة على الإطلاق. تكفيني الصحيفة اليومية التي تدسّينها أمام وجهي كل صباح وكأن فيها خبرا سعيدا واحدا يمكن أن يُقرأ! ثم إني لم أعد أجدك منذ أن وقعت في حبّ القراءة أكثر مني. أحسّ أنني فقدت زوجتي حبيبتي."

"أنا أحبّ القراءة أكثر منك؟! سامحك الله يا حبيبي! إذن أنت لم تعرف بعدُ كم أحبّك وأموت فيك! ولكنها... هي حالة وتمرّ."

"حقا؟!"

"طبعا يا حبيبي."

"متى؟"

"لا أدري. ربما بعد أن أتمّ قراءة هذا الكتاب، لأنه أثار فضولي الى حد كبير."

"الحمد لله. طمأنتِني."

بعد مضي أسبوع آخر، لم يعُد زياد يستاء مني كما قبلا وسلّم بالأمر الواقع. بات يلاطفني أكثر، وكأنه يحاول استرضائي بعد أن فشل في تنفيذ طلبي منه بالقراءة! وفي يوم، عندما عاد من عمله، كنت ما أزال غارقة في كتابي، سمعت طرقتيه الحذرتين على باب غرفتي، ثم فتح الباب بهدوء.

رفعت نظري إليه، وقلت دون شعور بالترحيب: "أهلا، حبيبي."

فابتسم قليلا، وقال وهو يتقّدم خطوة الى الداخل: "أهلين، حبيبتي."

لم يضِف شيئا. لمست في صمته وحركاته شيئا من التردّد والإرتباك.

"ما بك؟" سألته مستغربة، دون أن أرفع نظري من كتابي.

"لا، لا شيء... أقصد... الأمر ليس مهما جدا ولكن..."

"ماذا هناك؟"

فقال وكأنه يسحب من جوفه الكلمات بعسر: "حبيبتي... كما تعلمين، أنا لا أمانع أبدا أن تقرئي الكتب، لم أمانع يوما أن تقرئي. إقرئي كما تشائين، يا حبيبتي، متى تشائين، وبالقدر الذي تشائين، ولكن... لدي طلب صغير منك... لو سمحت. عندما تريدين أن تقرئي... أرجو... إن أمكن... أن لا تجلسي على الشّرفة."

رفعت عينيّ اليه بتعجّب بالغ، وقلت بنبرة لا تخلو من السخط: "وما يهمّك أنت اذا كنت أقرأ على الشّرفة أم على السّقف؟!"

"أمل، حبيبتي، عندما تجلسين على الشّرفة... الناس... يرَونك، وأنت تعلمين كم جارةً متربّصة لدينا هنا في الحارة، وتعلمين كم هنّ جاهلات، لا يفقهن شيئا في الثقافة ولا يعرفن أهمية القراءة كما نعرف نحن."

"وماذا لو رآني الناس أقرأ؟ وهل أنا أفعل شيئا معيبا؟"

"لا، طبعا. ليس هذا قصدي."

"ما قصدك اذن؟"

"قصدي..." هزّ رأسه يمينا وشمالا، كأنه يسترجي شيئا ما أن يسعفه بالكلمات. ثم أخذ نفسا عميقا وقال: "فتّحي مخّك قليلا، يا حبيبتي، وافهمي على كلامي."

"ماذا أفهم؟ قل ما لديك بسرعة."

"حبيبتي، أخبرتني أمي اليوم أن جارتنا أم مسعود كانت عندها في زيارة، وقالت لها إنها رأتك في طريقها الى هناك وأنت جالسة على الشّرفة تقرئين كتابا. وبقيَت عندها ساعتين كاملتين. وبعدما عادت من بيتها، رأتك جالسة على شرفتنا في نفس موضعك وتقرئين كتابك! ومن شدة استغرابها مما رأت اتّصلت بأمي وزفّت عليها الخبر السعيد مما رأت وقالت لها مستهزئة: يبدو أن كنّتك تحبّ الجلوس والكسل! أما لديها عمل أهمّ من القراءة وهدر الوقت؟! فتضايقت أمي من كلامها كثيرا واتّصلت بي وأخبرتني بما حصل. أيرضيك ذلك؟ أيرضيك أن تفضحنا أم مسعود في القرية بهذه الطريقة؟!"

قلت بامتعاض: "هل ستضع رأسك في رأس أم مسعود؟ أنت تعرف أنها جاهلة ومتخلّفة ولم تقرأ كتابا واحدا في حياتها."

"طبعا أعرف، أعرف أنها جاهلة ومتخلفة ولا تفهم شيئا في الثقافة والحياة، ومن مثلي يعرف ذلك؟! ولكن..."

"اذا ما المشكلة؟"

"أنا فقط لا أريد أن تقعي فريسةً في لسانها وتصبحي علكة في أفواه جاراتنا."

"لست خائفة منها ومن مثيلاتها!"

"صحيح، مؤكّد، يا حبيبتي. أنا أعرف كم أنت محقّة وصادقة. ولكن أرجوك أن تفعلي ذلك من أجلي. هذا طلبي الصغير منك، يا حبيبتي. أرجوك أن تفهميني."

"حسن، حسن، فهمتك." قلت بتقزّز.

فانفرجت شفتاه عن ابتسامة واسعة، وقال: "شكرا لك، يا حبيبتي. كم أنت لطيفة ومتفهمّة! حقا أنك زوجة رائعة؟! ياه! لو تعلمين كم أحبك! مهما قلت لك لن تستطيعي أن تعرفي... كم أحبك!"

"أعرف. وحياتك أعرف. والآن، دعني لوحدي قليلا."

"طيب، كما تشائين."

خرج من الغرفة وعلى شفتيه ترفرف ابتسامة كبيرة من الرضا. ولم تمضِ لحظتان حتى عاد وفتح الباب ووقف معتذرا ومرتبكا: "عفوا، حبيبتي.... مممممماذا عن الغداء؟"

"إنتظرني قليلا، سآتي بعد هذا الفصل وأحضّر لك الطعام."

"شكرا لك، حبيبتي. الله يعطيك العافية."

وعدت الى كتابي من جديد.

حوا بطواش


التعليقات

الاسم: حوا سكاس
التاريخ: 2012-04-05 14:35:43
أشكركم على تعليقاتكم الجميلة التي قرأتها كلها بعناية وأسعدتني جدا. وهذه تجربتي الأولى مع الكتابة الساخرة وربما أكمل يوميات أمل وزياد عن قريب.
تحياتي للجميح
محبتي لكم

الاسم: فراس حمودي الحربي
التاريخ: 2012-04-05 08:37:47
"أنا أحبّ القراءة أكثر منك؟! سامحك الله يا حبيبي! إذن أنت لم تعرف بعدُ كم أحبّك وأموت فيك! ولكنها... هي حالة وتمرّ."

"حقا؟!"

"طبعا يا حبيبي."

"متى؟"

"لا أدري. ربما بعد أن أتمّ قراءة هذا الكتاب، لأنه أثار فضولي الى حد كبير."

"الحمد لله. طمأنتِني."

......................... ///// حوا سكاس
رائعة انت دائما ايتها الاخت الحوا دمت سالمة ورائعة

تحياتي فراس حمودي الحربي ............................... سفير النوايا الحسنة

الاسم: سعود الأسدي
التاريخ: 2012-04-05 08:26:10

الأديبة الرهيفة
حوا سكاس

حكايتك مع الكتاب حلوة وطريفة
وهي عبرة لمن يعتبر .
دام فضلك بقراءة أكثر !
مصحوبة كعادتك بسماع موسيقى كلاسيكية
والسلام لك في شهر نيسان في عنفوان
ربيع جبل الطور واللوح المسطور !

ولو اسطيع طرتُ إليكِ شوقاً
وكيف يطير مقصوصُ الجناحِ ؟!

باحترام ومودة
سعود الأسدي

الاسم: ياسر الطاهر
التاريخ: 2012-04-05 05:58:31
تجربة حكيمة حوا

جميل أن نقرأ مثلهم ، ولكن الاجمل أن نقرأ باستقلالية

لك كل التوفيق والاعجاب

الاسم: السعيدي
التاريخ: 2012-04-05 04:00:57
أعبش في الغرب منذ 24 سنه وقد عدت للعراق قبل شهرين ورغم انني قدمت للوطن في زيارات قصيرة سابقة بعد 2003الا انني تفاجات بالامراض الاجتماعية التي تستهلك معظم جهود ووقت الناس وتشل فكرالفرد وتوقف ابداعه. وكلها امرض يمكننا التخلص منها بقليل من الانفتاح والوعي. وقد أصطدمت من فرط ما رأيت من امراض وعقد تعرقل حركة الفرد في المجتمع العراقي سببها الاول الجهل وجميعها عبارة عن "سوالف عجايز"كالغيرة والحسد ومجاملات كاذبه صنعها المجتمع لنفسه لاوظيفة لها سوى عرقلة تطور العائلة والفردومنعه من ممارسة حياته الطبيعية نحو الرقي والتكامل.وأذكر يوما حين صعدت في باص صغير في يغداد ولطول الطرق كنت احمل معي كتابا أوكتابين في اسفاري داخل العراق وحين اخرجت كتابا حتى توقف الجميع ليرشقوني بنظراتهم المصحوبة بتعجب كبير!! يومها قلت في نفسي لو تنازلت لهم هذه المرة ايضا وعملت بمبدأ المجاملات الكاذبة الذي يسير المجتمع هنافما الفرق بيني وبينهم أذن؟ و لكنت جاهلا مثلهم. وهنا ادع جميع المثقفين والمتعلمين الى مواجهة تلك العادات والامراض التي تؤخر عجلة التطوروتكرس التخلف والجهل!

الاسم: ابراهيم ثلج الجبوري
التاريخ: 2012-04-04 21:33:11
الاديبة الرائعة حوا سكاس
تصوص رائعة كروعتك تعودنا ان نقرأ لك كل ما هو جميل
تحياتي لك أيتها الاديبة المبدعة

الاسم: امجد نجم الزيدي
التاريخ: 2012-04-04 19:53:19
الرائعة حوا سكاس
شكرا لهذه القصة الجميلة
دائما ما يصدمني الاخرون بقولهم بان ليس هناك من وقت لديهم ولا يدرون انهم يهدرون الكثير منه بأمور تافهة كان من الممكن لهم ان يقضوها بالقراءة ..
لحد الان الكثير من الناس وحتى المثقفين منهم لم تصبح القراءة لديهم عادة يومية يمارسونها بصورة تلقائية
شكرا مرة ثانية مع الود

الاسم: سلام نوري
التاريخ: 2012-04-04 19:00:26
رائعة في كل ماتقدمين سيدتي
سلمت




5000