هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


آيات الأحكام القرآنية [ محاولة جديدة لدراسة آيات الأحكام القرآنية ] الجزء السادس

الشيخ عمر غريب

1-/ الشهادتان ؛

الشهادتان في الاسلام هما الشهادة الإيمانية والتصديقية والإقرارية بالتوحيد ؛ حيث هي [ لاإله إلاّ الله ] ، ثم تليها الشهادة الإيمانية والتصديقية بنبوة محمد بن عبدالله ورسالته ودينه وكتابه ، وبعدها التصديق والإيمان على أنه عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء والمرسلين . ووفق ماقرّره الاسلام وشريعته فإن الإنسان يدخل في الاسلام بمجرد النطق بالشهادتين ، ثم العمل بشروطها ومقتضياتها ، لأن الشهادتان هما الأصل والقاعدة والأساس للاسلام كديانة ونظام وشريعة ، وللفرد المسلم ، أو المسلمة في كل شيء ، إذْ هما مجمل الإيمان ومدار الإعتقاد ومحور العبادة .

وعليه فإنه بدون بدون الشهادتان لايصح ولايقبل أيّ عمل وفعل عبادي وديني للفرد المسلم ، ولايثاب عليه إطلاقا . ذلك أن قواعد الاسلام والايمان وأركانهما متوقِّفة عليهما كالصلاة والصيام والزكاة والحج ، والى الحدود والأحكام ، والى الحلال والحرام والجائز والممنوع ، والى قضايا المعاملات والتشريع  ، أو شروط الايمان كالايمان بالملائكة والكتب السماوية والرسل والأنبياء الكرام واليوم الآخر والقدر خيره وشره .

لهذا نلاحظ بوضوح إهتمام القرآن الكريم البالغ بالتوحيد الألوهي - الرباني [ شهادة التوحيد ] ، ثم الإهتمام البالغ الآخر بالشهادة بالأنبياء والرسل الكرام كلهم عليهم الصلاة والسلام ، وبخاصة النبوة والرسالة والديانة السماوية الخاتمة لنبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، في الكثير من الآيات .

شهادة التوحيد في القرآن الكريم ؛

1-/ { لا إله إلاّ هو الرحمن الرحيم } البقرة / 163

2-/ { لاإله إلاّ هو العزيز الحكيم } آل عمران / 06

3-/ { إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد } النساء / 171

4-/ { ما آتّخذ الله من ولد * وما كان معه من إله * إذن لذهب كل إله بما خلق * ولعلا بعضهم على بعض } المؤمنون / 91

5-/ وما أمِروا إلاّ ليعبدوا إلها واحدا لاإله إلاّ هو } التوبة ، 31

6-/ قل ؛ إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون } الأنعام / 19

7-/ { ذلكم الله ربكم لا إله إلاّ هو خالق كل شيء فآعبدوه } الأنعام / 102

8-/ { لوكان فيهما آلهة إلاّ الله لفسدتا } الأنبياء / 22

9-/ ولاتجعلوا مع الله إلها آخر *إني لكم منه نذير مبين } الذاريات / 51

10-/ { ومن يدع مع الله إلها آخر لابرهان له به * فإنما حسابه عند ربه } المؤمنون / 117

11-/ { وما من إله إلاّ إله واحد } المائدة / 73

كما نشاهد جليا من سياق هذه الآيات القرآنية أنها تركز كل التركيز على التوحيد النقي الخالص لله تعالى ، حيث هو سبحانه ، لاغيره الإله والرب والمعبود المطلق المستحق للعبادة ، وذلك دون أيّ ند ولاشريك .

الايمان والشهادة بالأنبياء والرسل في القرآن ؛

1-/ { قولوا ؛ آمنا بالله وما أنزل إلينا * وما أنزل الى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط * وما أوتي موسى وعيسى * وما أوتي النبيون من ربهم لانفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون } البقرة / 136

2-/ {قل ؛ ياأيها الناس إني رسول الله أليكم جميعا } الأعراف  / 157

3-/ { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولاتبطلوا أعمالكم } محمد / 33

4-/ { ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين } البقرة / 177

5-/ { محمد رسول الله } محمد / 29

6-/ { إنه لقول رسول كريم } التكوير / 19

وفي السنة الشريفة لسيدي رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم نرى ذلك التركيز البالغ على التوحيد أيضا ، ثم على بقية القواعد والأركان الاسلامية والإيمانية ، منها ؛

1-/ { بُنِيَ الاسلام على خمس ؛ شهادة أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمدا عبده ورسوله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وحج البيت ، وصوم رمضان } ( 9 )

2-/ سُإلَ رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الاسلام ، فقال ؛ { لا تشرك بالله شيئا وتقيم الصلاة وتوتي الزكاة وتصوم رمضان } ( 10 ) .

3-/ وعن إبن عباس ؛ أن معاذا قال ؛ بعثني رسول الله محمد ( ص ) ، فقال ؛ { إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فآدعهم الى شهادة أن لا إله إلاّ الله وأني رسول الله } ( 11 )

شهادة التوحيد ؛ فلسفتها ، معناها وأبعادها في الاسلام :

علاوة على القيم العليا والأبعاد الكبيرة لشهادة التوحيد كما بيّنها القرآن الكريم خير بيان على المستوى الديني والايماني والمعنوي والإعتقادي والتصوري ،  فلها أيضا فلسفتها وأبعادها الدقيقة ومعانيها العظيمة على صعيد الحكم والسياسة والاجتماع البشري ، حيث انها ترتبط بها إرتباطا وثيقا . ولعله للسبب الأخير كان المترفون والملأ والطغاة والبغاة والفراعنة وأصحاب الجبت والطاغوت كانوا يواجهون الأنبياء بكل عناد وقوة وجور ، لأنهم كانوا يفقهون جيدا المعاني الأساسية التي تنطوي عليها شهادة التوحيد التي واجههم بها الأنبياء الكرام عليهم السلام  ! .  

ومن أحد تلك المعاني هو أن التوحيد يتناقض كليا مع طغيانهم وتأليههم لأنفسهم والتسلّط والرئاسة المستمرة على المجتمعات ، وعلى مقدراتهم ومصائرهم وحقوقهم وكرامتهم وآدميتهم ، بل لقد كان التوحيد ثورة تحررية للمجتمعات البشرية لتحريرهم من الآلهة والأرباب الطغاة من البشر والحجر وغيره .

في هذا الصدد يقول القر، الحكيم ؛ { ولقد بعثنا في كل أمّة رسولا أنِ آعبدوا الله وآجتنبوا الطاغوت * فمنهم مَنْ هدى الله * ومنهم مَنْ حَقّتْ عليه الضلالة ، فسيروا في الأرض فأنظروا كيف كان عاقبة المكذِبين } النحل / 36

التفسير ؛ لقد أرسل الله تعالى - بلا ريب - الى كل أمة من الأمم ، والى كل شعب من الشعوب ، والى كل جماعة من الجماعات البشرية رسولا ونبيا من جنسهم ، ومن قوميتهم ، وبلسانهم للايمان بشهادة التوحيد والعبادة لله تعالى والخضوع المطلق له فقط ، ثم لإجتناب الطاغوت . والطاغوت هو كل ما عَبِدَ من دون الله سبحانه سواء كان بشرا ، أم غيره . ولعل المراد الرباني القرآني للطاغوت هنا هو البشر من الطغاة الذين جمعوا كل السلطات والمصائر المادية والمعنوية ، السماوية والأرضية في أنفسهم ، وفي قبضتهم ، وفي أسرهم وحواشيهم ، حيث كانوا يستكبرون على مجتمعاتهم ويظلمونهم وينهبون خيراتهم وثرواتهم . لذا من الناس مَنْ تأمل وتدبّر فآمن بدعوة الأنبياء التوحيدية الايمانية والتحررية ، ومنهم مَنْ لم يتعظ ، ولم يعتبر ، إذْ أنه لم يعمل بعقله ففضّل الإستعباد للطاغوت والطغاة على التحريروالخلاص من سلطانهم وسلطاتهم وزعامتهم فحقّت عليه الضلالة والخسران المبين . ثم بعدها يشير القرآن وينبه الانسان الى ضرورة [ السير في الألارض ] ، أي قراءة التاريخ للظلمة والطغاة ومجتمعاتهم كي يتنوروا ويتفقهوا فلا يسيروا في المسير الغلط والمسار الخاطيء ، وعليهم في ذلك النظر والاعتبار لعواقب الذين كذّبوا الرسل والأنبياء .

وفي آية أخرى يقول القرآن الكريم ؛ { والذين آجتنبوا الطاغوت أنْ يعبدوها وأنابوا الى الله لهم البشرى } الزُمَر/ 17

التفسير ؛ إن الذين إجتنبوا الطاغوت ، أي الطغاة وآستنكفوا من عبادتهم وطاعتهم المطلقة ، وأن يكونوا أسرى وعبيدا لهم ، ثم رجعوا بحريتهم وإنسانيتهم الى الله تعالى حيث هو فقط المستحق للعبودية والطاعة المطلقة ، فإن لهم البشارة والبشرى من الله سبحانه ، ومن مخلوقاته الأخرى في الملإ الأعلى  ! .

واذا نظرنا الى نوح والملإ الطغاة من قومه ، والى إبراهيم ونمرود وموسى وفرعون وعيسى والطغاة ، والى محمد ( عليهم جميعا أفضل الصلاة والسلام ) وأبي جهل وأبي سفيان نرى أن هؤلاء ألّهوا ذواتهم سياسيا ومعنويا ، أو أنهم ألّهوا أصناما لكي يستمروا في ظلهم وطغيانهم وشركهم وإستعبادهم لعباد الله من المجتمعات ، ولكي يستمروا في التَحَكّمِ بمصائرهم ومقدراتهم وكرامتهم وحقوقهم وثرواتهم ، أي إنهم كانوا يتجاوزون على أخص خصائص الله سبحانه ، فكانوا يتقمّصون دور الألوهية في الحكم والتحكم بالمجتمعات البشرية . والى جانب هؤلاء الطغاة كان الكهنة والأحبار ورجال الدين يُمِدّونهم بالفتاوى لتبرير وتمرير طغيانهم وجبروتهم على المجتمعات ! .

لهذا فإن أول مواجهة عنيفة لأشراف قريش وسلاطينها ، في حينه لنبي الله محمد ( ص ) كان على الكلمة الأولى التي أطلقها الرسول الصادق الأمين في دعوته ، وهي قوله الكريم الحكيم { قولوا ؛ لا إله إلاّ الله تُفْلِحُوا } . والسبب أن قريشا كانت تعي جيدا لمدلولات وأبعاد هذه الكلمة العظيمة والبالغة المعاني والدلالات . وعليه فإن طغاة قريش وحكامها وأثريائها البواغيت حاولوا بكل السبل ثني رسول الله محمد ( عليه الصلاة والسلام ) التراجع في دعوته هذه ، حتى أنهم كانوا على إستعداد لجعله ملكا عليهم وأثرى أثريائهم مقابل عدم الصدع بكلمة الشهادة والمضي في دعوة العرب بها واليها ، لكنه عليه السلام أبى وتحدّى جميع المغريات والسلطات ورفضها رفضا جازما وقاطعا ، مع توضيحه أنه مستمر في دعوته حتى النهاية المقدرة لها من قِبَلِ الله تعالى ، وهي إما النصر وتحقيق أهداف شهادة التوحيد المتمثلة في العدالة الاجتماعية وتحرير الناس من الإستعباد والظلم والطغيان ، أو الإستشهاد في سبيلها ! . 

لهذه العوامل الاجتماعية الهامة والحساسة فإن شهادة التوحيد تتعلّق بقضايا الاجتماع الانساني ، وبقضاياه في الحكم والسياسة أيضا . ذلك أن الرئيس في بلاد ما لاينبغي له أبدا أن يكون هو الأول والأخير ، أو أن يكون الآمر والناهي بلا حسيب أو رقيب ، أو أن يكون مطلق السلطات والصلاحيات والمسؤوليات ، لأن ذلك ينتهي الى الاستبداد الاجتماعي والظلم والطغيان والتقديس للذات و[ الأنا ] البشرية المحدودة والنسبية ، بل يؤدي ذلك أيضا الى التأليه . وفي هذا فإن الله سبحانه هو فقط الأول والأخير ، وهو سبحانه الدائم والقائم والمستمر بلا نهاية ، وأنه سبحانه فقط هو المطلق وبلا حد وبلا حدود وبلا كيفية وبلا مَعِيّة ! .

هنا حقيقة تتجلّى فلسفة التوحيد في الإنكار الصريح ، وفي الإعتراض المباشر ، وفي الرفض القاطع للحكام الطغيانيين والرؤساء المستبدين ، حيث انهم بحكم [ الأنا ] المعقدة فيهم ، وبحكم الوعي المافوقوي الذي يمتلكونه إنهم لايسمحون لأبناء مجتمعاتهم في المشاركة الدورية بالحكم والسلطة والرئاسة ، أوتوزيع الثروات المجتمعية للمجتمع على أساس العدل والقسط الاجتماعيين ! .

إذن فالرئيس الذي يكون أثرى الأثرياء وأقوى الأقوياء هووأبناؤه وأسرته وحواشيه ورهطه على حساب مجتمعه وكرامته وسيادته وحريته وحقوقه وثرواته الوطنية ، ثم يستمر الى مالانهاية هو وآله في الحكم والتحكم والرئاسة ، وفي فعل مايشاؤون ، وفيما يرغبون ويشتهون دون مراعاة لحدود وقانون وعدل وإنصاف ، ولا أحد يتجرأ من النقد والاعتراض وإلاّ لجز رأسه ، أو للبث في غياهب السجن الى يوم يبعثون ، أو لأُغتيل غيلة وغدرا ، أو لقطع منه الرزق والأرزاق ، أو لنفي الى النائيات والقاصيات من البلدان نفيا ليبقى هناك ملوما محسورا ، إنه بداهة قد منح لجنابه كل العصمة المطلقة ، وكل القداسة المطلقة ، وكل الألوهية المطلقة ، بل حتى إنه وأمثاله يعتبرون أنفسهم فوق مقام الألوهية أيضا  . ذلك أن الله سبحانه مع كل عظمته المطلقة وحقيقته المطلقة فإنه لايقطع الآجال والحياة والأرزاق والصحة عن الملحدين والمشركين ، ولاعن الذين لايؤمنون به ، أو الذين يسيئون الأدب معه سبحانه ، لأن الله تعالى يعامل وينظر عباده كلهم في تلكم القضايا العامة وغيرها أيضا معاملة واحدة ونظرة واحدة ، بل إن السنن والقوانين الجارية في الكون بمشيئة الله وإرادته سبحانه تجري وتسري على جميع البشر و المخلوقات كافة بشكل عام ، وذلك بغض النظر عن أيّ إعتبارات وحسابات وقياسات ! .

إن القرآن الكريم يقص علينا ويروي لنا في جانبه التاريخي تواريخ الطغاة والطواغيت الذين كانوا يحكمون بلدانهم ومجتمعاتهم بالدكتاتورية والاستبداد ، وبالحكم والسلطوية المطلقة ، وبالحديد والنار وبالإكتناز والنهب لأموال وثروات تلكم المجتمعات قبل آلاف الأعوام الماضية . لهذا بعث الله سبحانه أنبياءه ورسله مبشرين ومنذرين ؛ البشرى للشعوب والجماعات البشرية الواقعة في فلك الإستعباد ودوّامته للطغاة . وهو العمل والنضال والإتحاد المجتمعي لأجل وضع حد لِمَا هم عليه من الذل والإذلال والإستضعاف والإستعباد والفقر والعوز. أما الإنذار فكان للفراعنة والطواغيت لكي يكُفّوا عمّا هم عليه من الإستعلاء والإستكبار ، وعمّا هم عليه من السلطوية والطغيان والعدوان والنهب والإختلاس . لكن هل يتعظ الطغاة والمستبدون بالإرشادات والمواعظ والنصائح !؟ كلا ، لأن مَنْ [ شب على شيء شاب عليه ] كما يقول المثل ، ثم لأنهم تربّوا على ثقافة الإستعلاء والإستكبار والمافوقية والطغيان والنهب . على هذا فإن الطغاة والطواغيت هاجموا كلمة التوحيد ، وهاجموا شهادة التوحيد والأنبياء وأتباعهم بكل ضراوة وقوة ، وبكل الأسلحة والسياسات . فهذا فرعون يقول ويفصح عن سياسته وطريقة حكمه كما سجّله لنا القرآن الكريم ؛ { ماأريكم إلاّ ماأرى وماأهديكم إلاّ سبيل الرشاد } غافر / 29 . هكذا المستبد والطاغية لايرى إلاّ رأيه وذاته وحكمه وسلطته القائمة على الإستحمار والإستغلال والإستعباد والإستغفال والإستهبال ، والقائمة على الذل والإذلال والقهر ، ثم القائمة على النهب لخيرات الناس وثرواتهم الوطنية . لذلك يقول فرعون في مقام آخر كما رواه لنا القرآن ؛ { ونادى فرعون في قومه ، قال ؛ ياقوم أليس لي مُلْكُ مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون } !؟ الزخرف / 51 . إذن فالطاغية هو الطاغية ، والمستبد هو المستبد سواء كان في الماضي ، أو الحاضر ، فهو يعتبر البلد كله ملكه ، ويعتبر البلد كله ضّيْعَة له ولأسرته ولرهطه الذين يدورون حوله كدوران الفراشة حول النار . وهكذا فالطاغية والمستبد يعتبر الأموال والثروات الوطنية كلها مُلْكَا له ولآِله ومَنْ سَبّحَ بحمده ودار في دائرته عبدا خانعا ذليلا طائعا كالروبوت في عصرنا الحالي  . إن هذا الصنف من الناس الذي يدور في فلك السلطان الظالم والطاغية هو عبد له ، ولم يفهم بعد شهادة التوحيد ، وإن كان حافظا للقرآن الكريم وكتب الأحاديث ، أو أنه كان ذو لحية كثة طويلة ، بل قد يكون خطر هؤلاء أكثر بكثير من خطر الحكام الطواغيت البواغيت ! .

إذن فإن هذا النوع من الحكم والحكام مرفوض رفضا باتا وقاطعا في منهج الأنبياء والرسل كلهم ( عليهم الصلاة والسلام ) ، وبخاصة في نهج ومنهج خاتهم نبي الله محمد ( ص ) ، حيث هذا المنهج قائم في بداية بدايته على الشطر الأول من شهادة التوحيد ، وهو النفي التام لهؤلاء الحكام الطواغيت وحكمهم [ لا إله ] ، ثم الإثبات للشطر الثاني منها حيث يتضمن الحرية والتحرر والعدل والعدالة والأخوة والمساواة ، وهو؛ [ إلاّ الله ] ! .

لهذا اذا كان العمل لأِمريء ما مناقضا لشهادة التوحيد من حيث النفي والإثبات وشروطها ، فإن عمله كله مرفوض ومردود عليه ولايزن عند الله سبحانه قشرة بصلة . وهكذا بالنسبة للعبادات التي تلي شهادة التوحيد كالصلاة والزكاة والصيام والحج  ، لأن العبادات ينبغي أن تكون مقرونة بالخلوص والإخلاص والفقه التام بها كما يؤكد ذلك القرآن الكريم في الكثير من آياته البينات الحكيمات . وسأل رسول الله محمد ( عليه الصلاة والسلام ) ذات يوم أصحابه فقال ؛ { أتدرون مَنْ المفلس ؟ } ، قالوا ؛ المفلس فينا من لادرهم له ولامتاع . فقال ؛{ إن المفلس من أمتي ، يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ، ويأتي قد شتم هذا ، وقذف هذا ، وأكل مال هذا ، وسفك دم هذا ، وضرب هذا . فيُعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته . فإنْ فَنِيَتْ حسناته ، قبل أن يُقضى ما عليه . أخِذَ من خطاياهم فَطُرِحَتْ عليه ؛ ثم طُرِحَ في النار } ! ( 12 )

في الاسلام اذا لم تكن العبادات كلها ، وفي مقدمتها الشهادتان ، وبشكل أخص وأبرزوأهم  شهادة التوحيد في النفي والإثبات - كما بينا آنفا - مقرونة بالصدق والمصداقية والإخلاص ، وبخاصة العلماء والفقهاء والحكام فإنها غير مقبولة عند الله عزوجل ، بل إنها مرفوضة في ميزانه سبحانه ، لأن مِلاك قبول العبادات وشرطها مرهونة بصحة التطبيق العملي ، وذلك بعيدا عن الرياء والمتناقضات من السلوك والأفعال .

شروط الشهادتين ؛

للشهادتان ، شهادة التوحيد وشهادة النبوة شروط لايصح إلاّ التقيّد بها ومحاولة تطبيقها ، لأنه لاتنفع الشهادة المجردة والخالية من العمل والإخلاص . وإن أبرز هذه الشروط هي كالتالي ؛

•·  العلم والعمل بمقتضى الشهادة التوحيدية من ناحيتي النفي ؛ { لاإله } ، أي نفي كل الآلهة والأرباب المزعومة ، أونفي الحكام المستبدين الطواغيت الذين يؤلّهون ذواتهم المحدودة بالإستمرار والديمومة في حكمهم الإستبدادي الطغياني للمجتمعات البشرية ، ثم الإثبات ، وهو { إلاّ الله } ، أي أن الله سبحانه فقط هو الّلائق للعبادة  ، وهو سبحانه فقط المستحق للطاعة المطلقة ، لأن الطاعة المطلقة ليست جديرة لأحد بداهة في هذا العالم ، وفي هذا الكون إلاّ لواحد فقط وهو الله سبحانه الخالق . أما طاعة الحكام بحسب شهادة التوحيد ومفاهيمها وفلسفتها ومعانيها ، فهي طاعة نسبية ومحدودة ومؤقتة ، وينبغي هكذا أن تكون كي لايطغى الحكام ويستمروا في السلطة والطغيان والنهب لثروات الناس وغمطها . لهذا فإن الحكماء والإصلاحيين والفلاسفة والعقلاء من الناس في الماضي والحاضر رفضوا وآستهجنوا حكم السلالات والأسر والأفراد بالوراثة ، فآستحدثوا نظام { الديمقراطية } . وذلك بالإستناد على التجارب الطويلة المريرة والمعارف والمعلومات لتاريخ بني الانسان ، ومن ثم بالاستناد على  المقاصد والمفاهيم لفلسفة دعوة الأنبياء والرسل ( عليهم السلام ) التي رفضت تلكم الحكومات والحكام رفضا كاملا ! .

•·       اليقين القلبي بالشهادة لا باللسان فقط ، أو اليقين الخالي من الشكوك .

•·       الإنقياد والتبعية للشهادة ظاهرا وباطنا ، سرا وعلنا .

•·  القبول والخضوع الكامل للشهادة . وذلك بعدم رد أيّ شيء من شروطها ومقتضياتها .

•·  الحب والمحبة ، وذلك لقوله تعالى ؛ { ومن الناس مَنْ يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله * والذين آمنوا أشد حبا لله } البقرة / 165

 

الشيخ عمر غريب


التعليقات




5000