..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


تعريف المثقف والثقافة الفصل الثالث

عباس النوري

تجول في خاطري أفكار من دون أي إيعاز ذاتي، ولا حتى ذات علاقة بالمكان الذي أنا فيه، ولم يكن هناك دافع خارجي، ولا أعرف تفسيراً لها. نعم أنني مصاب بأزمة سيكولوجية ناتجة عن ما عايشته في العراق منذ سقوط الصنم 2003 ولغاية أواخر 2006. ولم تكن هذه الخواطر خاصة فقط، بل كثير منها صور ومشاهد لمعاناة العراقي. لمعاناة المتحزب والمستقل، ومعاناة أعضاء المؤسسات المدنية. أتصور حمل المثقف، والمسؤول السياسي، والنشط المدني(أي الداعية للديمقراطية) هو أكثر وأصعب وأثقل من معاناة صاحب المعاناة. لأن الجائع، والعريان يتحسس ويتألم لحاجته، لكن أصحاب المسؤولية خجلهم من عدم مقدرتهم تلبية حاجة الجائع وكسوة العريان تقتلهم من داخلهم، أو تزيدهم طغياناً لطغيانهم. المثقف بكل تنوعه، وطبقاته، وتخصصاته، وانتماءاته، وحبه وكرهه وحسده وبغضه وحقده. أما أن يكون مع الحق أو يكون من دعاة الباطل. وليس هناك لون رمادي بين وبين. أي تارةً ناصر ونصير وتارة متنصل وتتغلب عليه (حقارته ودناءته). فكل العوامل سلبية وإيجابية كامنة فينا نحن البشر. تثقفنا وأصبنا، أو تحولنا من بشر إلى أشباه بشر بل أكلي لحوم البشر. في علم الأخلاق الذي يجب أن يدرسه ويتصف به المثقف قبل غيره، هذا العلم يضع أسساً تربوية ليرتقي بالإنســان لكي يتغلب على حيوانيته (أي الغرائز الحيوانية)...فيصبح حراً بدل أن يكون أسير شهواته ورغباته الدنيئة...وهي ملازمة الجميع. فليس فينا نحن البشر وفي عالمنا المعاصر أناس لا يخطئون. لكن الأخلاق يضع ضوابط للخطأ، ويبين كيفية إصلاحه.

 سؤالي: هل المثقف ملزم بسطح أخلاقي معين، وما هو المقدار، والمقياس؟

هل من واجب المثقف أن يبرر المأساة، أم من واجبه البحث عن حلول للحد من تكراره، بل إزالة آثاره؟   

    

الاثنين,تشرين الأول 29, 2007

تعريف المثقف: صورة للمفهوم في الثقافة العربية الحديثة (5 ـ 5)

  

داريوش شايغان: مثقفونا يبدون محاربين اكثر منهم مفكرين يتأملون بهدوء وراء طاولات عملهم

  

الشرائح الاجتماعية التي تمتلك قوة السلطة، او قوة المال، او قوة الافكار تسمي النخبة. وهي بهذه القوي تؤثر في حياة الناس علي كل المستويات. و المثقفون هم الشريحة التي تستمد مكانتها من قوة الافكار.

ما هو المثقف ؟ كيف تشكل دوره؟ ما هي وظيفته؟

هذه ليست اسئلة اكاديمية مفصولة عن الناس، او بعيدة عن مجريات حياتهم، بل هي ترتبط اوثق الارتباط بحياة البشر، مخاوفهم، همومهم، تطلعاتهم ـ ومصيرهم بالجملة.

و القدس العربي ، اذ تنشر هذه الدراسة المستلّة من كتاب (الانسان والفكرة) للزميل احمد المهنا، فانها تجدد التأكيد علي راهنية المسألة الثقافية، واهمية دور المثقف، كما تذكّر بأن احد الاسباب الرئيسية لـ انسداد الافق في العالم العربي، يرتبط بـ قوة الافكار التي هي ميدان عمل المثقف . وبعد نشر هذه الدراسة، نتلوها بنشر مثال تطبيقي ، لكاتب آخر، عن سيرة حياة احد اعلام الثقافة في الازمنة الحديثة. فتنتقل بذلك مقاربة الثقافة من النظرية الي التطبيق، او من التجريد الي التجسيد، او من الغابة الي احد اشجارها المتعينة، المحسوسة، الباسقة، كثيرة الثمار و... الأشواك.

  

  

2 ـ طاقة المثقف المعرفية

ومكانته الاجتماعية

  

ان تحليل شايغان، بهذا الخصوص، يتوقف عند نموذج المثقف الايراني ذي المرجعية الغربية في مرحلة الثورة. وكلامه، كما يقول، ينصب خصوصا علي جماعة المثقفين الرديئين الأكثر عددا بلا شك. ومع ذلك فان تحليله ينطوي، في اعتقادنا، علي اضاءة باهرة لحدود طاقة المثقف (العربي والمسلم عموما) المعرفية ولواقع مكانته في المجتمع.

يقول: ان الانتلجنسيا الايرانية موزعة أو متأرجحة بين قطبين جاذبين هما قطب التكنوقراطيين وقطب علماء الدين. وهذه الانتلجنسيا لا تملك معرفة التكنوقراطيين الدقيقة / المفيدة، ولا معرفة رجال الدين العضوية المتماسكة، المدرسية. كما أنها لم تتمكن من صنع مركزها المستقل، الخاص بها من خلال اشهارها سلاح النقد المخيف. هي لا تدهش التكنوقراطيين الذين يحتقرونها ويعتبرونها انتلجنسيا متخلفة، ولا تدهش أصحاب الدين الذين، علي الرغم من اقامتهم تحالفات تكتيكية معها، انما يطردونها وكأنها ليست من طينتهم. وبالتالي يكون دورها علي صورة العالم الخلاسي الذي تجسده : دور نقل نوعين من الأفكار المتجسدة في خطابين متنافرين (الحداثة / الأصالة)، ولكنهما يستطيعان الاتحاد - وهذا قد حدث فعلا - في ايديولوجيات المناضلين العدوانية (72).

  

3 ـ المبدع والمثقف

  

في هذه النقطة تقتصر معالجة شايغان أيضا علي ايران. غير أن ما قلناه بخصوص النقطة السابقة يسري علي هذه النقطة، من حيث تجاوز اضاءتها ما هو أبعد من حدود ايران. ولعل اهم ما فيها هو اشارته الي تقدم الانجاز الابداعي (الأدبي والفني) في ايران علي الانجاز الفكري، وهذا ما ينطبق علي بلادنا العربية. والأهم من ذلك انه يتقدم بحل لمسألة العلاقة بين الابداع والفكر، من خلال الاجابة علي هذا السؤال : هل الأديب او الفنان المبدع هو بالتبعية مثقف؟

بعد أن يشير الي وجود كتاب كبار وباحثين أصيلين في ايران، يقول ان الشعراء هم بلا شك أغني المبدعين الخلاقين في العالم الايراني. ثم يستدرك قائلا انه حتي كبار الفنانين والشعراء لا يظلون في منأي عن نقص الفكر النقدي الذي يميز الحضارات غير الغربية. فهم عندما يتناولون المسائل الاجتماعية / الفلسفية مثلا، يستفيضون في مواضيع تافهة جدا، أو يضيعون في مهاترات مؤذية ولا متناهية.

ان كون المرء كاتبا موهوبا، وشاعرا عبقريا، وروائيا لامعا، لا يجعله يتقدم قيد أنملة عندما يتعلق الأمر بأسئلة تستلزم أدوات معرفية اخري. لتحليل الوقائع والطفرات الاجتماعية، لتفكيك عالم الأفكار المشوش،ولاقتفاء الآثار الثقافية، لا بد أن يكون المرء مثقفا بالمعني الانساني للكلمة. والمؤسف ان هذا ينقصنا كثيرا وبقوة (73).

  

4 ـ المضمون الفعلي للمثقف

  

المثقف المسلم لدي شايغان، كما لدي اركون، كائن سياسي وايديولوجي. يقول : المثقفون يبدون عندنا كأنهم صليبيون ذاهبون الي محاربة طواحين الهواء، أكثر مما يظهرون كمفكرين حكماء يتأملون بهدوء وراء طاولة عملهم. ان يكون المرء مثقفا في عالمنا معناه أولا معارضة السلطة. وهذا أمر ممكن فهمه لأن الأنظمة القائمة هي اما قمعية او شمولية صراحة. ولكن مما يؤسف له أن هذه المعارضة تظل بدائية وحشوية. فهي لا تترافق مع تحليل نقدي ولا مع نظرة الي المستقبل، ولا مع موقف ابتعادي عن السلطة.

ان المعارض ينتفض علي السلطة مثلما يتمرد المرء علي أبيه أو امه. فهو لا يأخذ ابدا في الاعتبار السياق الثقافي للسلطة، ولا كيف حدث ان هذه النماذج نفسها تتكرر بعناد وبوتيرة متصلبة ؟وكيف باءت بالفشل المجهودات الأكثر كدحا وثناء ؟ ومن أين جاء هذا الفشل الذي يتكرر ويجعل الحياة قاسية جدا ؟ لا يكفي تحليل العوامل الاجتماعية الاقتصادية الرائج جدا منذ أن زودتنا الماركسية السوقية بأدوات هذا التحليل. والمؤسف ان اطاحة النظام القديم بالثورة لا تعادل اقامة نظام أعدل. ان الأمر غير ذلك تماما (74).

  

5 ـ التصور الاجمالي للمثقف

  

وفي الختام فان المثقف من وجهة نظر عامة ابناء العالم الاسلامي هو ذلك الذي يحسن القراءة والكتابة، ذلك الذي يمارس نشاطا ذهنيا، سواء كان طبيبا، كاتبا، مترجما، مهندسا، استاذا أم كادرا. ومن الناحية الواقعية فان المثقف، بوصفه وعيا شقيا للمجتمع، يشكل فئة مستقلة، يقوم مركزه علي النقد، لم ير النور في بلادنا. لذلك لا يتمتع بمكانة خاصة. والأكثر بروزا هم اولئك الذين يعارضون السلطة، ويكون عملهم سياسيا قبل كل شيء. ويشكل هؤلاء النواة الصلبة للمثقفين الملتزمين، وهم بذلك ايديولوجيون ومنظرون اكثر مما هم مثقفون (75).

ان فعالية رجل الدين في انتاج الوعي في العالم الاسلامي، كما انعكست في رؤية شايغان، وكما نلمسها جميعا في الواقع، تملي مقاربة لمفهوم المثقف العربي والمسلم تأخذ بالاعتبار دور الوعي الديني في العالم الاسلامي. وهذا ما يبدو أن المفكر المصري نصر حامد أبو زيد يفعله في تعريفه التالي:

المثقف هو الانسان المنخرط - بطريقة او بأخري - في عملية انتاج الوعي. ويمكن تقسيم الوعي الي :

1- الوعي العاطفي الشعوري (أو لنطلق عليه الوعي الجمالي) وهو محور الانتاج لدي المثقف الفنان بشكل عام (الشاعر، القاص، الرسام، الموسيقي).

2- الوعي الفكري وهو محور الانتاج لدي المفكرين والفلاسفة.

3- الوعي الديني وهو محور الانتاج لدي رجل الدين (الكاهن، القسيس، الشيخ).

هذه التقسيمات بالطبع ليست تقسيمات حادة صارمة، فقد يتداخل الوعي الجمالي بالوعي الديني كما يتداخل الوعي الديني بالوعي الفكري في مراحل تاريخية محددة، والتداخل بين الوعي الجمالي والوعي الفكري قائم دائما في محاولات (تنظير) الفن فلسفيا (76).

لقد خلصت رؤية كل من اركون وشايغان الي ان المثقف العربي والمسلم عموما هو كائن سياسي وايديولوجي - مع وجود استثناءات لا تلغي القاعدة. فماذا يعني هذا التحديد ؟

من المفهوم ان المقصود بالسياسة هنا هو الانخراط في العمل السياسي : سلطة او معارضة. كما ان المقصود بالايديولوجيا أي فكر سياسي ينطوي علي مجموعة اهداف وقيم وأخلاق ينوي حزب أو جماعة ما تطبيقها علي المجتمع، والوسيلة المثلي لضمان التطبيق هي السلطة. أي ان السلطة هي محور العمل السياسي كما هي محور الايديولوجيا. وبالتالي فان المثقف السياسي أو الايديولوجي هو ذلك الذي يضع السلطة في مركز اهتمامه. وبعبارة مختصرة : انه المثقف السلطوي. والفرق بين المثقف السلطوي والمثقف الحقيقي أو النقدي يتجلي في نقطتين :

1- اسباغ نوع معين من المشروعية علي السلطة الحاكمة.

2- التعامل مع الحقيقة (77).

النقطة الاولي خاصة بالمثقف المتعاون مع السلطة الحاكمة والخادم لها. ان السلطة العربية السائدة، وربما الاسلامية الي حد ما، تحتاج الي توظيف جهد المثقف لاكتساب المشروعية وتكريس الهيبة. ونوع المشروعية التي تتطلبها يتجاوز الظروف والمرحلة لينغرس في الأبدية و الديمومة . فالسلطة التي تتبني أهدافا مقدسة أو رسالة خالدة تضع نصب عينها تأسيس مشروعية متعالية علي التاريخ. والمنجزات، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ،مهما كانت كبيرة، لا يمكن أن تؤمن مشروعية سيادية عليا، لأن المنجزات ظرفية، آنية، وهي قبل هذا وذاك من واجبات السلطة. الفكر بكل أنماطه هو أداتها لتحقيق ذلك الانغراس والتعالي.

وهذه الحاجة هي التي تقف وراء دوام الحبل السري الذي يربط السلطة بالمثقف في بلداننا العربية علي وجه الخصوص. وهو الحبل السري الذي انقطع في المجتمعات التي تأسست فيها حرية الفكر والابداع والأحزاب، حيث تم استبدال مسألة المشروعية السياسية العليا بالدستور، وذلك نتيجة لاستقرار مبدأ التداول السلمي للسلطة.

أما النقطة الثانية (التعامل مع الحقيقة) فتشمل مثقف السلطة ومثقف المعارضة معا : أي عالم السياسة بالاجمال. فكلاهما يتعامل مع الحقيقة بمفهوم براغماتي نفعي. فالحقيقة في عالم السياسة تكون حقيقة لأنها نافعة ومؤثرة وقادرة علي تحقيق أهداف الاستقرار والثبات أو كسب الاتباع وهزيمة الخصوم وما الي ذلك. ومن هذا الاستخدام للحقيقة ينشأ تعارض جوهري بين الوعي وبين السياسة.

ذلك ان الوعي يتحرك صوب محاولة اكتشاف الحقيقة في تجلياتها ومظاهرها المتعددة، وهو نشاط وفعالية متحركة لا تؤمن بالثبات والاستقرار، لأنه محكوم بتجاوز ما تم اكتشافه والتحرك الي قارة المجهول في الفكر والابداع. الحقيقة عند المثقف نافعة لأنها حقيقة، وليس لأية غايات نفعية مباشرة ترجي من ورائها، انها نافعة لأنها تخلق وعيا وتتجاوز اللحظية السياسية وتتخطي حدود الاستخدام البراغماتي.

ويلخص نصر حامد أبو زيد الفرق بين خطاب المثقف الحقيقي، أي المنتج للوعي، وبين خطاب مثقف السلطة المنتج لخطاب السلطة بالقول :

ان خطاب المثقف الحقيقي خطاب مفتوح، أي غير دوغماتي. بمعني انه لا يري انه يمثل سلطة. انه خطاب مفتوح لأنه نقدي في بنيته وقادر علي تجاوز نتائجه، وذلك علي عكس خطاب المثقف الآخر، مثقف السلطة، فهو خطاب مغلق دوغماتي اطلاقي، يتضمن مفهوم امتلاك الحقيقة المطلقة في كليتها وشموليتها. هذا التمييز يتباعد بنا تماما عن التمييز السائد بين مثقف السلطة و مثقف المعارضة بالمعني السياسي الدارج. وهو يتيح لنا أن نضع التعارض الفكري بين نمطين من الخطاب، أو نمطين من الوعي. الخطاب المفتوح، وهو خطاب المعارضة بامتياز، والخطاب المغلق وهو خطاب السلطة بامتياز. ان الخطاب - أي خطاب - حين يتحول الي سلطة، ولو كان في موقع المعارضة السياسية المباشرة، ينتهي الي تكريس مفهوم (السلطة) في مجال الفكر والوعي والابداع، وهو مفهوم أخطر بكثير من مفهوم السلطة السياسية (78).

غني عن البيان أن التفريق بين مثقف حقيقي وآخر سلطوي لا ينطوي بأي شكل من الأشكال علي موقف انتصار للثقافة ونبذ للسياسة. ان الهدف من ذلك التفريق بالأحري هو وضع حدود مفهومية تفصل، بصورة نسبية، بين وظيفة المثقف وبين وظيفة السياسي. ولعل أقل ما يمكن أن يوصف به موقف مثل نبذ السياسة هو انه موقف عدمي، لأن السلطة هي موضوع السياسة.ولا وجود لشيء اسمه المجتمع الانساني بدون سلطة، فهي الناظم والضابط لكيان المجتمع. أضف الي ذلك ان الديمقراطية - وهي أرقي صيغة للسلطة السياسية في تاريخ البشرية - غير ممكنة أصلا بدون أحزاب،أي بدون مشاركة واسعة للناس في العمل السياسي. والسياسة، انطلاقا من تعريفها بوصفها صناعة الخير العام ، هي من أنبل الوظائف التي يمكن أن يضطلع بها الانسان. غير أن السلطة، مهما تقدمت شروطها الانسانية، فانها لن تكون علي حد تعبير هيغل عملا مثاليا من أعمال الفن، وانما هي توجد علي الأرض،أعني تقع في مجال النزوة والصدفة والهوي والخطأ، ويمكن للسلوك السيء أن يسيء تصويرها من وجوه عدة . وهذه الحقيقة توجب،من حيث المبدأ، احتفاظ المثقف بمسافة ابتعادية عن السلطة (79).

ومن جهة ثانية فان التفريق بين الحقيقة في السياسة وبينها في الثقافة لا يعني الفصل التام بينهما. انما يقع الفصل بين (الفكر) كفعالية تسعي نحو ابراز (الحقائق)، وبين السياسة كفعالية لتحقيق الممكن، في مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، وهو مبدأ لا يصلح اطلاقا في انتاج الوعي. لكن بعيدا عن هذا التعارض يمكن القول أن كل فكر يتضمن نمطا من الممارسة السياسية بالمعني العام، لأن الفكر لا يتم انجازه خارج نسق العلاقات في التشكيلة الاجتماعية التي تؤطرها ثقافة بعينها. لكن الفكر يتجاوز اطار (التبرير) و(النفعية) ليسعي الي التفسير (80).

 

يقول ألبرت اشفيتزر: أخطأ افلاطون حين طالب بضرورة أن يكون الفلاسفة في الدولة هم حكامها، لأن سمو الفلاسفة يمتاز عن مجرد صوغ القوانين والقرارات وتنظيم السلطة الرسمية. ومثلهم كمثل ضباط أركان الحرب الذين يجلسون في الخلف يفكرون ويدبرون تفاصيل المعركة التي يراد خوضها، تفكيرا وتدبيرا يتعاونان في الوضوح، بينما الذين يلعبون أدوارهم في عيون الجماهير هم الضباط الذين من رتب أدني والذين يحولون التوجيهات الصادرة من الأركان الي أوامر يومية للتنفيذ (81).

والمثقف العربي والمسلم تابع الخطأ الافرطوني بتحوله الي سياسي وايديولوجي. وقد ترجم الخطأ الافلاطوني الي الواقع العربي ترجمة مكلفة واحيانا باهظة الثمن الي أقصي الحدود. ويمكن التمثيل علي ذلك بشاهدين، ربما كانا الأهم في تاريخ العرب الحديث والمعاصر، هما : تأسيس الدول العربية والصراع العربي الاسرائيلي.

فيما يتعلق بالشاهد الأول فان الاستعمار كان وراء تأسيس معظم الدول العربية عقب انهيار الامبراطورية العثمانية نتيجة الحرب العالمية الاولي. وشكل ذلك التأسيس نقطة انطلاق العرب الي الحداثة، وبداية انضمامهم الي أسرة العالم الحديث. وتكلفت ببناء الدول العربية الجديدة أنظمة ديمقراطية ضعيفة، سرعان ما وجدت بينها وبين شعوبها هوة عميقة، بسبب انعدام ظروف اجتماعية واقتصادية وثقافية ملائمة لبناء الدولة الحديثة.

لقد ارتبط نشوء الدولة القومية أو الدولة - الأمة بظهور طبقة جديدة علي مسرح التاريخ هي الطبقة الوسطي. فهذه الطبقة تشكل القاعدة الاجتماعية - الاقتصادية - الثقافية للدولة الحديثة.وقد افتقدت النظم السياسية العربية الجديدة مثل هذه القاعدة والحليف، أو انها كانت ما تزال بعد جديدة، نامية وضعيفة في أحسن الأحوال.

غير ان البديل عن الطبقة الوسطي المعدومة او الضعيفة كان يمكن أن يتحقق في فئة جديدة دينامية ومؤثرة هي فئة المثقفين . وهي الفئة التي شرعت بالصدور عن مرجعية غربية حديثة، فكسرت احتكار رجال الدين لانتاج الوعي، واكتسبت بمرور الوقت فعالية غطت علي دور رجال الدين، وتصدرت قائمة الفاعلين الاجتماعيين في السياسة والثقافة.

أما الذي حدث في الواقع فهو علي العكس من ذلك تماما : فقد قاد المثقفون تيارات المعارضة للنظم السياسية الجديدة. وهي معارضة طعنت في أسس شرعية الانظمة، بل والدول نفسها، مستهدفة الاطاحة بها. فالقومية اعتبرت الدول العربية الجديدة تجزئة استعمارية هدفها الحيلولة دون اقامة دولة الوحدة العربية. والشيوعية رأت في النظم السياسية أذنابا استعمارية. والقومية والشيوعية هما التياران الرئيسيان المتنافسان بعد الاربعينات، وهما مساهمة المثقفين بامتياز في الأفكار والأعمال السياسة العربية الحديثة.

وقد لاقي هذان التياران استجابة جماهيرية واسعة النطاق، لأنهما، في اعتقادنا، عبرا، في العمق، عن أهواء تقليدية راسخة، تلتقي جميعها في كراهية السلطة. وكان معني السلطة لدي العرب قد تلخص خلال العهود العثمانية بالجندية والضريبة : أي استنزاف الأرواح والثروات. والأهواء المجتمعة في كراهية السلطة تمثل روح عصبيات تقليدية اتخذت من الأحزاب والأفكار السياسية الحديثة أقنعة لها.

والي تلك الأهواء، اكثر مما الي الحكومات العربية الاولي، تعزي أسباب الفشل المتواتر للمجتمعات العربية. وكما يقول غوبينو فانه علي الرغم من كون فساد الادارات الآسيوية وعجزها كبيرين، فان الأعباء الناجمة عن الدين والعادات والتقاليد هي أكثر اثارة للشلل، وذلك بالتحديد لأن هذه المعوقات والعقبات هي التي توقف في كل لحظة حتي عمل السلطة المشروع. وحتي ان وجد بين القادة اناس يملكون في آن القدرة والارادة الحسنة - وما يحدث في الغالب هو عدم تصديقهم - فانهم سيفشلون حتما. ذلك لأن ما يميل الرأي العام الي انتقادهم عليه بكل مرارة، انما يكمن في محاولاتهم الاصلاحية، فهو لا يتحمل هذه التجارب والمحاولات بصبر مماثل لتحمله التصرفات البالية، الكاسرة وغير الحكيمة غالبا، الملازمة للنظام العتيق (82).

وبعبارة اخري فان نموذج الدولة العربية الجديدة كان اكثر تقدما وعقلانية مما اعتاد العرب عليه في ظل الامبراطورية العثمانية. وهكذا، مثلا، يلاحظ علي الوردي ان أهم أسباب الثورة العراقية عام 1920 علي حكومة الاحتلال البريطاني يكمن في المفارقة بين الحكم الجديد والقديم. يقول: من أهم عوامل التذمر في رأيي هو ان العراقيين شهدوا في عهد الاحتلال نظاما للحكم لم يكونوا قد تعودوا عليه من قبل فضجروا منه وصار ضجرهم يزداد بمرور الأيام . فبين نظام الحكم التركي ونظام حكم الاحتلال فرق كبير. الحكومة التركية في العراق اعتمدت اسلوب الحكم السائب أي اطلاق حرية الناس الا فيما يخص جباية الضرائب . ولهذا خربت البلاد واندثرث ترع الري وتكررت الأوبئة وشاعت الغزوات والمعارك القبلية كما شاع قطع الطرق وفرض الاتاوات، مما أدي الي انتشار قيم البداوة بين الناس وذبول الحضارة لديهم (83).

وخلافا لذلك فقد وجد العراقيون في عهد الاحتلال نظاما للحكم غير مستساغ : صرامة شديدة في تطبيق القوانين والأنظمة، وبدل قيم الرشوة والوساطة حلت الخشونة وقلة المبالاة بمشاعر الناس ومكانتهم الاجتماعية ((84. يقول هيغل ما معناه ان دستور شعب ما هو من نفس الجوهر، ومن نفس الروح، الذي منه فنه وفلسفته أو علي الأقل : خياله، وأفكاره، وثقافته العامة، دع عنك المؤثرات الخارجية الاضافية لمناخه، وجيرانه، وموقعه الجغرافي. وهذا هو السبب في انه عندما منح نابليون اسبانيا دستورا، لم يصلح، لأنه كان أكثر عقلانية مما كان لديهم من دساتير من قبل (84).

و بروفة ثورة العشرين العراقية ستتكرر مع الحكومات العربية الاولي التي نشأت في ظل الانتداب ،الي أن تشربت المؤسسة العسكرية - التي أصبحت أكثر المؤسسات الاجتماعية قوة وتنظيما - شيئا فشيئا بالأفكار الثورية، القومية والشيوعية، فقامت بانقلاباتها وبدأت في تولي الحكم بنفسها مع مطلع الخمسينات، لتنتهي باجهاض جنين المجتمع المدني.

وفي هذه العملية التاريخية لم يكن الجيش سوي الذراع الضاربة للوعي الذي أنتجه المثقفون . كان جيش المثقفين.

ولم يكن دور المثقف العربي، علي ما يبدو لي، أقل سلبية في الصراع العربي الاسرائيلي. فقد تجسدت مساهمته الفكرية هنا في رؤية للصراع تقوم علي اعتباره صراع وجود لا صراع حدود . وهي رؤية لا ابتكار فيها، وانما مجرد صياغة فكرية لوجدان عربي جريح لا يستطيع التكيف مع المأساة المروعة لاحتلال أرض واستيطانها واذلال شعبها أو تشريده.

ان ردة فعل الوجدان العربي علي مأساة فلسطين طبيعية، مفهومة، وتستحق التعاطف الانساني بلا أدني ريب. ولكن دور المثقف لا يكمن في الصدور، جملة وتفصيلا، عن الوجدان الشعبي. اذ تقع عليه مسؤولية أهم تتحدد في فهم خلفيات المسألة،واستيعاب خريطة القوي المحلية والدولية وعموم الملابسات الناشئة جراء اقامة دولة اسرائيل، وصولا الي بناء موقف انساني وحكيم.

ان السعي لابادة اسرائيل، تطبيقا لنظرية صراع وجود لا صراع حدود يضع العالم العربي في نزاع لا أمل فيه مع القوي العالمية العظمي من دون استثناء. ومن جهة ثانية فان محاربة الظلم لن تكون عادلة او انسانية بايقاع ظلم مماثل بعد أن تحولت اسرائيل الي حقيقة واقعة.

وعلي الرغم من كافة التحولات التي شهدها الصراع العربي الاسرائيلي، فما زالت أغلبية المثقفين العرب تضمر حينا وتظهر حينا آخر الرؤية ذاتها. يتجلي ذلك، بوجه خاص، في شعار مقاومة التطبيع الذي أصبح حصة المثقفين من النضال ضد الاحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية.

والحق انه شعار لا موضوع له - في اطار عمل المثقف - عدا ما يمكن أن يترجم منه الي الواقع بحظر الاتصالات بين المثقفين العرب والاسرائيلين، وهي الاتصالات التي يمكن أن تعود بالفائدة علي الجانبين. اذ ستكون بمثابة اختراق للرأي العام الاسرائيلي، ومحاولة لتهدئته، وكسبه الي جانب انهاء الاحتلال وحق شعب فلسطين في دولته المستقلة، وهو الحق الذي تدعمه قرارات الشرعية الدولية.

وما عدا ذلك فان التطبيع - أي جعل العلاقات العربية الاسرائيلية طبيعية شأنها بين الدول غير المتصارعة - هو نتيجة سياسية تترتب علي تسوية عادلة ومقبولة للصراع بين الجانبين.

ومع ذلك فان نصف التطبيع قد حدث، في الواقع، عام 1967. وكان ذلك عندما تبنت النظم السياسية العربية سياسة ازالة آثار العدوان في اعقاب نكسة حزيران (يونيو). فقد انسجمت هذه السياسة مع قراري مجلس الأمن 242 و338 اللذين يقضيان بانسحاب اسرائيل من الأراضي التي احتلتها في حرب 1967. مثلت هذه السياسة الجديدة تحويلا للصراع العربي الاسرائيلي من قضية مطلقة الي قضية نسبية، من قضية متعالية الي قضية متعينة، من اشكالية دينية الي مشكلة سياسية، وباختصار من صراع وجود الي صراع حدود.

ولم يكن للفكر العربي، أو للمثقف العربي، أي دور في هذا التحول. لقد فرض فرضا نتيجة حرب.ظهر ان ازالة اسرائيل مستحيلة. غير ان ما ظهر للعيان اقتصرت رؤيته علي النخب السياسية الحاكمة دون المثقفين، وبالتالي الرأي العام العربي. وكانت نفس هذه الرؤية والعمي مقسمة بين الحكام والمثقفين،في العهود البائدة ، قبل ان تندفع الدبابات الي الحكم حاملة علم فلسطين، لتدشن عهد الثورة. تغير جيش المثقفين بينما حافظ المثقفون علي شبابهم .

  

خاتمة

  

ان الأفكار أعمال في كل مكان وزمان : في نموذج النظام الديمقراطي الذي يحكم الناس أساسا بالأفكار، أو في نماذج النظم اللاديمقراطية التي تحكم الناس أساسا بالقوة، القوة الرشيدة أو القوة العارية من الرشاد. فالحكم بالقوة أيضا أنواع وليس نوعا واحدا، بعضه يمكن تبريره في سياق مستوي التطور التاريخي، وبعضه الآخر خارج علي منطق التاريخ كليا، وبينهما تدرجات ترجح الكفة نحو هذا البعض أو ذاك. لكن في كل نماذج الحكم بالقوة تكون الأفكار أشد خطرا، لأن تطبيقها أو قمعها يقترن بالقوة، فيخلف ضحايا ومحنا ومصائب. والمثقفون، أيا كان تعريفهم، هم أكبر مصانع الأفكار، وهم في كل الأحوال الشركة الوحيدة للاعلان عنها وترويجها. ولهذا فان المثقف يمكن ان يشكل رافدا للحياة كما يمكن أن يكون مقصلة. ومن هنا تأتي أهمية سؤال ما هو المثقف ؟ . فالسؤال ليس مهما في حد ذاته فقط، والا أصبح الموضوع كله شكليا. الموضوع يتناول، في العمق، مسألة اتجــاه تطور التاريخ أو مصائر شعوب بأكملها.

لقد فرض النموذج الحضاري الغربي المعاصر نفسه علي مستوي العالم كله بوصفه مجموعة مقومات في المجتمع والسياسة والعلم والثقافة. وهذه الحقيقة مجسدة عمليا في عالمنا العربي بدرجات واشكال مختلفة علي الصعد كافة : أجهزة الدولة، مؤسسات المجتمع، العلم، الصناعة، الاقتصاد، التعليم، التمدين، الثقافة، الادارة حتي الديكور والأزياء.

وتتفاوت درجات هضم النموذج الحضاري الحديث (أو الحداثة) في هذه الصعد. غير أن ما لم يهضم واقعة كونية الحداثة، بدرجة مهولة، هو صعيد الحياة الروحية : أي مجال عمل المثقف بالتحديد. ان ما يسلم به الواقع ترفضه الروح. وهذه الممانعة الميتافيزيقية شكلت أكبر عملية عرقلة للعمل التاريخي الذي بدأ مع تأسيس الدول العربية الحديثة. فبسببها غالبا ما كان عمل اليوم يهدم كد الأمس. وتلك هي المسألة.

  

(لي) الأفكار المستحدثة في المجتمع العراقي بعد سقوط الصنم، هل هي نتاج حالة إجبارية، أم هي نتاج واقع مفروض. المثقف العراقي أزداد كماً وتراجعاً نوعاً. في حين مساحة الحرية توسعت من ذي قبل، أم الازدياد شمل الكم والنوع. وهنا اقصد المثقف العراقي داخل الوطن وخارجه. لكون داخل العراق كان المثقف مكبل بأوامر السلطة، حيث الكاتب يؤلف لانتصارات الطاغية على الشعب العراقي، والشاعر يمجد بقائد الضرورة، والعالم الجاهل يضع كل إمكانياته العلمية لرغبة المتسلط. بينما كان المثقف المتحرر من قيود القوة والسطوة، منتجاً من نوع آخر. هدفه إزاحة النظام، ولو بالطرق التي تقول الغاية تبرر الوسيلة، حتى شملت الذين يؤمنون بأن الغاية لا تبرر الوسيلة. فأي كم ونوع نتج بعد التغيير، وهل التغيير كان قسري وترقى لمستوى آمال المثقفين العراقيين. أم أن هذا التغيير أنتج كما هائلاً من المثقفين وتبدل ثوبهم من عبادة شخص واحد لعبادة شخوص، ومن مطبلين لحزبٍ واحد إلى مستميتين بأفكارهم لعدد من الأحزاب المعينة، ويرجمون أحزاب أخرى. هل تبدل الطابع الوطني عند المثقف العراقي ليتخذ طباع متنوعة حسب البيئة والقوم والدين والمذهب. هل يمكن أن تسمى مجموعة نتاج المثقفين العراقيين الثقافة العراقية الجديدة؟ 

الهوامش

  

72. نفسه ص 154 ـ 155.

73. نفسه ص 157 ـ 158.

74. نفسه ص 156.

75. نفسه ص 145.

76. نصر حامد ابو زيد.مقالة (المثقف العربي والسلطة). صحيفة الحياة ، العدد 11204 في 17 تشرين الأول (اكتوبر) 1993.

s

78. نفسه.

79. هيغل. مصدر سابق. ص 715.

80. نصر حامد ابو زيد. مصدر سابق.

81. البرت اشفيتزر. مصدر سابق. ص 68 -69.

82. استشهاد وارد في النفس المبتورة لداريوش شايغان. مصدر سابق. ص 161.

83. علي الوردي. لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث. الجـــــزء الخامس. القسم الأول. دار كوفان للنشر -لندن. الطبعة الثانية 1992. ص 17 ـ 18.

84. نفسه. ص 19.

85. هيغل. مصدر سابق. ص 720.

  

عباس النوري


التعليقات




5000