...........
د.علاء الجوادي
..................
  
.............
 
..............

 

..........
............
  


....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور الثامن
 

يحيى السماوي  

 

 

 

 

ملف مهرجان النور السابع

 .....................

فيلم عن
الدكتور عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 

 ملف

مهرجان النور السادس

.

 ملف

مهرجان النور الخامس

 

.

تغطية قناة آشور الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ والاهوار

.

تغطية قناة الديار الفضائية 

تغطية الفضائية السومرية

تغطية قناة الفيحاء في بابل 

 

ملف مهرجان النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة الرشيد الفضائية
لمهرجان النور الرابع للابداع

.

تغطية قناة آشور الفضائية
لمهرجان النور الرابع للابداع

 

تغطية قناة الفيحاء
لمهرجان النور في بابل

 

ملف مهرجان النور

الثالث للابداع 2008

 

 

 

ملف مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


رواية المتمـــــرد (الفصل الخامس )

سردار محمد سعيد

1 - كان يعتقد أن بين دولة ودولة فاصل اسمه الحدود كما تعلم من كتب الجغرافيا.

شيء فرضته الطبيعة قابل للعبور من ضفة يترك فيها حقيبة أحزان وذكريات مؤلمة إلى ضفة يجد فيها ما افتقده .

لم يجد ما يشي بذلك ، البشر نفس البشر ، يأكلون ويشربون ويتنفسون ولهم صدور تُظهر القليل وتخفي الكثير، تخفي مدنا ًمبهمة ولو أمكن تسلق  الأضلاع لن نعثرسوى على نوافذ محكمة الغلق .

لا شرفات تطل على الصدور .

 أرض واحدة وسماء واحدة زرقاء تظلل مخفري الشرطة المتقابلين وثمة طاق يحجز الإمتداد.

كان مفهومه للحدود أنها الجدار الفاصل بينه كسليل للدماء النقية وبين الفلاحين والرعاع من ذوي الأوردة التي يسيل فيها ماء العبودية كما خلقت.

كان يرى أن السعادة حق لاينازعهم عليه أحد وهي التي تحف بصدورهم وقد ألبسهم القدر رداء الكـِبر مخيطا ًبخيوط الخيلاء .

لم يوقف أوار عجرفته ويخنق تطلعاته المستحكمة غيرتجاربه الخائبة ، كان ريحا ً فلاقى اعصارا ً حسم داءه وقطع مادته .

الأعاصيرلا عيون لها فلا تميز زرقة وريد من حمرته .

أعاد إلى خضر الفجاج السورية التفاتا ً فودعها وزفر زفرتين كأن صدره يحمل قلبين بشغاف واحد ، فترددتا في مسرح وجهه المتسربل بالحزن فلم يحظ بالحسن ولم يطل من الإحسان شيئا ً.

 يتعثرباذيال الحسرة وبالغبارالمثار من عجلات سيارته التي أوقفها على بعد أمتارمن مبنى شرطة الحدود العراقي يمين سيارة عسكرية فيها شرطي يتثاءب بأحضانه بندقية رشاشة لا يُعتقد أنها قادرة على اصطياد ذبابة من الذباب المتجمهر على طاولة بائع الشواء بمقربة من البناية العتيقة عند الطاق المبني بالآجر بصورة رديئة وعليه شعارات أردأ.

سيارة واحدة سبقته تقف على يسار السيارة العسكرية وعند دخوله صالة المبنى الكئيبة وجد ثلاث نساء تغطي وجوههن ألوان صاخبة  يصحبهن طفل ، وهناك كهل وقف على جهة لا علاقة له بهن سوى رفقة السفر .

جلس قبالتهن على أريكة خشبية طليت بصبغة زيتونية تشققت،وراح الطفل يتأرجح بها حين اكتشف أنها ترتج فتصدر قوائمها

صريرا ًيطرب له وهو يردد كلمات غير مفهومة ويقشر الطلاء بأظافره ، فظهر طلاء أبيض كانت قد طليت به يوم صنعت .

 ليستقرّ الطفل قدم له قطعة بسكويت فنظر إلى أمه فهزت جفنها المثقل بالكحل ،فتلقفها بسرعة .

لم تخن فيصل فراسته في أنهن من بائعات الهوى .

بعد طول انتظار صرخ الطفل طالبا ًالطعام فتوجهن نحو بائع الشواء لكنهن رجعن سريعا ً واحداهن تسحب الطفل من رقبته وهو يبكي .

البائع لا يتقبل الليرات السورية وكان بحوزة فيصل كثير من الدنانير العراقية فبادر للدفع بدلا ًعنهن ، شكرته كبراهن وأعطته ورقة فيها عنوانها في بغداد ودعته لزيارتهم لترد له نقوده ، ولم تكن نيّاتها بريئة أو طيبة.

كان بودها أن تفصح له أكثر لكنها محرجة أمام الشرطة والبائع كذلك لم يخامرها شك في أنه جاهل بخبايا الغواني لكنه تجاهل، ومثله  محترف يعد صيدا ً دسما ًلا يمكن تضييعه بسهولة ،ذلك ما تعلمته من مهنتها .

كانت عجلة العربة الأمامية مكسورة فثبتت على الأرض ببضع صخرات قبعت عندها كلبة أنهكها الجوع يحوطها أربعة جراء أعينهم تتابع حركة أصابع الرجل لعله يقذف عظمة أو قطعة لحم من فخذ الخروف المعلق بسلك يشبه علامة الإستفهام المقلوبة.

2 - نادى النسوة َ أحد الشرطة الذين يلبسون لباسا ً مدنيا ً وسلمهن جوازات سفرهن مختومة بعد تدخل السائق متحججا ًبمرور الوقت وأن الظلام  سيداهمهم ومعه نسوة يسافرن لوحدهن .

وقال السائق للكهل أنه لا يستطيع انتظاره فقد عرف من الشرطة أن ختم جوازه سيتأخر ، فاستشاط الكهل

- وهل أعود سيرا ً على الأقدام ؟

تدخل فيصل وأبدى استعداده لمرافقته ،فسيارته فارغة .

- تشرفني صحبة رجل بهذه المشاعر الطاهرة .

ولم يكن الكهل يعلم من هو وكم كان مقدار عجرفته وطغيانه ثم هوى من شرفته العالية .

3 - دخل الرجلان إلى ما وصف بفندق في الناحية الصغيرة فقد قررا المبيت فيه ثم مواصلة سيرهم صباحا ًفقد ألم به التعـِب مما يتعذر عليه قيادة السيارة ليلا ً . لم يكن الفندق إلآ غرفة واحدة سيشتركان فيها وكانت خالية من الأثاث سوى سريرين حديديين عليهما فراش بائس ولكنه نظيف ووجد أنها لا تليق بمقامه ولكن لا محيص وثمة نافذة واحدة زجاجها قد تهشم فجاء شاب نحيل بملابس محلية وغطـّاها بقطعة ورق مقوّى درءا ًلنسيمات الهواء الباردة التي يقذفها الجو وإن لم يحن الشتاء بعد وأحسّا بحاجة لرشفات خمر تبعث في أوصالهم الدفء فقررا أن يقضيا بعض الوقت في الحانة الصغيرة المجاورة لغرفتهم .

قال صاحب الحانة أنه لايوجد لديه سوى العرق العراقي محلي الصنع ولكنه أكد أنه يفوق الويسكي الذي طلبه فيصل طعما ولذة فضلا ً عن رخص ثمنه ولمّا ذاقه رفيقه المحامي أعجب به وقال:

 نصف قرن أعاقر الخمر ولم أذق عرقا ًبهكذا طعم ، لا شك أن أحلامي ستكون الليلة سعيدة ،ويبقى شيء واحد لا يعرف إلآ صباحا ً، الصداع ، هل سيصيبني منه صداع ؟

لم يكن في الحانة سوى أربعة شبان جلسوا حول طاولة معدنية صدئة يعبون الخمر وأحدهم يغمره حزن ويأس عظيمين ، فسأل الكهل النادل عن أمره فاستغرب فيصل عن فضوله  

- لا تعجب ..عملي في المحاماة يدفعني لمعرفة التفاصيل الدقيقة .

الشاب الحزين عاشق توله بإحدى فتيات الناحية وضل عقلة وغلبه هواها.

دخل رجلان الحانة يلبسان لباسا ً محليا ً مزركشا ًوتوجها نحو الشبان  فقال ذو المنكبين العريضين والشارب المفتول:

-  يابني لتبارك للعروسين فقد انتهى كل شيء ولا فائدة ترجى من بقاؤكم هنا وشباب الناحية يدبكون ويرقصون، هل تريد الزواج ممن لا تحبك ، فتعيش مع جسد بلا روح ؟ أكفف بني ، حال أصابت مئات قبلك ، وستصيب مئات بعدك .

فلم يتأخر المحامي أن قال :

هذا رأي ابنتي تماما ً ، طلـّقت زوجها وهي تردد : جسد بلا روح ، أغلبنا في مخدع الزوجيّة جسد بلا روح ، أذرعنا تطوقهن وخيالنا يطوق أخرى وربما هنّ كذلك يغمضن عيونهن ولا نعرف بمن يفكرن، ولا يوجد مقياس أو جهاز يعرض لنا الحقيقة ، حقيقة واحدة نسميها الشرف هو الدم المسال ليلة العرس ، الطلاق ليس بشيء غريب ولكن الغريب أنها لا تتوانى عن ترديد (الزواج صفقة خاسرة ) ولم نفهم مرادها الا حين علمنا أن زوجها يظن أن المرأة جارية ولا يعرف غير شيئين الطعام والفراش أما الروح والنفس فثانويان وعندما قال لها المرأة ليست إلآ مفقس لم نفجأ برؤيتها مع حقائبها على عتبة الدار وكانت أمها تحاول اقناعها بقلة الأزواج بعد أن أتلفوا في الحروب  ومن تعثرعلى زوج فنصيبها من الدنيا كبير، فتقول ( ذكوريات  غلبن الذكور )أو( ماذا أرجو ممن لا هم ّ لها سوى اعداد الطعام وتربية الأولاد ) .

تبادلا الحديث وعرف فيصل أن تغيرات اجتماعية كبيرة جرت في العراق وعندما عرف المحامي سعة أملاك فيصل التي صودر منها الكثيربعيد تشريع قانون الإصلاح الزراعي أخبره أن القانون صار مجرد شعار سياسي .

- أنا استطيع مساعدتك في أمور كثيرة ، ولك أن تعرف أن قانون الإصلاح الزراعي يقبع على رف يملؤه الغباركقنفذ في جحر، وستعود وترى بإم عينك كيف هي منزلة الشيوخ وتملّ من سماع  لفظة ( شيخ ) كما يُمل ضجيج الدبابير المتزاحمة على بصيص ضوء

 

4- هذه يازوجتي عباءتك وهذه عباءة أمي  .

- كأن لون عباءة أمك أكثر سوادا ً.

بوده لو يقول لها قلبك هو الأكثر سوادا ً.

تذكرت المقولة : إن الحماة أولعت بالكنّة وأولعت كنتها بالظنة .

- أبدا ً ...إن كنت في شك يمكنك اختيارأي واحدة ولكن هنّ من المنشأ نفسه وقضيت ساعات أبحث في سوق (الحميدية) حتى حصلت على عباءات ( أم البُرجين ) ، وهذه عطور ابنتي الفاتنة وكل ما طلبت ولكنّي عثرت لها على شيء أهم وسيسعدك يازوجتي ويقلل من همّك الذي تحملين

- ما هو ؟

 - لا ليس هذا مايقال بلا ثمن .

- وهل جئت به ؟

- لا.. لا يُحمل بل سيأتي على قدمين .

- أثرت فضولي يارجل... ألآ تتكلم ؟

- زوج ...  زوج ... ثرّي ووسيم أحد ولدين للشيخ الذي كان إذا ذكر اسمه ترتعد الناس وكم من خلاف حصل بين عشيرتين قد حُل لمجرد سماعهم بنيته التوجه إلى ديارهم ، كان مهابا ًوهكذا ابنه ..شيخ يا أمة شيخ.. يملك ما يكفي أحفاد أحفادك .

- لمائدة ؟

- بلى لمائدة .. هل ستفرحين هذه المرة أم تنوحين فتجعلين من العرس مأتما ًكما في زواجها الأول ؟

 

5 - وجد فيصل أن دار أمه التي قرر السكن فيها وبنتها بموازاة الطريق المؤدي إلى بغداد في الجهة المقابلة للقرية قد اكتسحها الغبار والأتربة فبدت كأنها من آثار الماضين .

سأل عن السركال فأخبروه أنه في مستشفى المجانين لا يعرف نفسه ،وبين فينة وأخرى يصيح ( ساحرق صريفته ) ..( سأضربه على رأسه ضربة ليس بعدها من فواق ) ثم يبكي وهو يردد (عودي إلي ياابنتي عودي إلي يازوجتي الشيخ يريد خبزا ً طازجا ً ) ، فقال أحد الفلاحين : ما أقصر عمر الإنسان ، مسكين قضى جل عمره يقرع الناس بسوطه واليوم يقرعه سوط الدهر.

سارعت نساء القرية لتنظيف الدار وإزالة الغبار المتراكم ، وقامت الفتيات على مدى يومين بتنظيف زجاج الشبابيك والصحون والستائر وتسابقن وكل تظهر ما تعلمت من فنون متخيلة نفسها بين أحضان زوجها الشيخ سليل الشيوخ .

وتسابق الرجال في جلب الطعام للشيخ حتى أن أحدهم قال :

- هذا طبيخ ابنتي .

 وكان كاذبا ً فهي لا تعرف سوى سلق البيض ، وأردف مفاخرا ً من أن ابنته الوحيدة في القرية أنهت دراسة المتوسطة .

سارع من كانت له ابنة ولو بعمر خمس عشرة سنة متأملا ً أن تكون زوجة الشيخ ومن لم تكن عنده ابنة سارع لربما يحل محل السركال الذي جن .

من أسخف الأقوال الذكورية التي سمعتها : الغيرة من طبع النساء ، و غيرة الرجال ترقى غيرة النساء .

التمويه سمة الفكر الذكوري .

كل بائس ورديء يرمى على عاتق الأنثى .

حادثتان كبيرتان عن غيرة الرجال تجاهلهما الفكر الديني ما جرى بين هابيل وقابيل وما جرى ليوسف  .

تحيط بالدار مساحة واسعة صارت كغابة غصت بالأعشاب وتشابكت الأغصان بقعر النخلتين المائلتين بتنافر، تبدوان صغيرتين فلم يحن  أوان تفتق طلعهما بعد ، فقال أحد الفلاحين :لا أنا زرعتهما وليس لنا إلآ تهديدهما بالقلع ، فضحك فيصل ( وهل تسمع النخلة؟) بلى وتخاف القلع فبالتهديد سرعان ماتثمر ،وتذكر فيصل أن حيامنه ميتة فهو لا يثمر كهذه النخلة .

 عقـّب  آخر: أظن أن واحدة منهن فحلا ً

 - وكيف عرفت ذلك  ؟

- لاحظوا كيف تميلان مبتعدتين

 - ربما تخاصمتا

- أوحصل الطلاق .

 على بساطتهم اعتادوا استغلال أي شيء يُضحك ويفرح ليزيحوا قليلا ً من تعبهم ونصبهم .

 هرع الفلاحون لحش العشب وحرث الأرض وشقت السواقي وزرعت بمختلف الأشجارعدا شجيرات الزيتون التي تؤلمه ذكراها .

اتصل المحامي بفيصل لدعوة غداء واخبره بضرورة جلب الوثائق المهمة .

هي فرصة ليلتقي ابنته التي حدّثه عنها طوال الطريق .

أوصى الأم تذكرة ابنتها في التقليل من غلوائها فالضيف ليس بالسهولة التي تتصور.

- وأنا لست سهلة .

 أريده صعب القياد يمكنني مما أريد ، متمرس يا أمي في كل شيء في حديثه وتصرفاته وحبه ، أما كونه شيخا ً فلا يعنيني ، هوشيخ على البسطاء، وأما ما يملك فلا يشجيني التمتع بلحم الفقراء .

- اعرفك متمردة وهومتمرد كما يعتقد أبوك ، لا بأس المتمردون للمتمردات ، فقط تزوجي لأنام نومتي الأبدية براحة.

استغلت فرصة ابتعاد أبيها وأمها وهي فرصة مفبركة ليختليا .

فغر فمه عندما طلبت عنوانه لتنفرد به فتعرف منه إن كان مؤهلا ً للإقتران بها .

كان يوما ً ثقيلا ً مر عليه لم يشاهد مثله في لبنان أو سورية .

إختلت به في داره ودار بينهما كالعادة حديث عن العمر والتحصيل الدراسي لكنها بدت كمن يستجوبه .

- لنبدأ العمل لإعداد الصفقة .

- عن أي صفقة تتحدثين ؟

-  الزواج .

- وهل هو صفقة ؟

- وفي أغلب الأحيان خاسرة  ، ماذا لو طلبت منك أن تتعرى .

- ماذا ؟

- تتعرى .

- أنا أتعرى ؟

- كلانا يتعرى .

فشعربدوار وكأن الأرض تميد به .

- لو كنا بهذه الصورة فما الذي ستقوله عني ؟

- أقول عاهرة .

- صدقت ونجحت في الإختبار الأول ولو قلت غيره لكنت ذكوريا ً أبلها ً.

إختبار عجيب ، وأعجب منه جرأتها.

- هل عرض جسدك على غريب فعلة سهلة بتصورك ؟

- وماذا في ذلك ما الذي حصل أوهموكم أن هذا محرم والجسد ثمين ولكن بورقة لا تساوي فلسين تصبح الرؤية مشروعة .

وأضافت إلى دهشته دهشة

- لا ولو سنحت لي فرصة لكنت فعلت ولا أخجل من قول ذلك .

وأرى لو تلجأ لأحضان فلاحة أفضل لك ، أما معي فسترى

 شيئا ًمغايرا ًلم تره لا عند عالية ولا حسيبة ولا رنين .

لاحظ وجود صندوق مقفل احتفظت به أمه في الغرفة المجاورة لغرفة نومه والتي قرر أن يجعل منها مكتبا ً فكسره فوجد ثيابا ً وملابس داخلية ، ملابس عالية تركتها حين هربت مع جحيل، يعرف هذه الملابس جيدا ً فكم رقد وكانت تلامس منخريه.

تلمس الثوب الوردي وراح يشمه وهطلت من عينه دمعة  كالدمعة التي تهطل من العين في الرمق الأخير .

جعل الغرفة الداخلية مكتبا ً ومرسما ً، واشترى جهاز تلفزة ومكتبة وزاره أول من زاره المسؤول الحزبي للمنطقة وكان يحمل معه كتب وكراريس حزبية وقال: أريد أن تزين بها مكتبتك وعندما تقرأها تجد أن ماركس وأنجلز قد أفلسوا أمام هذا الفكر العظيم لمفكري الحزب فتذكر حسيبة التي كانت تقول عنها (محض هراء ) وتعجب الفلاحون من انهماكاته تاركا ً الزرع والمزارع يديرها الفلاحون ويتقاسمون معه الإيرادات .

طرقت عليه الباب صبية طالبة المساعدة في كتابة إنشاء بطلب من المعلمة ولمّا قرأ العنوان وكان  (الإثرة والإيثار ) سألها عن اسم المعلمة فاخبرته ( الست حسيبة ) فأصابته رعشة كتمها وسأل الصبية إن كانت متزوجة أم لا

- بلى وعندها ولدان

عرف منها اسم وموقع المدْرسة التي تدرس فيها حسيبة .

أوقف سيارته قرب بابها وراح يرقب المعلمات الخارجات

كلهن يخرجن فرادى عدا واحدة .

هي حسيبة يتحلق حولها التلامذة اعجابا ً

لم يوفق مع عالية التي لم يبق منها سوى ملابسها ولم يوفق مع حسيبة فلم يبق منها غير ذكرياتها يوم كان يراقبها من حائط المدرسة .

انتظرت قليلا ًعند باب المدرسة على قارعة الطريق وإذا بسيارة يستقلها رجل تراءى له أنه يعرفه أقلّ حسيبة ، قلـّب سجلات مخه القديمة ليتذكر .

 هو وجه عبد الحسين زميله القديم في الدراسة ، كان متفوقا ً عليه وما زال .

ذكي لن يدع شيئا ً جميلا ً يفوته ، فهل يدع مثل حسيبة تفوته وإن كانت مطلقة ؟ رجل عملي وواقعي .

 

6 - دس يده في جيبه وأخرج عنوان البغي التي التقاها عند الحدود

ومن شدة أسفه على ضياع حسيبة وغيرته من عبد الحسين أراد أن يقضي وقتا ً ينسيه بعض ألمه فراح يبحث عن وكرها ، وصل باب دار حديدي مغلق يشبه باب سجن ،فتحت عجوز شمطاء لها وجه كوجوه الشياطين نافذه حديدية وسألته عما يريده فتلعثم فكادت تغلق النافذة فأسرع قائلا ً أعط هذه الورقة لسيدتك .

غلقت النافذة ولم تمض ثوان حتى فتحت الباب على مصراعيها ودخل معززا ً فاستقبلته امرأة الحدود مرحبة به ترحيبا ًفيه من المبالغة الواضحة الشيء الكثير .

في الصالة الرئيسية جلس مع المرأة التي يبدو أنها قائدة هذا البيت وسيدته ولم تمض دقائق حتى جاءت البنتان اللتان كانتا ترافقانها عند الحدود ولكن بلا عباءات تغطي قواميهما الممشوقين وكانت احداهما أكثر بدانة من الأخرى ولكن ليس بصورة مفرطة ومع ذلك قالت المرأة عنها حين قدمتهما له ( ديدي الدبدوبة ) فقال ليست دبدوبة ولا هم يحزنون فأجابت : أنقول أنها أعجبتك ؟ فتجرأ وقال : لا أعجبتني الأخرى فقالت هي أختي الصغرى وما تزال بكرا ً ،إتفقت معه أن يزرنه في بيته بعد يومين ، وزادت : لن يكون معنا الطفل اللولبي الذي رأيته ، وسنرحل أنا والدبدوبة تاركين لكم الدار أنت وأختي(زوزو العصوصة ) ، فقط أحضرلي نبقا ًفلقد فات موسمة .

في اليوم الموعود حضرت المرأة بصحبة الفتاتين ، وترجلتا من سيارة ظل سائقها منتظرا ً على جرف الطريق الموازي للسياج الخارجي لداره .

ترجل ثلاثتهن بعباءات سوداء بوجوه مغطاة فلا تظهر سوى عيونهن ، وكانت الأخت الكبرى تحمل حقيبة صغيرة اتضح فيما بعد أنها تضم ملابس نوم وأدوات تجميل ولوازم أخرى تستدعيها المهنة .

 

7 - لأول مرة يقضي ليلته منشرح الصدر منذ سنين ويحس كأنه امبراطورا ً فالغانية التي يستضيفها رقصت له عارية ونهضت في مخيلته أشباح فتصوّرها عالية وتصورها حسيبة وتصورها رنين وإن لم ترقص له أي واحدة عارية وتصور نفسه من خلفاء العصور السالفة والغانية التي ترقص ما هي الا جارية من جواري القصر ولا يعوزه سوى خاتم ينقش عليه القائم بأمر الله ولا يهم بعد ذلك إن قام أو لم يقم بأمر الله ، وكانت ترقص على أنغام الجهاز ذي الأشرطة التي سجلت عليها أغاني غجرية ولما صدح (داخل حسن) بأغنية قالت زوزو: هل اشتقت للبكاء ؟

عند الصباح بعد تلك الليلة المخملية طـُرقت الباب فوجد فيصل أحد الفلاحين يحمل خبزا ً طازجا ً خرج لتوه من التنور وصحنا ً من القشطة العراقية اللذيذه ، فأوقظ الغانية وقال لها لتأكلي الخبز

 طازجا ًمع القيمر وما عليك إلآ أن تجلبي لنا تلك الزجاجة التي تحتوي عسلا ً طبيعيا ً من نحل يمتص ورد الحقول ولا يشرب ماء السكر كالذي يباع في الأسواق ، وقبل أن تتناولي منه تذكري ليلة أمس التي كنت فيها نحلة وجدت في الشفاه رضاب ورد .

 

8 - قرابة الساعة العاشرة صباحا ً وقفت السيارة التي أرسلتها أختها تدعوها للعودة ، فما كان منها إلآ أن صرخت بوجهه قل لها ستبقى ليوم آخر  فقد استأنست بفيصل.

عصراً عادت السيارة وكانت تقل أختهاالكبيرة ودلفت دار فيصل وعلى وجهها إمارات الغضب وقالت

أكرمتنا فأكرمنا أما أن تسرقنا فهذا ما لايجوز لك

فانبرت الأخت الصغرى قائلة

لا يا أخيتي أنا الذي قررت ذلك وليس هو

كل هذا وفيصل صامت لا ينبس ببنت شفة

فردت الأخت هذا هو الحب لقد شغفت به  ولكن فكري بمصير عملنا وطلبات الزبائن

ألم تفكري قبلها بمصير أختك وعرفت يوما ً شعورها ككائنة وليس كسلعة لا يهمك سوى ما تدر عليك من مال  ألآ تحبين أن تسعد أختك يوما ً بحبيب ؟

لو كان الأمر هكذا فهو ما أحلم به وطالما حلمت به أمي وقبل شهقتها الأخيرة كانت تلهج بإسمك وأوصتني بك وكأنك ابنتها الوحيدة ، ولم يكن رأيك بالرجال كما هو رأيك بفيصل  ، هل سحرك الرجل ؟

ماتت الأم وفي قلبها حسرات فبعد عمر ليس بالقليل تمادى الأب بمعاقرته الخمر ولشدة ولعه بالمقامرة ، ووجد ميتا ًإثرخسارته داره تاركا ً زوجة وثلاث بنات فنهشهما المتصيدون .

هكذا انزلقت على جسده أجساد ولم يجد اختلافا ً ، كلهن سواء والفكر مختلف يتراوح بين الشدة واللين ، بين تمرد مستحق وتمرد لأجل التمرد ، بين فكر ينبع من احساس صادق وإن كان ساذجا ً وبين فكر يزخر بالمعرفة التي لم يطلها ، ولم يطل واحدة منهن ، هو لايعرف ماذا يريد ، هو مسكون بشياطين اللا معرفة .

بين يديه اليوم مائدة وبين يديه زوزو وبين يديه عشرات من الفلاحات

وهو ضائع لا يدري من يختار وكيف يختار ، أضاع طريقه مرارا ً وغيره ثابر ونجح وبقي يزرع وهما ً وبحصد خيبة .

 

9- لاتريد زوزو من فيصل شيئا ً

- لا أريد غير الستر لاأطلب منك شيئا ً ولن أطلب .

غير كاف أن يعيش معه امرأة تحفظ كرامته وتصونه ، كما أنه غير كاف أن يعيش مع امرأة تفكر فقط وقد شغفتها الفلسفة ، وغير كاف أن تكون له امرأة مطيعة طاعة عمياء كالفلاحات .

إذا ً ماذا تريد يا فيصل ؟

حورية من الجنان ، هذا لن تحصل عليه ؟

 

10 - بعد عدة أيام عادت الصبية بصحبة أبيها وهي تذرف دمعا ً أحس بحرارته عن بعد فتصور أن حسيبة لم ترض على التعبير الذي كتبه للصبية واتضح أن الأمر مغاير

- لقد غادرت الست حسيبة بصحبة زوجها الموفد إلى دولة أوربية للدراسة ، وحلت محلها معلمة أخرى  وعندما قرأت تعبير الصبية قالت :

من أي كتاب نقلتيه ؟

- لم أنقله بل كتبه لي الشيخ .

- خذي كراسك وقولي للشيخ أني أريد محاورته .

- هي تريد لقائي إذا ً ؟

قال الأب : ياشيخي أنا خجل منك ولكن شاهد دموعها

- أتبكين خوفاً من المعلمة الجديدة ؟

- لا ياشيخ أنا أبكي على رحيل حسيبة كانت لنا بمثابة أم والتلميذات جميعا بكوها ويوم ودعتنا كنـّا كمن فقد شيئا ً عزيزا ً حتى أن المديرة قالت : هل نحن في مجلس عزاء ؟

كانت عبارة المديرة لها وقع المطارق ، فتأسف لخسارتة حيث لا ينفع الأسف .

تهشمُ القواريرلا سبك له .

 

المتمرد ( الفصل الاول )

المتمرد ( الفصل الثاني )

المتمرد ( الفصل الثالث )

المتمرد ( الفصل الرابع )

سردار محمد سعيد


التعليقات

الاسم: سردار محمد سعيد
التاريخ: 30/01/2012 16:11:54
الشاعرة الرقيقة سلوى فرح
شكري الجزيل لمتابعتك الرواية
ستجدين الفصل السادس ويعده الفصل السابع قد تصاعدا لغة وفكرا ً
أنا متأكد أنهما سينسجمان مع تمردك المشروع وأنا متفق معك في تمرد الأنثى الذي يحرك الذكر ولا يستعبده ، كذلك هو يحركها ولا يستعبدها وهمايرفعان نفسيهما شعورا ً وفكرا ً وعقلا ً ولا ميزة لأحدهما على الآخر في قرار أو رأي مفروض ولذلك أنا أحييك لهذا الفكر النير وآمل أن تسنديه بالعمل والفعل .
تقديري وانتظري الفصل السادس

الاسم: سلوى فرح
التاريخ: 30/01/2012 14:04:06
سعيدة في قراءة الفصل الخامس من روايتك المميزة المتمرد..بسردها المشوق ومعانيها الانسانية..
كيف لا وهي تعبر عن حالة واقعية وهادفة..
ودائما يشدني التمرد لآنه خلقت متمردة ..وأرى أن الانثى المتمردة هي التي توعز الى الرجل كيف يتعامل معها وكيف يفهم رجولته بالمعنى الصحيح وتوضح حدودها المتمردة كي لايتجاوزها من لايملك البصيرة..
الأستاذ الروائي سعيد سردار..شكرا لعطائك الزاهر..تقديري.

الاسم: سردار محمد سعيد
التاريخ: 29/01/2012 15:05:24
تحياتي أخيتي أم هشام
وسلامي للأخ سلام
شكري لمشاعركم النبيلة ووجودكم أنتم يضمخنا بعطر الأخوة الحقة وكم شاكر لك دعاءك في حضرة الإمام وفضلك سابق ودمت أختا ً غالية وستقرأين بقية الفصول قريبا ً راجيا ً أن تعجبك
الرجاء مهلك قليلا ً على أخيك فهو لا ينسى ما يعد به ولكن الظروف قاسية جداً
وفقكم الله وأبعد عنكم كل مكروه

الاسم: سنية عبد عون رشو
التاريخ: 28/01/2012 17:08:46
الاستاذ الجليل سردار محمد سعيد
يسرني ويسعدني أن أقرأ لكم تكملة روايتكم الواقعية البديعة المتمرد..وجودكم بيننا بمثابة الاستاذ الذي ينير معالم الطريق في فن السرد القصصي والروائي. وأثمن عاليا الصورة الإنسانية التي رسمتموها للمرأة.. المرأة بشكل عام. والمرأة المعلمة والمربية على وجه الخصوص..

الاسم: سنية عبد عون رشو
التاريخ: 28/01/2012 17:08:28
الاستاذ الجليل سردار محمد سعيد
يسرني ويسعدني أن أقرأ لكم تكملة روايتكم الواقعية البديعة المتمرد..وجودكم بيننا بمثابة الاستاذ الذي ينير معالم الطريق في فن السرد القصصي والروائي. وأثمن عاليا الصورة الإنسانية التي رسمتموها للمرأة.. المرأة بشكل عام. والمرأة المعلمة والمربية على وجه الخصوص..




5000