.
......
 
.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


جائزة النور للابداع الدورة الرابعة /المقالة - الفائز الثاني

سعيد العذاري

النص الفائز بالمركز الثاني 

جائزة النور للابداع دورة الدكتورة آمال كاشف الغطاء 

2011

سعید العذاري

دور الاقتصاد في الانحراف و الاستقامة

المقدمة

الاقتصاد عصب الحياة الانسانية و له دور فعّال في انجاح البرامج التربوية، و التوازن الاقتصادي يحقق التكافل العام، و الضمان الدائم، و ازالة الفقر و الجوع و الحرمان، و له دوره الكبير في تهذيب النفس و تطهير الضمير، و اشاعة الطمأنينة في داخل النفس.

و الوضع الاقتصادي المتوازن يمنع من الانحرافات التي يولّدها الفقر أو الترف الفاحش علی حد سواء،  و يمنع من الأمراض النفسية و الروحية كالحسد و الحقد و الطمع، و الهمّ بسبب الفقر أو الخوف علی المال.

و من الحقائق الثابتة في حركة الحضارات و مسيرة الاُمم و المجتمعات انّ للفقر و للترف الفاحش أثاراً سلبية علی فكر الإنسان و عاطفته و ارادته، و في مثل هذه الأجواء ينمو الانحراف بسبب الحرمان أو الاشباع بلاحدود.

و قد أكدّت المفاهيم الاسلامية علی هذه الحقيقة و هذا ما سنبحثه تباعاً.

دور الفقر في الانحراف

الفقر المدقع أو الفقر الحقيقي الذي لايجد فيه الانسان لقمة العيش أو الملبس أو المسكن فانّه يساهم مساهمة فعالة في الانحراف بعد أن تتهيأ أسبابه الأخری و هي الابتعاد عن المفاهيم و القيم الروحية، و عدم اللجوء الی الله تعالی و طلب العون منه، و الاّ فالفقر مع الايمان و الرضی بقدر الله تعالی أمر محبب و مندوب.

قال الامام علي(ع):«الفقير الراضي ناجٍ من حبائل إبليس، و الغني واقع في حبائله»(1).

و قال(ع):«ملوك الدنيا و الآخرة الفقراء الراضون»(2).

و الارتباط بالله تعالی يمنع من الآثار السلبية المترتبة علی الفقر و خصوصاً الآثار النفسية و العقلية و الخلقية.

قال الامام علي(ع):«من ألحّ عليه الفقر فليكثر من قول: لا حول و لا قوة الاّ بالله العلّي العظيم».

«من رضي بما قسم الله له لم يحزن علی ما في يدغيره».

«الصبر جنة الفاقة»(3).

امّا الابتعاد عن الله تعالی فانّه يخلق الأجواء السلبية لنمو آثار الفقر السلبية.

قال الامام عليّ(ع):«إنّ الفقر مذلة للنفس مدهشة للعقل جالب للهموم».

«العسر يشين الاخلاق و يوحش الرفاق».

«ان افتقر قنط ووهن».

«العسر يفسد الأخلاق».

«الفقر يخرس الفطن عن حجته».

«الفقر في الوطن غربة»(4)

«الفقر الموت الأكبر»(5)

فالفقر يؤدي إلی خلق الاضطراب في مقومات شخصية الإنسان و خصوصاً الحدث، و كما وصفه اميرالمؤمنين(ع) حيث انّه يشكل مرتعاً خصباً لاذلال النفس و خلخلة العقل و جلب الهموم و الاحزان، لأنّ عدم اشباع الحاجات المادية إلی المأكل و الملبس و المسكن يؤدي إلی القلق و التوتر اضافة‌إلی الشعور بالحرمان و الاحباط و إلی عدم التساوي مع الغير، فالحدث الذي يقارن بينه و بين ابناء المترفين يؤدي به إلی الشعور بالنقص و الحقارة أحياناً، و خصوصاً إذا قابله المترفون بالازدراء و الاحتقار.

و الفقر بحدّ ذاته يجعل الحدث محمّلاً بالهموم و الأحزان التي توقعه في براثن الحسد و الحقد و الانتقام من الغير، أو من الذين حرموه من العيش الهانيء، و تنامي الهموم و الأحزان تدفعه أحياناً إلی السرقة للحصول علی ما يريد، و قد يكون الفقر أساساً‌ للكذب و البهتان و سائر مظاهر الجنوح و منها الانحراف و الشذوذ الجنسي من أجل اشباع الحاجات الأساسية المتوقفة علی توفر المال و تملكه، و قد يصل الأمر بالبعض إلی اللجوء للقوة من أجل اشباع الحاجات المادية، و التي تتمثل بالاعتداء علی أصحاب الثروة و المترفين.

و يلتجأ بعض الأحداث إلی تشكيل العصابات كنوع من الحماية لهم لأنّهم يشعرون في بعض الأحيان انهم اقل شأناً من الآخرين، و انّ هنالك من يحتقرهم.

و من لوازم الفقر ضيق البيت و هو عامل من عوامل تهيئة أجواء الجنوح، فالضيق يمنع الأحداث من اشباع حاجاتهم إلی اللعب، و يمنعهم من التمتع بالاستقلالية في غرف خاصة لهم، و قد يؤدي الفقر احياناً إلی النوم في غرفة واحدة أو في لحاف واحد، و يرافق ذلك بعض المظاهر السلبية كالنظر إلی المباشرة الجنسية بين الوالدين، و إلی اثارة الغريزة بسبب الاحتكاك الناجم من النوم تحت غطاء واحد و في غرفة واحدة، و ضيق المنزل و فقر الاُسرة يدفع الوالد إلی استخدام العقوبة البدنية في غير محلها، و تفريغ غضبه علی أولاده.

و يزداد الجنوح شدة حينما لا يجد الحدث الراحة و الهناء في البيت، فيبحث عن بيت بديل قد يجده في الشارع أو في عصابات الأحداث، أو يبحث عن إشباع حاجاته عن طريق الاستسلام للمغريات التي يعرضها المنحرفون عليه.

و يدفع الفقر بعض الاسر إلی تشغيل أبنائها و بناتها في أعمال تعرضهم للجنوح، كالعمل في غسل السيارات في الشوارع، أو بيع بعض الحلويات في الشوارع أو علی البيوت، أو العمل في المعامل و المزارع، أو العمل كخدام في البيوت، و هذه الأعمال تساهم أحياناً في الجنوح و الانحراف، و خصوصاً إذا وجد المنحرفون الكبار الذين يستغلون حاجة الأحداث الی المال فيدعونهم حسبما يريدون لتحقيق اغراض شريرة لهم، و القصص حافلة بالمآسي.

و الفقر أحياناً يؤدي بالشباب، إلی اتخاذ العنف وسيلة للحصول علی المال، أو للدفاع عن الكرامة الممتهنة للوالد أو الوالدة من قبل الأغنياء، أو الدفاع عن كرامة الحدث نفسه، فيلتجأ إلی الانتقام من المجتمع الذي حرمه من الاستمتاع بحقه في المتعة.

و من الدراسات في مجال جرائم العنف هي تلك التي قامت بها اللجنة الوطنية في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث خلصت إلی النتائج التالية:

1- جرائم العنف ظاهرة ارتبطت بالمدن و بخاصة التي يزيد عدد سكانها علی نصف مليون نسمة.

2- غالبية جرائم العنف يرتكبها الذكور.

3- غالبية المدانين في قضايا جرائم العنف من صغار السن خصوصاً الفئة العمرية الواقعة بين 15 و 24 سنة.

4- غالبية المدانين في جرائم العنف تنتمي إلی أسر يشتغل افرادها في أعمال ذات دخل متواضع و مكانة ‌منخفضة.

5- يساهم سكان الأحياء الفقيرة في جرائم العنف بنسبة أعلی من نسبتهم لمجموع السكان و خصوصاً السكان السود.

6- غالبية ضحايا الجرائم تنتمي إلی نفس الفئات الاجتماعية التي ينتمي إليها مرتكبو هذه الجرائم، أي أن الغالبية هي من الذكور صغار السن و فقراء و ساكنو المناطق الفقيرة.

7- غالبية جرائم العنف الخطيرة يقوم بها افراد تعوّدوا الاجرام.

و يشير التقرير إلی أن هذه النتائج قد تكون خاصة بوضع المجتمع الأمريكي، و قد تصلح لأن تعمم علی مجتمعات اُخري.(6)

و في العراق نجد أنّ للفقر دوراً في العنف و في الإرهاب الذي يستهدف المواطنين الأبرياء، فقد دفع الفقر بعض الشباب الی الاستيلاء علی بعض المصارف و ممتلكات الدولة أثناء سقوط النظام البائد، و شكّل بعضهم عصابات لابتزاز أصحاب الأموال بالتهديد و الخطف و ماشا به ذلك، مع التأكيد علی عدم حصولهم علی تربية إسلامية واعية، لأنّ البعض قد انساق الی سرقة أموال الدولة ظناً منه بحلية ذلك، و حينما صدرت فتاوی العلماء بحرمة ذلك، أرجع الكثير منهم الممتلكات المسروقة.

الفقر و الإرهاب

قد لايكون الانسان و خصوصاً الشاب إرهابياً أو يميل الی العنف لكنّ الأجواء و الظروف التي يعيشها تدفعه الی ذلك فالفقر و الحرمان الشعور بالذل يساهم في تحويله إلی إرهابي، و خصوصاً أن وجد الرعاية و الاهتمام من قبل قادة وكوادر الارهاب، حيث انّ الرعاية تولّد محبة و مودّة بين الشباب الفقير و بين من رعاه، و هذه حقيقة ثابتة.

قال رسول الله(ص):«جبلت القلوب علی حبّ من أحسن اليها و بغض من أساء اليها»(7).

و قال(ص):«اللهمّ لاتجعل لفاجر عليّ منّه فترزقه منّي محبّة»(8).

و قال الامام علي(ع):«بالاحسان تملك القلوب».

«بالاحسان تسترق القلوب».

«من كثر إحسانه كثر خدّامه و أعوانه».

«أحسن الی المسيء تملكه»(9).

فالشاب الفقير المحروم العاطل عن العمل، حينما لم يجدرعاية من المؤسسة الدينية أو المؤسسة الحكومية، إمّا لقصور و تقصير الأجهزة التنفيذية أو للتركة الاقتصادية الفاسدة للنظام السابق، و إمّا سوء التخطيط، أو كثرة البطالة و الفقراء بحيث يصعب وضع العلاج في فترة قصيرة، أو لضعف الامكانات الماديّة أو سوء التوزيع، فانّ مثل هذا الشاب ان وجد رعاية من غير المؤسسة الدينية و الحكومية فانّه سيتعلق قلبه به و بالتالي يتأثر بما يمليه عليه من أفكار و خطط و برامج و مواقف، فاذا كان الراعي حركة منحرفة أو هدّ امة فانّ المواطن سينخرط في صفوفها و يتأثر بافكارها و مخططاتها، فمن لم يجد ما يحتاجه من كهرباء سيتأثر بمن يوفرّ هاله عن طريق رفده بمولّدة كهربائية أو مساعدة مادية، و من لا يجد من لايعالجه فانّه سيتأثر بمن يوفر له نفقات العلاج، و من لا يجد مسكناً فانّه سيتأثر بمن يوفر له السكن، و يزداد التأثر كلما ازداد في الرعاية‌ و ازداد الاهتمام، و هذا التأثر سيتحول الی حب و عاطفة و سيتحول الی تبنّي أفكار الراعي له، و بالتدريج سيساهم في تنفيذ مخططاته بعد القناعة بأفكاره، فسيئساق الشباب وراء الحركات المجهولة التي تتبني شعارات اسقاط الحكومة و ابدالها بحكومة عادلة تعالج المشاكل و الأزمات و توفر الحاجات أو تشبعها، كما انساق الشباب وراء الحركات و الأحزاب التي ترفع شعارات الاصلاح و التغيير في الستينات و السبعينات و الثمانيات و التسعينات، فاذا كانت هذه الحركات المجهولة إرهابية فستتوسع ظاهرة الإرهاب فيفقد المجتمع أمنه و استقراره، حيث انّ الشعور بالحرمان و عدم الرعاية هو المرتع الخصب لنمو مفاهيم الارهاب و تحوله الی واقع ملموس، و هو الثغرة الوحيدة التي يدخل من خلالها الی عقول و قلوب الشباب حيث يخيّرون أنفسهم بين من يرعاهم و من يهملهم، فيختارون من يرعاهم و خصوصاً اذا كان يحسن القول و الشعارات، و هي شعارات تناغي فطرتهم و كينونتهم البشرية، و تجد لها قبولاً اذا كانت الحكومة قاصرة أو مقصرّة، حيث يشعر الشاب ذوالخبرة القليلة بانّ هذه الحكومة غير و طنية أو غير نزيهة أو غير مخلصة في مسؤوليتها أمام الله و أمام الدين و أمام الوطن و أمام المواطنين، و بالتالي يستحل التمرد عليها و علی اجهزتها الأمنية و العسكرية و السياسية و علی من يتعاون معها، و قد يستند الی الفتاوی السابقة التي تجوز قتل كل من يرتبط أو يتعاون مع النظام السابق أو يؤيده.

مقوّمات تحسين المستوی الاقتصادي

حث المنهج الإسلامي علی تحسين المستوی الاقتصادي بتوفير مقدّماته و أولوياته، لدوره في الاستقامة و الثبات النفسي و العقلي و الخلقي، و أوكل مسؤولية ذلك الی: الفرد و المجتمع و الدولة.

أولاً: مسؤولية الفرد

و ازن القرآن الكريم بين طلب الدنيا و طلب الآخرة، بحيث لايطغی جانب علی جانب، فللانسان نصيب من الدنيا و نصيب من الآخرة، و للانسان حاجات مادية و أخری معنوية و روحية، تهتف باشباعها؛ لأنّ عدم الاشباع يؤدي الی حدوث إضطراب في الصحة الجسدية و النفسية و الروحية.

قال تعالی:«و ابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة و لا تنس نصيبك من الدنيا»(10).

و قد حثت الروايات الشريفة علی العمل و الكسب.

قال الامام علي(عليه‌السلام):«إنّ الله عزّوجلّ يحبّ المحترف الأمين»(11).

و قال الامام جعفر الصادق(عليه‌السلام):«يا هشام ان رأيت الصفّين قد التقيا، فلا تدع طلب الرزق في ذلك اليوم»(12).

و كان رسول الله(ص) إذا نظر الی الرجل فأعجبه قال:«له حرفة»، فان قالوا: لا، قال:«سقط من عيني».

قيل:‌«و كيف ذاك يا رسول الله؟».

قال:«لأنّ المؤمن إذا لم يكن له حرفة يعيش بدينه»(13).

و عن عمر بن زيد قال: قلت لأبي عبدالله (عليه‌السلام): رجل قال: لأقعدنّ في بيتي و لا صلينّ و لأصومنّ و لأعبدنّ‌ربّي، فأمّا رزقي فسيأتيني.

فقال أبوعبدالله (عليه‌السلام):«هذا أحدث الثلاثة الذين لايستجاب لهم»(14).

و قال(عليه‌السلام):«لا خير في من لايحبّ جمع المال من حلاله؛‌يكفّ به وجهه و يقضي به دينه و يصل به رحمه»(15).

و اعتبر الامام علي (عليه‌السلام) ترك العمل و الكسب و الانقطاع للعبادة فقط من موجبات وساوس الشيطان.

قال له العلاء: يا أميرالمؤمنين، أشكو إليك أخي عاصم بن زياد، قال: و ماله؟ قال: لبس العباءة و تخلّی عن الدنيا.

قال الامام علي(ع): عَليّ به، فلما جاء قال(ع):«يا عُدَيَّ نفسه! لقد إستهام بك الخبيث! أما رحمت أهلك وولدك أتری الله أحلّ لك الطيبات، و هو يكره أن تأخذها! أنت أهون علی الله من ذلك!»(16).

و أوضح الامام الصادق(عليه‌السلام) أثار الكسل و الجمود بسبب كثرة النوم فقال:«كثرة‌النوم مذهبة للدين و الدنيا»(17).

پ من السؤال:

أراد الاسلام من الانسان أن يكون عاملاً كاسباً، و أن يستثمر طاقته في العمل و البناء و الاعمار و الابتكار، و أن يصلح و يعمّر الأرض بالزراعة و الصناعة و التجارة‌و الكسب المشروع، و حذر من تعطيل طاقته و الإتكال علی الآخرين بطلب المال أو لقمة العيش منهم، لأنّ السؤال تعطيل للطاقة و عرقلة للانتاج، و تترتب عليها آثار نفسية و اجتماعية كالذل و المنّ و أحياناً يتخلله الكذب و الغش و ماشابه ذلك.

فقد إعتبر رسول الله(ص) المتكل علی الناس ملعوناً للتشديد في طلب العمل و ترك السؤال، فقال:«ملعون من ألقی كلّه علی الناس»(18).

و السؤال يجعل الانسان محدود الموارد،‌فلا يدخل في رصيده الاّ ما يكفيه لقوت محدود و ملبس محدود، فلا تنمو أمواله التي ينتفع بها و ينفع غيره عند نمائها و زيادتها، و بمعنی آخر أنّ السؤال يؤدي الی الفقر، و هذا ما أشار اليه رسول الله(ص) قائلاً:«من فتح علی نفسه باب مسألة فتح الله عليه باب فقر»(19).

و من آثار السؤال: الذل، و الفقر، و حساب يوم القيامة، كما ورد عن الإمام جعفر الصادق(ع):«إياكم و سؤال الناس فانّه ذلّ في الدنيا، و فقر تعجلّونه، و حساب طويل يوم القيامة»(20).

ثانياً: مسؤولية المجتمع

المجتمع مسؤول عن بث روح الأخوة عن طريق التكافل الإجتماعي و تحقيق التوازن الإقتصادي برفع المستوی المعاشي للفقراء و المعوزين و المحتاجين عن طريق الصدقة و الإحسان و السخاء و الجود و الكرم و الايثار، و جميعها مرتبطة بمفاهيم و قيم مقدّسة لانّها مرغوبة و محبوبة من قبل خالق الأنسان و من قبل رسوله الكريم(ص) و من قبل أئمة أهل البيت(عليهم‌السلام)، و هي مرغوبة و محبوبة لانّها تنطلق من الانسان ذاتياً دون إكراه أو إجبار، فيقبلها الفقير بقبول أخوي يستشعر من خلاله الفقير و الغني بالأخوة و المودّة و المحبة، فلا تترك آثاراً سلبية علی وضع الفقير النفسي و العاطفي فلا يشعر بالذل و المسكنة، مادام المال الذي يأخذه مأموراً به من قبل الشارع المقدّس سواء كان مندوباً أو واجباً شرعياً يتقرب به الانسان الی الله تعالی.

1- الانفاق التطوّعي

حثت الآيات الكريمة‌و الأحاديث الشريفة علی الانفاق التطوعي الذي ينطلق من ذات الإنسان ليرضي خالقه، و يرضي أولياء الله(عليهم‌السلام)، فينفقه الميسور تقرباً الی الله تعالی لنيل الثواب و الرحمة الالهية، و تعميق روح المحبة و المودّة داخل المجتمع الاسلامي.

فقد ذكر القرآن الكريم الانفاق مقترناً بالايمان و الصلاة في أغلب الآيات.

و ذكره في آيات أخری في سياق صفات المؤمنين و منها هذه الآية:«والّذين إستجابوا لربّهم و أقاموا الصلاة و أمرهم شوری بينهم و ممّا رزقناهم ينفقون»(21).

و شجّع القرآن الكريم علی جميع ألوان الانفاق سرّاً كان أم علناً:«ان الذين يتلون كتاب الله و أقاموا الصلاة و أنفقوا ممّا رزقناهم سرّاً و علانية يرجون تجارة لن تبور»(22).

و الايثار هو أعلی درجات الانفاق:«...و يؤثرون علی أنفسهم و لوكان بهم خصاصة و من يوق شحّ نفسه فاولئك هم المفلحون»(23).

و قد ينفق الانسان من ماله أو ممتلكاته الزائدة عن حاجته، و لكن الإنفاق الأكثر مرغوبية و محبوبية هو الانفاق من المال و الملك العزيز غير الفائض عن الحاجة، قال تعالی:«لن تنالوا البرّ حتّی تنفقوا ممّا تحبون»(24).

و الانفاق في هذه الحالة يزيد الفقير و المحتاج سروراً لانّه يشعر بأن المنفق قد أنفق عليه من ماله العزيز فتتعمق  روح الأخوة أكثر فأكثر.

و وردت عدّة روايات تؤكد علی السخاء و الجود و الكرم و الاحسان و جميع أعمال الخير.

و جعل الامام علي(ع) الإنفاق من شرف مكارم الدنيا،‌و حدّد موارده بالقول:«فمن أتاه الله مالاً، فليصل القرابة، و ليحسن منه الضيافة، و ليفك به الأسير و العاني، و ليعط منه الفقير و الغارم، و ليصبر نفسه علی الحقوق و النوائب، ابتغاء الثواب، فانّ فوزاً بهذه الخصال شرف مكارم الدنيا و درك فضائل الآخرة»(25).

2- الانفاق الواجب

الانفاق الواجب هو انفاق مقدّس أيضاً لانّه امتثال لأمر الله تعالی، و يشترط فيه نية القربی كباقي العبادات، فهو عبادة لله تعالی و طاعة له، و هو و ان كان واجباً، الاّ انّه باختيار الانسان و خصوصاً في حال عدم وجود حكومة إسلامية تتدخل لجبي الزكاة و الخمس و باقي الواجبات المتعلقة بالملكية.

قال تعالی:«و في أموالهم حقّ للسائل و المحروم»(26).

و قال تعالی:«و آتِ ذي القربی حقّه و المسكين و إبن السبيل و لاتبذّروا تبذيراً»(27).

و قال تعالی:«و آتوا حقّه يوم حصاده و لاتسرفوا انّه لايحبّ المسرفين»(28).

و يجب طاعة ولي الأمر أو الحاكم الاسلامي سواء كان مبسوط اليد أي علی هرم الحكومة أو كان غير مبسوط اليد، بدفع الحقوق الشرعية الواجبة إليه إذا كان عادلاً و رعاً كفوءاً في إدارتها و توزيعها في مواردها التي حددتها له الشريعة.

و بالانفاق الواجب يمكن رفع المستوی الاقتصادي للفقراء و المحتاجين و العاطلين عن العمل و خصوصاً العاطلين لسبب من الأسباب الموضوعية.

و رفع المستوی الإقتصادي يجعل الفقراء و المحتاجين يشعرون بالرعاية و الاهتمام من قبل المجتمع الذي يعيشون فيه، ممّا يؤثر علی حرصهم علی سلامته بالابتعاد عن السرقة و الاحتيال و الغش و الاعتداء علی أمواله و ممتلكاته، و يدفعهم لتجنب الممارسات السلبية التي يفرضها عليهم الجوع و العوز و الحرمان، و يقلل من إضطرابهم النفسي و العقلي و السلوكي.

ثالثاً مسؤولية الدولة

الدولة مسؤولة عن رفع المستوی الإقتصادي لعموم الناس و خصوصاً الفقراء و المحتاجين و العاطلين عن العمل، فهي مسؤولة عن جمع الخمس و الزكاة و إنفاقها في مواردها، و اذا لم تكن الدولة إسلامية أو لاتتبنی الاسلام منهجاً لها في الحياة، فالمرجع يتحمّل هذه المسؤولية بحث الناس علی إداء ما بذمتهم من حقوق لتوزيعها و إنفاقها في مواردها.

و من موارد الانفاق في الزكاة:«إنّما الصدقات للفقراء و المساكين و العاملين عليها و المؤلفة قلوبهم و في الرقاب و الغارمين و في سبيل الله و ابن السبيل فريضة من الله و الله عليم حليم»(29).

و من موارد إنفاق الخمس:«و اعلموا إنّما غنمتم من شيء فانّ الله خمسه و للرسول و لذي القربی و اليتامی و المساكين و إبن السبيل...»(30).

و مورد «في سبيل الله» يشكل جميع ما يحتاجه الفرد و المجتمع من خدمات و تسهيلات في جميع المجالات، كالكهرباء و الصحة و التعليم و ماشابه ذلك من الأمور الضرورية و الكمالية.

و من أجل رفاهية الطبقات المحرومة فرض المنهج الاسلامي علی الدولة ضمان معيشة أفراد المجتمع ضماناً كاملاً، و هي عادة تقوم بهذه المهمة علی مرحلتين:«ففي المرحلة الأولی تهيء الدولة للفرد و سائل العمل، و فرصة المساهمة الكريمة‌في النشاط الاقتصادي المثمر، ليعيش علی أساس عمله وجهده، فاذا كان الفرد عاجزاً عن العمل و كسب معيشته بنفسه كسباً كاملاً، أو كانت الدولة في ظرف استثنائي لايمكنها منحه فرصة العمل، جاء دور المرحلة الثانية، التي تمارس فيها الدولة تطبيق مبدأ الضمان، عن طريق تهيئة المال الكافي، لسد حاجات الفرد، و توفير حد خاص من المعيشة له»(31).

و الدولة مسؤولة عن الضمان الاجتماعي في حدود امكاناتها و علی أساسين:«الأساس الأول: هو التكافل العام، و هو المبدأ الذي يفرض فيه الإسلام علی المسلمين كفاية، كفالة بعضهم لبعض، و يجعل من هذه الكفالة فريضة علی المسلم في حدود ظروفه و إمكاناته، يجب عليه أن يؤديها علی أي حال كما يؤدّي سائر فرائضه.

و الدولة... مخوّلة حق إكراه كل فرد علی اداء واجباته الشرعية... في كفالة العاجزين، إذا امتنعوا عن القيام بها، و بموجب هذا الحق يتاح لها أن تضمن حياة العاجزين و كالة عن المسلمين.

و الأساس الثاني للضمان الاجتماعي: تكون الدولة مسؤولة بصورة‌ مباشرة عن ضمان معيشة المعوزين و العاجزين، بقطع النظر عن الكفالة الواجبة علی أفراد المسلمين أنفسهم»(32).

و الدولة مسؤولة عن الحدّ الأدنی للمعيشة و عن الحدود الاُخری ذات المستوی الأرفع الذي يصل بالانسان إلی مستوی الرفاه المناسب لإنسانيته بالقياس لسائر الطبقات الاجتماعية.

وئ من خلال تطبيق قواعد و اسس المنهج الاقتصادي الاسلامي تتحقق الرفاهية للجميع بمافيهم الشباب، فيتنعمون بقسطٍ من الهناء و المتعة، و يجدون مرتعهم الخصب في إشباع حاجتهم دون الشعور بالاحباط و الحرمان، فلا يجدون فرقاً بينهم و بين غيرهم من الأحداث.

و الرفاهية في المسكن و المأكل و الملبس و في الاُمور الكمالية و الفنية و في اشباع الحاجة إلی اللعب و النزهة و السفر، تمنع من الأمراض النفسية و الروحية كالحسد و الحقد و الطمع، و كذلك الهمّ و الحزن بسبب الفقر، و تمنع من الانحرافات التي تنجم عن الشعور بالحرمان و الدونية، كالسرقة و العدوان علی ممتلكات الاخرين و علی أرواحهم و أعراضهم، و تمنع من الاستسلام للانحرافات لقاء الحصول علی المال الضروري في تحقيق الرفاهية.

و رفاهية الأحداث لها الدور الكبير في تهذيب النفس و تطهير الضمير، و اشاعة الطمأنينة في داخل النفس، و هي أساس النمو السليم الفكري و العاطفي و السلوكي، و أساس التفوق في أغلب مجالات المعرفة الفردية و الاجتماعية، اضافة‌إلی التفوق في سلم الكمال.

المتهج التربوي للحياة الاقتصادية

و بالاضافة الی هذه الألوان من المسؤولية ينبغي بل يجب علی المؤسسة الدينية و الحكومية وضع برامج تثقيفية و تربوية و أخلاقية لتربية و تعليم المجتمع تربية صالحة علی ضوء المفاهيم و المثل و المبادئ الإسلامية التي تنظر الی المال كأمانة و وديعة عند الناس، و هذا من شأنه أن يسمو بالانسان نحو المثل المعنوية، فلا تصيبه الأمراض النفسية الفقر و الحرمان و الجوع إن لم يستطع إشباعها.

و من منهج الاسلام التربوي للحياة الاقتصادية:

1- إعتبار المال ليس مقياساً للتفاضل.

2- محاربة مبدأ المال غاية.

3- تبيان فوائد الزهد و الكفاف و القناعة.

4- ذكر الروايات التي تشير الی:

أ- حب الله تعالی للفقراء.

ب- تعويض الله للفقراء يوم القيامة.

ت- دخول الفقراء للجنة قبل الأغنياء.

ث- الدنيا في حلالها حساب.

ج- الصبر علی بلاء الفقر.

ح- النهي عن الطمع و الحرص و الشره.

خ- النهي عن حسد الفقراء للأغنياء.

5- الدعوة للاقتداء برسول الله(ص) و أهل بيته(عليهم‌السلام) و العلماء الذين عاشوا الكفاف و القناعة و الزهد و الصبر علی الفقر.

6- التذكير بالآخرة الدائمة، و بزوال الدنيا.

7- التذكير بانّ الانسان لايأخذ من دنياه الاّ الكفن و العمل الصالح.

و يتحقق تأثير هذه التربية علی النفوس- بحيث لايصبح الفقر ظاهرة سلبية عند الفقراء تنعكس علی أخلاقهم أو أوضاعهم النفسية- حينما يجد الناس أنّ القيادة الدينية أو مسؤولي الدولة يعيشون الزهد و الكفاف و القناعة، و انّهم قد بذلوا جهودهم من أجل رفع المستوی المعاشي و الاقتصادي للفقراء الاّ أنّ الظروف لم تساعدهم.

دور الترف الفاحش في الانحراف

الترف الفاحش كالفقر المدقع يؤدي في أغلب الأحيان الی الانحراف، و خصوصاً إذا ضعفت مظاهر التربية الدينية و ابتعد المجتمع عن الدين كمنهج حياة، بل أنّ الترف الفاحش أشد قرباً للانحراف لأنّه يفسد الفطرة السليمة، و يفقد القلوب تلك الحساسية المرهفة التي تتلقی و تتأثر و تستجيب للنداءات الالهية، حيث تسترخي الجوارح و تنغمس في الملذات فتنسی ذكر الله تعالی، بينما الفقر قد يكون سبباً للدعاء و التوسل بالله تعالی و الالتجاء اليه.

قال تعالی:«و لو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض و لكن ينزّل بقدرٍ ما يشاء انّه بعباده خبير بصير»(33).

و الترف الفاحش قديوحي للانسان بانّه خالد قينسی الموت و العذاب.

قال تعالی:«ويل لكلّ همزة‌لمزه. الّذي جمع مالاً و عدّده. يحسب أنّ ما له أخلده»(34).

و الأموال فتنة كما قال تعالی:«إنّما أموالكم و أولادكم فتنة و الله عنده أجر عظيم»(35).

و قال رسول الله(ص):«حب الدنيا رأس كل خطيئة»(36).

و الترف الفاحش الذي يترتب عليه التنعم بالمباحات يؤدي الي قساوة القلب بل موته كما أشارت الروايات الشريفة عن رسول الله(ص):«من كثر طعمه سقم بطنه و قسا قلبه»، «لاتميتوا القلوب بكثرة الطعام و الشراب، فانّ القلب يموت بهما، كالزرع يموت إذا كثر عليه المال»(37).

و الترف الفاحش يخلق الأجواء المناسبة للانحراف، فاذا كان الفقر يكبت الشهوات، فانّ الترف يفجرها عند إنعدام التربية الصالحة، إضافة الی دور الترف في نسيان ذكر الله تعالی بالانشغال الذهني بالحسابات و التجارات، و القلق علی المال من الضياع و الخسران، و التفكير بالأرباح الأكثر و هكذا.

كما ورد في أقوال الامام علي (عليه‌السلام):

«المال مادة الشهوات»(38).

«المال وبال علی صاحبه الاّ ما قدّم منه».

«المال فتنة النفس و نهب الرزايا».

«كثرة المال تفسد القلوب و تنشيء الذنوب».

«إذا مليء البطن من المباح عمي القلب عن الصلاح».

«الشبع يفسد الورع».

«الشبع يورث الأشر و يفسد الورع»(39).

و الترف الفاحش يؤثر علی الأحداث من أطفال و مراهقين و شباب أكثر من تأثيره علی والديهم المتقدّمين في العمر حيث أنّه يجعل الحدث يأخذ و لا يعطي، فكل ما يريده يحصل عليه، و ان أباه و غيره يكون رهن اشارته، يوفر له كل ما يريده، و الترف غالباً ما يؤدي إلی التدليل و إلی التراخي و التجاوز عن الأخطاء، و كل ذلك يؤدي إلی الشعور بالنقص و الخيبة حين يصطدم الحدث بالعالم الخارجي أو يذهب إلی المدرسة، حيث يكون ضيقاً لا يطيق مواجهة الصعوبات، فيجهد في الخلاص منها بأي ثمن و سرعان ما يستجدي المعونة من غيره، و الترف يميت لدی الحدث روح التفرد و الاستقلال و يخلق في نفسه علی مر الزمن صراعاً بين رغبته في الاتكال علی غيره و رغبته في التحرر و توكيد شخصيته.

و الترف عموماً يعوّد الحدث علی الأخذ بلاعطاء، و يعوده علی عدم التنازل عن بعض رغباته، و في مثل هذه الأجواء يكون الحدث ضعيفاً أمام الهزائز و الصعوبات، و قد يلتجأ إلی ارتكاب بعض الموبقات للحصول علی اصدقاء يلبون رغباته في الاحترام أو التدليل، أو يقع تحت تأثير المنحرفين مستسلماً لهم، أو يقع ضحية انتقام الاخرين من الفقراء و المحرومين.

و الترف الفاحش يؤدی ببعض الأسر إلی توفير وسائل الافساد التي لا يستطيع الفقير شراءها.

و قد دلّت الدراسات علی دور الترف في الانحراف، فحينما أصبح المال و فيراً أو متيسراً في يدي فئات واسعة من الناس، انتشرت الخمرة علی نطاق واسع، و تفشی المخدر و عمّ البغاء و القمار و الفسق، و كلها عوامل حاسمة تدفع أصحاب الاستعداد إلی الجريمة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، و من انتشار الثروة، تبرز ظاهرة‌سرقة السيارات أو سرقة المتاجر أو خطف الاولاد للحصول علی فدية و في هذا الصدد يری أحد محمد خليفة، أن للمال الوفير مخاطره الجمة، فقد كتب يقول:(في حالة الرخاء يكثر المال و يندفع الناس وراء اللهو، فتكثر الجرائم الجنسية و جرائم المال، و أحياناً جرائم العنف).

و قد عللت جريدة الفيغار و الفرنسية، أسباب تفاقم الاجرام في انگلترا بكثرة المال في أيدي الناس(40).

مقوّمات الحيلولة دون الترف الفاحش

إنّ الحدّ من الترف الفاحش و تحقيق التوازن الاقتصادي لايتحقق الاّ في ظل دولة تتبنی الاسلام قاعدة فكرية و تشريعية لها، و أن يكون علی رأسها فقيهاً عادلاً كفوءاً، أو عادلاً يأتمر بأمر الفقهاء بحيث تكون مؤسساتها موسسات إسلامية، و أجهزتها التنفيذية أجهزة إسلامية، حيث تتحد القوة مع الثقافة و التربية الإسلامية بوجود القدوة الصالحة و المصلحة، فتكون وسائل الإعلام مكرسة للثقافة و الوعي الإسلامي، الذي يوجّه المجتمع نحو السمو و الرقي الروحي و التعالي علی المفاهيم الماديّة، حيث يكون التنافس في المعروف و في عمل الخير و في العمل الصالح مقياساً للتفاضل، و يكون رضی الله تعالی هو الهدف و الغاية.

و من أهم مقوّمات الحيلولة دون الترف الفاحش:

أولاً: المنهج التربوي الصالح

حينما تتظافر الجهود الإعلامية و المنابر الإعلامية المتنوعة، كالفضائيات، و منابر الوعظ في المساجد و الحسينيات، و في مجالس الناس و أماكن تواجدهم كالمقاهي و الجمعيات و المنتديات و في النوادي الرياضية، إضافة الی المدارس و الجامعات، و في الزيارات المتكررة لأضرحة الأئمة و الصالحين من مختلف المذاهب، و كذلك القيام بالتبليغ السيّار الذي يتابع الناس في أماكن عملهم و تواجدهم و إستراحاتهم، فانّ جميع هذه النشاطات تؤثر علی عقول الناس و قلوبهم و إراداتهم فتتوجه الی المبلّغ و الداعية‌القدوة لتصلح و اقعها.

و من محاور هذه التربية أو المنهج التربوي:

1- الدعوة الی عدم الإسراف و التبذير

قال تعالی:«يا بني آدم خذوا زينتكم عندكلّ مسجد و كلوا و إشربوا و لا تسرفوا انّه لايحب المسرفين»(41).

و قال تعالی:«إنّ المبذّرين كانوا إخوان الشياطين»(42).

2- تبيان عاقبة المؤثرين الحياة الدنيا علی الآخرة.

قال تعالی:«فأمّا من طغی. و آثر الحياة الدنيا. فانّ الجحيم هي المأوی»(43).

و قال تعالی:«من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه و من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها و ما له في الآخرة من نصيب»(44).

3- الباقيات الصالحات مقياس للتفاضل

قال تعالی:«المال و البنون زينة الحياة الدنيا و الباقيات الصالحات خير عندّ ربّك ثواباً و خير أملا»(45).

4- تحريم كنز الذهب و الفضة.

قال تعالی:«... و الذين يكنزون الذهب و الفضة و لا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم»(46).

5- الدعوة الی الانفاق و الصدقة و العطاء و الكرم و الاحسان و الايثار و أعمال الخير، و اشباع حاجات الفقراء و المساكين و الأرامل و اليتامی.

6- تبيان مساوئ الطمع و الجشع و البخل و الحرص و حب المال و التفاضل علی أساسه، و أضرار الترف الفاحش علی العقل و النفس و الأخلاق.

7- تحريم الأعمال و المكاسب المضرة بالفرد و المجتمع.

8- التربية الروحية الشاملة و من أهم مظاهرها:

أ- الحث علی ذكر الله تعالی و الدعاء و قراءة القرآن، و التمرين علی العبادات المستحبة.

ب- الحث علی ذكر الموت و يوم القيامة.

ت- الحث علی محاسبة النفس و الاستغفار و العودة‌الی الله.

ث- الدعوة الی الإقتداء بالأولياء و الصالحين في تفضيلهم الآخرة علی الدنيا.

ج- تنمية الحياء و الوجدان و الضمير.

9- التشجيع علی تأسيس الجمعيات الخيرية من قبل التّجار الكبار و الأغنياء، و تقديم الثناء لهم من علی الفضائيات، و المنابر الإعلامية.

10. تكثير عدد الكتب و المؤلفات و المجلات و الصحف و البوسترات و الاعلانات التي تتطرق الی العبر و المواعظ و التجارب و قصص الماضين.

11- تربية الجيل الناشيء في المدارس و غيرها علی ما تقدّم من مفاهيم و قيم صالحة.

ثانياً: تدخل الدولة

بعد أن يؤدي المنهج التربوي دوره في الإصلاح و التغيير يأتي دور الدولة للتدخل في إحلال التوازن الاقتصادي و التكافل الاجتماعي علی أساس القاعدة القرآنية:«... كي لايكون دولة بين الأغنياء منكم...» (47).

و علی أساس القاعدة العلوية:«إنّ الله فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلاّ بما مُتّعَ به غنيّ، والله تعالی سائلهم عن ذلك»(48).

و من محاور أو مظاهر تدخل الدولة:

1- منع الإعتداء علی أموال الناس.

2- منع الاحتكار و التلاعب بالأسعار.

3- منع الربا و المعاملات الربوية.

4- منع تجميد الأموال و تكديسها.

5- أخذ الضرائب الواجية كالزكاة و الخمس و ماشابه ذلك بعد إقرار المرجع أو الفقيه المتصدّي.

6- فرض ضرائب إضافية علی الأموال و الممتلكات للحدّ من الثراء الفاحش.

7- المنع من الإسراف و التبذير الذي يؤثر علی التوازن الاقتصادي.

8- العمل بالقاعدة النبوية«لاضرار و لاضرار».

9- محاسبة مسؤولي الدولة علی قاعدة «من أين لك هذا؟» و تعميمها علی أصحاب الثراء الفاحش الذين تجاوزوا و الحدّ حتی أصبحت ممتلكاتهم تشير الشوك عن مصدرها.

و في الختام نقتدي بدعاء الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين (عليهما السلام):«اللهمّ اني أسألك حسن المعيشة؛ معيشة أتقوی بها علی جميع حوائجي، و أتوصل بها في الحياة الی آخرتي من غير أن تترفني فيها فأطغی أو تقتر عليّ فأشقی»(49).

المصادر:

•1- تصنيف غرر الحكم: 365، عبدالواحد الآمدي، مكتب الاعلام الاسلامي، قم، 1987.

•2-    م.ن:‌366.

•3-    م.ن:366، 367.

•4-    م.ن: 365.

•5- نهج البلاغة:500، تحقيق د. صبحي الصالح، دارالهجرة، قم، تاريخ التحقيق: 1387ه‍ .

•6- الطفولة المنحرفة: 74، د. جليل وديع شكّور، الدار العربية للعلوم، بيروت، 1998م.

•7- تحف العقول: 26، ابن شعبة الحرّاني، المطبعة الحيدرية، النجف، 1380ه‍ .

•8- المحجة البيضاء3: 288، الفيض الكاشاني، جامعة المدرسين، قم، 1383ه‍ .

•9-    تصنيف غررالحكم: 385، 388.

•10-  سورة‌ القصص:77.

•11- الكافي5: 113، محمد بن يعقوب الكليني، دارصادر، بيروت، 1401ه‍ .

•12-  الكافي5: 78.

•13- مستدرك الوسائل2: 415، حسين النوري، المكتبة الاسلامية، طهران، 1383ه‍ .

•14-  الكافي5: 77.

•15-  الكافي5: 72.

•16-  نهج البلاغة: 324.

•17-  الكافي5: 84.

•18-  الكافي5: 72.

•19-  الكافي4: 19.

•20-  الكافي4: 20.

•21-  سورة الشوری: 38.

•22-  سورة فاطر:‌30.

•23-  سورة الحشر:9.

•24-  سورة آل‌عمران: 92.

•25-  نهج البلاغة:198.

•26-  سورة‌الذاريات:19.

•27-  سورة الأسراء:26.

•28-  سورة‌ الأنعام: 141.

•29-  سورة‌التوبة:60.

•30-  سورة الأنفال:41.

•31- إقتصادنا: 697، السيد محمدباقر الصدر، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، 1399ه‍ .

•32-  إقتصادنا:‌699، 700.

•33-  سورة‌الشوري: 27.

•34-  سورة‌الهمزة:1-3.

•35-  سورة التغابن: 15.

•36-  المحجة البيضاء3: 353.

•37- شرح نهج البلاغة19: 187، إبن أبي الحديد المدائني، دار إحياء الكتب العربية في القاهرة، 1378ه‍ .

•38-  نهج البلاغة: 478.

•39-  تصنيف غررالحكم:361-368.

•40- دراسات معمقة:41، عن علم الاجرام الاجتماعي: 116، جريدة الفيغارو، العدد: 31.

•41-  سورة‌ الأعراف: 31.

•42-  سورة‌ الأعراف: 27.

•43-  سورة النازعات: 37-39.

•44-  سورة‌الشوری: 20.

•45-  سورة الكهف:46.

•46-  سورة التوبة:34.

•47-  سورة الحشر:7.

•48-  نهج البلاغة:533.

•49- الصحيفة السجادية الجامعة: 149، تحقيق مؤسسة الامام المهدي(ع)، قم، 1411ه‍ .

 

سعيد العذاري


التعليقات

الاسم: فراس حمودي الحربي
التاريخ: 02/04/2012 14:43:47
سعيد العذاري

.................... ///// مبارك لك ايها النقي ولجميع الزملاء الاحبة

تحياتي فراس حمودي الحربي ...................................... سفير النوايا الحسنة

الاسم: سعيد العذاري
التاريخ: 02/04/2012 09:33:47
الشاعرة المتميزة مكارم المختار رعاك الله
تحياتي
ببركات تشجيعكم اتقوى واواصل
اشكرك على التهنئة الكريمة
وفقك الله وسدد خطاك

الاسم: عذراء النور
التاريخ: 29/03/2012 23:25:39
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أسال العلي القدير ان يجعل التوفيق حليفكم ويسدد خطاكم
الف مبروك

الاسم: مكارم المختار
التاريخ: 29/03/2012 14:21:12
طابت ايامكم باليمن والحير والهناء مع تمنياتي الجميع

الكاتب الباحث المؤلف الورع التقي

سعيـــــــد العــــذاري

مباااااااارك وبالسداد والفلاح دومااااااا
أحييك روحا عطرة مضمخة بتراب بلدك ومتيممة بفرات ماءه
أمسيك خير وأبارك لك حرفك وحضورك أيها القدير الجليل
يامن أعتدنا واعتدت شخصيا منه طيب الكلم وحسن القول
وأحسان المعرفة وفاضل التعارف
سرني مروري تكريمك ولن أقول فوزك ... فالفوز رهين بكتبك ومرلفاتك ، أيها الفاضل الصديق الصاحب

وأسمح أن اهديك خربشات في هذه الدنيا من اسطر القرطاس

مع جل تقديري وخالص اعتباري
تمنياتي
تحياتي
للجميع صادق الدعوات


مكارم المختار


يا لآبتسامة العجوز، نشيد حياة يردد بفم طفل، وعين تغادرها ألشمس، ترسم ربيع الخريف في أزقة الفصول، يا لها وكأنها بعد الشباب، صبية، ترسم بين أجفانها سرمدية المودة، ونظراتها خرير يصوت، لحن بين ذراعي القلب واللسان، ينام فجرا فوق ضوء القمر، والعين بنظراتها، موجات ترقص بين سحب السماء، على همسات ضياء ألسحر، نور يزين عطرا يتبسم حولك، حديقة شرقية الجمال، تبتسم ككوكبا

الاسم: سعيد العذاري
التاريخ: 20/03/2012 17:29:53
اخي الحبيب الشاعر والاديب الواعي حسن النواب رعاك الله
تحياتي
ببركات تشجيعكم اتقوى واواصل
اشكرك على التهنئة الكريمة
وفقك الله وسدد خطاك

الاسم: سعيد العذاري
التاريخ: 20/03/2012 17:28:52
الاديب الواعي عبد الواحد محمد رعاك الله
تحياتي
ببركات تشجيعكم اتقوى واواصل
اشكرك على التهنئة الكريمة
وفقك الله وسدد خطاك

الاسم: حسن النواب
التاريخ: 20/03/2012 12:21:50
تهنئةتمطر فرحا
لمناسبة فوزك
مقال رصين حافل بالحكمة، والرشاد .
محبتي الكبيرة صديقي سعيد العذاري .
والى مزيد من التألق .

الاسم: عبدالواحد محمد
التاريخ: 20/03/2012 11:31:45
الف مبروك العزيز استاذنا سعيد العذاري
ومزيد من النجاح والتقدم وخالص الامنيات الطيبة

الاسم: سعيد العذاري
التاريخ: 20/03/2012 11:05:28
الشاعر المتالق عباس طريم رعاك الله
تحياتي
ببركات تشجيعكم اتقوى واواصل
تعليق جميل واضافات قيمة
وفقك الله وسدد خطاك

الاسم: عباس طريم
التاريخ: 20/03/2012 08:43:08
الداعية الاسلامي الاديب السيد سعيد العذاري .

بحث مطول وجميل .
ويعالج اهم عامل يتعايش مع الناس يوميا , الا وهو العامل الاقتصادي , الذي يحرك العجلة ويديرها حيث الرفاه .ودونه لا يستقيم للدول الحال . وتنقلب امورها الى حيث الفقر والحرمان .

تحياتي للمفكر الاسلامي الرائع السيد سعيد العذاري .

الاسم: سعيد العذاري
التاريخ: 19/03/2012 21:43:31
الشاعر الواعي الرسالي سردار محمد سعيد رعاك الله
اشكرك على التهنئة
ووفقك الله لكل خير

الاسم: سردار محمد سعيد
التاريخ: 19/03/2012 19:09:47
لك التهنئة صديقي الباحث سعيد العذاري وإلى مزيد من التقدم
تقديري




5000