.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


سامي العامري يستمحيَ بالورد , بينما الاخرون يعزفون بالمخالب

هاتف بشبوش

أستمحيكِ وردا... ديوانُّ وجدتُ فيه الشاعر سامي في نصه ِالأول , قد حدد لنا شخصيته وإنتماه الاخلاقي , ومدى إحترامه للمؤسسة الادبية والثقافية , وتحديد هويته وذاته وأهدافة التي رسمها ولايسمح حتى لنفسه بتجاوزها , وقد اختار النص الاول كباب رئيسي للدخول الى معالم ديوانه , لكي يعرف القارئ منذ البداية ماهي الاصول الادبية التي يتبعها الشاعر سامي , والذي لايفهم في هذه الاصول عليه أنْ لايلجأ الى الدخول ولايتعب نفسه , وقد أعطى الشاعر المهمة الاولى للأصابع في رسم كل الصياغات الادبية والفنية ( لاأعرف لماذا أكتب ... لكنها أصابعي بدأت تركض ...... ساماراغو)   ,  لذلك راح يرسم لنا رؤى ومسارب وأسرار تلك الانامل اذا ما ارادت ان تفضح , الانامل التي تذهب طيعة مأمورة لما تمليه عليها القريحة والعاطفة الجياشة والشعور في لحظات البوح , وحينما ينفرد الشاعربذاته وهويكتب فأن وظيفة الانامل هي رص تلك الكلمات النابعة من جوف الشاعر , وبناءها على الورق بشكل يتطلب الخبرة البنيوية والمهارة والتروي واعادة النظر , الانامل لها الوظيفة الكبرى والاساسية , لولاها لم يستطع الكاتب الاّ أن يوصي أحدهم في كتابة مايريد , وهذه نادرة واذا ماحصلت فهي من الاستثناء , كما حصل مع البصير ( طه حسين) ,لان الابداع يأتي مع خلوة الانسان وتصوفه وخشوعه بين العبارات وسيل الخيال التعبيري .

أصابع الفنان الموسيقي تنقر بخفة وتتلاعب فوق الالات الموسيقية , فتعطينا إبداعا , ننحني له ونصفق في كل مقطوعة او سيمفونية نابعة من القلب وتعزفها لنا تلك الاصابع , وتصب في ملتقى هموم الناس ,  وتثير غضب الجلادين , كما حصل مع العازف الشيلي فكتو جارا الذي قطعوا أصابعه وأجبروه أن يغني ويعزف مع الدم , ثم أمطروه بوابل من الرصاص , فظلّت الجماهير تغني أغانيه بعد موته .

هذه الانامل حينما تنقلب الى مخالب لدى البعض كما صورها لنا الشاعر في( العزف بالمخالب) ,.. وهو النص الاول في الديوان....تعطينا سمفونية بلحن وحشي , لكنها أضافت للشاعر نوعا من الثبات والاستقلالية الشعرية , واضعا امام الشعراء والقراء المعجبين والحساد , ملامح انتماءه وهويته ,بكل تفاصيلها الصغيرة والكبيرة , انه يكتب ويعيش ويعبرعن مكنونات السحر الذي بداخله , يرى الاشياء ويصورها بشكل أخاذ آخر, هو من اولئك المستعدين للأتيان بالجديد , عكس الشعراء الذين يكررون ذات الاحكام المسبقة التي يؤمن بها محيطهم , وليس لديهم الشجاعة والجرأة , على كسر تلك الاوهام , وانما يفضلون البقاء في نفس الاوحال التي هم عاشوا عليها , انه لايؤمن بالنفوذ والسلطة , لانهما لابد وان يأتيا مع لوثة عار , والمتمشدق بهما لابد وان ينزف دما من جميع مساماته , بل لابد للشاعران يبكي ويبتسم مع الشعب كما قال الشاعر الاسباني  لوركا, ولذلك كان الشاعر في غاية الدقة وهو يخط نصه ( العزف بالمخالب) مقطوعة ( رصد)


لكي تُعَدَّ ناقداً مُبَرِّزاً
او كي يَعدّوكَ أديباً مَرجِعاً او مدرسهْ
بادِرْ لمَدْحِ شاعرِ المؤسَّسهْ !

 

 حيث اراد الشاعر تعرية نقّاد المديح , أو أدباء المحاباة , وما اكثرهم في كل زمان ومكان , وخصوصا في عهد المقبور صدام حسين ,وفي عهده رأينا العديد من النقاد , ملمعي أحذية  شعراء المؤسسة وعلى رأسهم عبد الرزاق عبد الواحد المداح الحقير لذاك الزمن الحقير , والذي كان حينما يكتب كان يفترس بالمخالب , فجاءت كلماته تملـّقية احيانا وافتراسية غالبا ما مثلُ ابن آوى ( الخنيث الخبيث) , فراح بعض أدباء التسول عند باب الامير او الخليفة أو قائد أم المعارك( المهازل)  , ليصف اشعاره بالجميلة , وانا اقول عن اشعاره , أنها مثل تلك المرأة التي تمتلك من الاوصاف اللابأس بها , كالانف والعينين وبقية اجزاء الوجه , لكنها في عموم وجهها قبيحة تثيرالاشمئزاز في ضحكة من ضحكاتها الدميمة  , أنها تتخفى وراء قناع خلفه الكثير من الجرائم . ثم مافائدة الاديب ان لم يكتب عن هموم الناس , وماهي مكانته , انها في مزبلة انطولوجيا الادب . بينما شاعرنا موضوع البحث , يتسم بالرقي , وسيبقى كما هو , لأنه شاب عليه , ورضعه حليبا صافيا كما في نص( سماؤك المبللة بالنجوم) شذرة ( رقي) ......

 

 كنتُ رضيعاً
إذْ تَنَبَّأتُ بما يأتي بهِ الشبابْ !
كانتْ أصابعي
بحجم أعوادِ الثِقابْ

 

الكثير من الشعراء لهم القاب تخص شخصياتهم , المتنبي من النبوءة , والنابغة الذبياني , من النبوغ , لانه قال الشعر في وقت متأخر من عمره , فقالواعنه , لقد نبغ في الشعر فسمي بالنابغة . الشاعر في حدسه ومن كثرة آلامه , يتخيل أشياء كثيرة , فيسطرها على الورق , وبعد حين تصبح من الواقع وكأنه يتنبأ بذلك مسبقا  , ومن حق الشاعر أن يتفاخر بما قاله والذي أصبح حقيقة فيما بعد .

عود الثقاب الذي يُشعل فوانيس العسس أيام زمان , واليوم يشعل شموع الميلاد , فينير أيامنا , عود الثقاب يشتعل مرة واحدة , فهو ليس كما نار المجوس الابدية , والتي يُرمز لها , أنها تنير الدروب على الدوام ,   لكنّ الشاعر إستخدم العود الطري( لايزال عوده طريا) المتقد , و المتماهي مع العمرالطفولي للذات الانسانية القادمة من الازل والتي ينتمي لها الشاعر نفسه , ولذلك فانها في غاية الروعة. ثم يبدأ التفاخر بالعلو والسمو الى السماوات البعيدة , كي يكون نيشانا نجمياً ساطعا في غياهب الظلام  ,  كما نقرأ ادناه ...

 

وخاتَمي مُطَعَّمٌ بالأنجُمِ
وأحْرُفٍ من مُعجَمِ
أرنو اليها خَزَراً
وواحِدٌ من الصعاليكِ أجابْ :
لا تَدَعوهُ وحده ُ

فإنَّما مَقْصَدُهُ الكِتابْ
وموعِدٌ مع المنافي والعذابْ

 

فيتنبأ بنشيده الشامل , واكتمال تطلعاته الى المعرفة , وقول الحقيقة بلسانه لابلسان غيره , (فإنَّما مَقْصَدُهُ الكِتابْ) .. أجمل وأهدأ مكان يلتقي به شخصان بحميمية مطلقة هو الكتاب , وفي ظل التشريد والمطاردة , بين أجنحة وطنه , حتى وصل الى المنفى ومراراته , فهو من الشعراء المشردين من اوطانهم , لكونهم ضد الطغاة والبغي . يقول هيجل ( حينما تحرق الكتب , فأنك تحرق الرجال) , شاعرُنا ّينادي الوطن , بكل مافيه من حرقة والم , وهو يمسك الدلاء  , ويغرف من الاكوان الخريرية , التي تشكل قوام الوطن المبتلى بالنهب والسلب والقتل والتدمير , كما في نص ( أوزعُ الاكوان بالدلاء) مقطوعة ( فيض ) ......

 

يا وطناً ,
قِوامُهُ خريرْ
لقاؤنا المُبرَم فَخٌّ وثيرْ !
وها أنا أوزِّع الأكوانَ بالدلاءِ ,
إذْ أقتطفُ المَدى
بَدءاً من الشوقِ فصاعدا

 

 

 أنه الشاعر الفياض , بكل مالديه من الابداع والتضحية , يطوف في المدى مع التوق والشوق , متحسرا , صاعدا الى تل  الخديعة , كي ينبش ما في المجاهيل والاسرار, في سبيل الحفاظ على رشاقة الوطن من الامراض والعلل التي قد تصيبه .

مغامرة روحية تخيلية رائعة في وصف الوطن بقوام خرير الماء اللامتناهي , الذي لاينضب بخيراته , وثرواته , وهو يمد يده في الهواء كي يقتطف ثمار الكون , ورغم كل الاحداث التي ابعدته عنه , الا أنه يرى نفسه متماهيا مع الناستولجيا التي تهز كيانه شوقا وحنينا دائميين . ولذلك جاء الجزءالاخر ( من بين الاصابع )....

 

مَهما اختنَقْتَ او تنَفَّستَ بلا رئهْ
مهما تكنْ محطّاتُ رؤاكَ هادئهْ
مهما كتَبتَ او أضربتَ ,
مهما تكنِ العِبارةُ البادئهْ
لا بُدَّ أنْ تُطِلَّ مِن بين الأصابعِ امرأهْ !

 

الحياة تنزلق من اصابعنا ,هناك الكثير من الاعمال الفنية , والسمفونيات والموسيقى , كلها محاولات لدعم الحياة في الاستمرار ,   

يقول ريتسوس( انا موجود , العالم موجود , من طرف اصبعي ينساب نهر)  .... الاصابع التي تشارك مع الدماغ ومع الشعور في اللحظة الآنية من تفريغ الشاعر لما يعتمر في دواخله , فينتهي الى اللجوء الى امرأة , ومهما تكن , ربما إمرأة دفء , أو زورق لعبور الليل  , أو المرأة هي (الاسميرالدا) الغجرية الحسناء التي أنقذت حياة الشاعر الفيلسوف في رواية أحدب نوتردام للفرنسي الشهير فكتورهيجو ,  المرأة دائما حاضرة في قلب الشاعر , انى كان وانى ارتحل , ومهما حاول تغاضيها  , لابد له ان يجد نفسه في أحضانها , لابد ان يعوم في فؤاده هوىً  لايجف , ولابد لسلطة الحب ان تأخذ مشوارها في  فصل من فصول حياته , ولابد للمرأة أن تهز أعماقه سواء ان كان في الصبا أم في المشيب , ( المراة التي تهز السرير بيمناها .. تهز العالم بيسراها ... ماركس) . وعلى العموم  أنّ المرأة , التي يقصدها الشاعر هنا , تعني الاخصاب الابدي الذي ينساب من الاصابع عند كتابة الابداع , مثلما ينساب النهر الذي لايجف .

بينما هيلين تسبح في ماء الخلود تنتظر زيوس دائما على مركب هائم , الشاعر كان مابين الشك واليقين من اطلالة المرأة , سواء ان كانت حبيبة ام لغرض آخر, لأنه أصاغها صياغة غير واضحة المقصد , فجاء اليقين متموسقا مع الفلقة أدناه ( يقين) ...

 

 

دافعُ تحنيطِ اليقينِ فاجرٌ
يُطري لَذاذاتٍ
مَراسيها الضَّغينهْ
شوارعُ التَفَّتْ على الأعناقِ هكذا
كحَبْلِ

 

الشاعر هنا تحدث عن اليقين باسلوب الحداثة  , وأعطى لنفسه حق الشك ايضا , والاّ فأنه لايعتبر من المحدثين , او على الاقل أنه في أغلب أشعاره , ينتمي الى قصيدة التفعيلة التي تحمل في طياتها القديم والحديث . الادباء والفلاسفة تناولوا قضية اليقين والشك , يقول نيتشة ( اليقين يقتل , بينما الشك لايقتل ) ,, وهناك الكثير ممن تناولوا هذا الموضوع في شتى اجناس الادب او في السينما ,ومنهم كولن ولسن في روايته الشك  , وفي رسائل ديستويفسكي التي تتضمن أتون الشك العظيم ,  وفي فيلم ( الشك) من تمثيل هاريسون فورد وجسيكا لانج , يشك الزوج( هاريسون فورد) بزوجته ( جسيكا لانج ) فيبدأ بملاحقتها , الى العمل والبيت والاماكن الاخرى , فهو في هذه الحالة في دائرة الشك , يراها مع شخص في احد المقاهي , ومن ثم يراها في اماكن الرقص , والسهرات , ولم يدخل في دائرة اليقين , حتى تأكد أنها معه في المخدع , فدخل عليهما , وحينما دخل في دائرة اليقين , أخرج سلاحه وارداهما قتيلين , القصد من ذلك , انه في حالة الشك لم يقتل , حتى تيقن وتأكد فقام بالقتل غسلا للعار . ولذلك نرى طوائفنا اليوم تتقاتل لان كل منها يدعي ان الله أوصى بها وهي الفرقة الناجية والتي اوصى بها رسول الله , وهي المتيقنه من انها الاصلح , فتقوم بقتل الطائفة الاخرى , وهكذا دواليك , لو ان شعوبنا اعطت لنفسها حق الشك , ودراسة المقدس ووضعه امام طاولة العلم لما حصل ذلك القتل .

ولذلك يستمر الشاعر في شكّه ويقينه المتماهي معه منذ الصعر وحتى في الغربة الباردة الصقيعية المثلجة في كولونيا  , فجاءت ثيمة ( استمرار) من نفس النص .........


ما أدرى الواهمَ ما الغربهْ
هي في الخاطر منذ صبايَ ,
تلقَّفَها - إنْ شئتَ - كأيةِ لُعبهْ

 

يقول الفيلسوف هيوم , اللاأدري ( عندما حاولت أن أجد نفسي , لم أجد أحدا في البيت )  . بين الصبا والمنفى ( الاغتراب) أواصر وشيجة , متلازمة على الدوام , لان الشاعر يحس بأن هناك قد سال صباه , والارض قد تشربت منه كثيرا , كما وان الطفولة هي الحساسة جدا لغربة الاحضان  , الطفل هو الاكثر انبهارا بالالوان والرسوم والاشياء الجميلة والدمى , ولذلك نراه يحن الى كل دمية قد لعب بها , لكنه يستمر على ذلك التبدل مع الدمى , التبدل الذي يشعره بالاستئناس المؤقت , لكنه بعد حين يحن الى الاولى ويبحث عنها وهكذا . رامبو منذ الصغر كان شاعرا ومغتربا , ومجنونا , وحينما غادر الشعر في عمر التاسعة عشر , لانه لم يعد مجنونا ومغتربا , الاستمرار في الابداع والمتاهات التي يدخلها الشاعر مع كل نص , هي اغتراب وقتي , يتكرر مع النصوص الاخرى , حتى يتشكّل الاغتراب المستمر والدائمي  كما هو الاغتراب الكافكوي...وحينما يأنّ الغريب فلابد من مأوى  , كي ترتاح النفس وتطمئن , فيرحل الى صدرها الدافئ  كبشرٍ محنط او كتمثال , لأنه قضى أكثر حياته مذعورا خائفا من السلطان , فلايريد  أن يكون كالحمائم في هلعها وذعرها , فماذا قال الشاعر في  أبيات( مأوى)......


أنا تمثالٌ مصنوعٌ من حَجَرِ النيازك
آوي إليكِ أَبَداً
لأنني لسْتُ كبَعضِ الطيور
أُحسِنُ التنَبُّؤ بأوقاتِ الزلازل !

 

يقول كانط ( أنّ جوهر الابداع هو خلق ماهو غير موجود وليس محاكاة محظة لما في الطبيعة كما يعتقد افلاطون وأرسطو ,  وهل يقصد الشاعر هنا انّ الحياة عبارة عن ومضة نيزك في السماء ,  وفي  الحب لابد ان يلجأ الى قلب حنون  , ويبقى معه ملتصقا , مستمعا للخفقان , لايريد أنْ يفزّ مذعورا كما الطيور التي تعرف بدايات الدمار( الزلازل) , فتنتفض مغادرة الى المديات اللامتناهية , أو أنه يتلوّى ليلا و فجرا مع اللوعة والشوق والتحسس بالوطن اللامتناهي (الدائري) , مثلما نقرأ في نص (رأس الفتنةأنا) وفي مقطوعة ( سفينة) .


ليلاً
او فجراً ...
يبقى وطني دائرةً
في الحالَينْ
وسفينةَ ملحٍ
تحملُ مِن كلِّ بدَويَينِ اثنينْ !

 

في هذا الوطن المبتلى بالفتن والحروب , منذ الازل حتى الوقت الراهن ,  دائرة من الجوع , من القتل على مر العصور , لكنه اليوم سفينة في لجة البحر او المحيط الهائل , وبلا قبطان ولاقائد ,  وفي أي وقت ستغرق وينتهي فيها كل كائن ملحي ويذوب , ويصبح هباءا منثورا مع الموج المتلاطم والريح الصرصر , وعباب أهوال البحر , ينتهي الوطن ويستحيل الى السحيق مع هذه السفينة التي أخذت معها البداوة التي لم تزل تتعلق بأذيالنا ونحن في عصر الانترنيت والعالم الصغير . تعبير وخيال رائع من شاعر له القدرة على التخفي وراء الكلمات , شاعر حتى في صرخته , يرفع الراية التي يستدل عليها الاعداء , ولم يخف ْ, بل يقف متحديا , ثابتا في سبيل أعلاء الكلمة الجوهرية , وهذا هو بيرقه في مقطوعة ( راية ).....


إرجُموني
فأنا رأسُ الفتنةِ
لأنني آمنتُ بالمحبةِ
نهجاً وغايةً
وأحرقتُ ورائي كلَّ الخطوط !
إرجموني
او أعيدوا اليَّ رايتي القديمةَ :
حَنَقي
وغَضَبي
وصريرَ أسنان قلبي

 

الله والشيطان كل واحد منهم له قديسوه وشهداؤه , فكيف لنا ان نميز بين النوعين , فهذه تجعل من الانسان العميق الوعي , في حيرة من أمره , ولذلك يذهب لخلق الصراعات في سبيل الدفاع عن مكنوناته وعن أفكاره ومصالحه , وعن بقاءه جسديا وفكريا , مما يؤدي  ببني البشر ان يرجم احدهم الاخر بتهمة ارتكاب الاثام والذنوب , فهو في هذه الحالة رأس البلاء , منذ ان قتل قابيل اخيه هابيل , وأحد الاسباب لهذا القتل كما تقول أحد الروايات  هو الصراع على الاخت الجميلة التي كان يحبها هابيل  , فكانت تلك هي اول جريمة يرتكبها الانسان في سبيل الحب ,  وقبلها كان يتعايش مع الحيوانات , غاضبا , مفترسا , وحشا كاسرا , حتى تطورعقله , وترك عالم الحيوانات وبدأ بالعيش بعيدا عنها , وبدأ يعرف التقبيل , والشهوة , والجنس, ثم أصبحوا( المرأة والرجل) يلجأون الى المغارات حين يمارسوا الجنس لكي لايراهم احد , ومنذ ذلك الوقت , اصبحت عملية الجنس لاتتم الا في خلوة الاثنين , وتحت سترتام ,وبعيدا عن الضوء , وبدأت المرأة تعرف ماهو الحمل والولادة , وماهو السر في انتفاخ نهديها وامتلائهما بالحليب الناصع , ثم تلى ذلك معرفة الانسان الى الخوف على  أبناءه من الوحوش الكاسرة  , واذا ماغاب  أبناءه عن ناظريه يبدأ يشك في الامر مخافة من المكروه , ثم نشأ بعد ذلك الحنين واللهفة الى اللقاء بعد كل غيبة طويلة يستغرقها في الصيد لاجل العيش , وهكذا بدأت الذاكرة تشكل العصب الرئيسي لوجود الانسان ( أنا افكر اذن انا موجود)  , الذاكرة التي أوقدت خيال الشاعر وطارت به الى مضارب الام , الى مقطوعة ( ليلة ذات ليالي) ....

 

أُمي
ها هو إبنُكِ البار
يرفضُ مُغادَرةَ البار !
قُصاراهُ
أنْ يشمَّ الياسمين
ويلويَ أُذُنَ السنين ...!

 

 اذن الذاكرة جعلت من الشاعريتذكرالام( الوطن) وهو في البار , في لوعة وحنين الى شم الياسمين , الياسمين الاليف الذي ينبت في البيوت او في الاماكن القريبة منها .

 كما وان شاعرنا له نظرة ايجابية اتجاه الخمر , وهو من محبيها بشكل لاغبار عليه , ولم لا , فأن أغلب الشعراء الكبارمن محبي الخمرالاّ ما ندر منهم . هو شاعر شفاف لايحب الازدواج , لاتحتوي أشعاره على الرموز الدينية , التي تثير الدوار والصداع والقئ كما في نصوص الكثير من الشعراء.

فيقول ( ها هو ابنك البار ) .. يفتخرايما افتخار ودون اي مراوغة , من هذه الامة التي حرّمت الخمر , بل حرّمت زواج الذي يعاقرها ,الشاعر يسير على خطى الكثير من الشعراء الاجداد  , وأولهم أمرؤ القيس الذي قال ( اليوم خمر وغدا أمر) , لقد رفض مغادرة الكأس وهو يلعب النرد حين أنبأوه بمقتل أبيه ملك الكندة . الشاعراراد من خلال ذلك ان يقول بعد اتقاد خياله وبعد الكأس العاشر لربما( الكأس العاشر أعماني...نزار قباني)  , انه يريد الوصول , الى الحضن الدافئ ووطنه وترابه الاثير , كما وانه يريد ان يثني السنين التي تريد ان تأخذ مأخذها منه , لكنه المعاند , الصبور , الشجاع , الرافع رأسه دوما امام العتاة والجبارين , انه الملك كما قال حسان بن ثابت ( ولما شربناها ودب دبيبها  ........... كنا ملوكا واسدا لاينهنهنا اللقاء  ). انه الشاعر الشفاف على غرار بودلير المحب للخمرة ( إسكروا بالخمر او بالشعر لافرق .. فها انا أسكر بكليهما) .

مَنْ دخل حانة في منفى قضى على نصف اغترابه  , الخمرة تشذب النفس , ترقق القلوب , ولاتُعرفُ الخمرة الا في ظلال الشعر , الخمرة جعلت من الشاعرغسقا مضاءا أطلّ في  نص(أهوار على الدانوب) مقطوعة وحوش.....


أنا الشفقُ المُضاءُ بِحُمرةِ الزَّهَرِ
نشأتُ مع الوحوشِ الضارياتِ
جميعِها بعرينِها وبنابِها النَّضِرِ !
فأيَّاً مِن أحاديثي الكِثارِ
تُرى اليها سوفَ أختارُ ؟

 

الدانوب هو ذاك النهر الشهير الذي ينبع من المانيا حيث يعيش الشاعر وهو أطول نهر في الاتحاد الاوربي , فيستلهم منه وهو تحت شفقه الوثني , اذ انّ الشاعر تسحره الطبيعة الخلاّبة , فتنطبع في الذاكرة الصورية بعض من الوقائع المهمة التي تستثير قريحته, فيروح يحدّثُ نفسه حول ماهية عيشه في اول نشأته في أفريقيا , كما تقول آخر الروايات عن أصل الانسان ونشأته  , وكيف ترعرع مع الحيوانات , وهناك الكثير مجهول عن الانسان قبل ان يؤرَخ عمرالبشرية.

اما اذا تحدثنا عن الجوانب الادبية والاجتماعية , في هذه الثيمة التي تحوي في طياتها فلسفة اجتماعية وكيف ان الانسان اذا ما انيط له ان يعيش مع الحيوانات , دون محاربتها , لان الذي يحارب الوحوش يتحول الى وحش . لكن الشاعر هنا أراد ان يعطينا التصرف الاساسي للانسان ونشأته مع الوحوش والكواسر والعضايات , وهناك الكثير من البحوث قد تناولت هذا الموضوع الفلسفي الشائك والمثير في حد ذاته . في فيلم جاتسبي العظيم ,الذي يروي عن طفلٍ عاش مع الاسود وفي عرائنها قضي سنين طفولته وصباه , ولم يتعلم اي من اللغات او النطق , سوى حركات الحيوانات وأصواتها , وفي يوم , اخذت به قدماه , ووصل الى شوارع المدن , دون دراية منه , فاستطابت روحه لها وغنت وطربت , وقرر البقاء مع عالمه الاصلي , عالم بني الانسان , لكنه وفي مشهد مثير للشفقة , وجد الناس تسخر منه , ومن شكله الغريب , الغير مألوف , فتتجمهر عليه الناس ,  ويتعرض للضرب والاهانة بعد ان كان مدللا , منعما , محبوبا , ترفا , نزقا , ويلقى الكثير من العناية والحنين مع الوحوش الضارية, مما أدى به أخيرا ان يقرف من بني جلدته و يفر من المجتمع البشري , ويختار العودة الى عالم الوحوش الذي تربى عليه . انها ثيمة تجبرنا ان ندخل في متاهات الفلسفة وعلم الاجتماع . تجبرنا ان نأخذ كأساً ونرفع الانخاب مع الاجداد الميامين , لنزيل أوهامنا وغبار المتاهات العصية على الفهم , تجبرنا أنْ نتجوّل قليلا  في أمصار ( أجدادي) ...

 

أجدادي
يا شعراءَ الخمرةِ الميامين !
هَلمّوا
فقد هيَّأتُ لكم كؤوساً لا تعرف الصحو
وموسيقىً لا تستقرُّ في أعماقٍ

 

اسحاق الموصلي ينشد ويقول:

إمدح الكأس ومَن أعملها......واهجِ قوماً قتلونا بالعطش

إنما الكأس ربيعُّ باكرُ......... فاذا غاب عنا لم نعش

 

الشعراء الاوائل هم بمثابة الاجداد لكل شاعر خمار, هم بمثابة النجم القطبي الذي يستدل عليه كل شاعر سكير , اذا ما ضلّ الطريق وهوماسكُّ يراعه , تائه ُّبين السطور, فاقدُّ شفرة القصيدة التي تتصارع في أعماقه قبل أنْ تخرج الى الوجود , سكرانُّ بزنجبيل العرق , وله الحق ان يعلن انتسابه الى شجرة الشعراء الخمارين , وله الحق ان يكون عنصريا شوفينيا في انتماءه لقبيلة الخمارين , العنصرية الوحيدة التي تحمل الحب لكل الناس على اختلاف أخلاقهم ومشاربهم . فليهيأ تلك الكؤوس الصادحة بصحبة الندماء, تلك الكؤوس التي تتربع دائما على طاولة العظماء والكتاب والعباقرة , والتي تتجلّى مشعشعة في أعياد الميلاد وكل مناسبة جميلة رائقة , تلك الكؤوس التي أنجبت كأسا شهيرا للفنانة المطربة الراحلة ( أسمهان) , والتي كان يقول عنها الصحفي المصري محمد التابعي الملقب بامير الصحافة المصرية ( انّ اسمهان لاتستطيع ان ترى الكاس ملآنا ولاتستطيع ان تراه فارغا وحينما يقدم لها الكاس ملانا تحتسيه مرة واحدة الى اخر قطرة ) , تلك الفنانة التي أطربت الكثيرين . كما وأنّ الشاعر أعدّ لهم اسطوانات الموسيقى , موسيقى الكلاسيك , او موسيقى الجاز والبوب والروك أندرول , الموسيقى هي قانون اخلاقي , كما وانها تعطي روحا للكون وجناحين للعقل وحياة لكل شئ , وهناك من الفنانين الذين أعادوا حضارات الشعوب من خلال الموسيقى  , ومنهم المؤلف الموسيقي الدنماركي  بير نور كورد  الذي ألّف معزوفة( كلكامش) ,  وهناك في أوربا قام (باخ) بالحج , بعد ان قطع مائتي ميل لسماع عازف الاوركن (يوكستنيهودة) ,وهناك مقالة خاصة عن الموسيقى ,تحت عنوان (الحج الى بتهوفن) . الموسيقى حينما نسمعها بتركيز عميق نرجع الى الوراء أعواما وأعوام , الموسيقى التي  طالما أطربتنا  , فجعلت منا نرفض الاوهام والخرافات ونقول ( إليّ بكِ ) مقطوعة (كشف )........

 

 

ها هو صَدري
مسكونٌ بالأدعية
منذُ الأزلِ
كما كَشفَتْ الحَفْريّات
وأسمعُ المُدُنَ والقُرى تُرَدِّدُ :
عَصْرُ الأوهامِ انتهى
لَعَلَّكَ آخِرُ أعلامهِ !
وجاري ؟
جاري المُحاذِرُ
والمُلَفَّعُ بالأسوَد والأبيَضِ هذا
أهوَ بطريركٌ أم بطريق ؟!

 

نص لالبس فيه , ولالف ولادوران , يحمل الكثير , وكيف كان يعيش الانسان في البدء , تحت راية الاساطير والخرافات , اذ لامحل للقوانين والشرائع , حتى جاء دور الدين والكنيسة ثم الاكليروس الذي لعب دورا كبير في نشر الخوف والاوهام بين الناس , ثم جاء الصراع بين العلم والكنيسة والذي أدى الى اسالة الكثير من الدماء في هذا المضمار , حتى ان الكثير من العلماء  ,غاليلو , أرخميدس ,  والفلاسفة امثال ماركس و سبينوزا وغيرهم , والذين ادانهم وحاربهم الاكليروس , وقبلها فترة حرق الحكيمات ( الساحرات )  ومنهنّ جان دارك , وهيباتشيا , اللتان تتمتعان اليوم بمكانة مرموقة , كقديسات بعد ان اعدمن , من قبل الكنيسة بكونهن شيطانات خارجات عن الدين وتعاليم المسيح . ثم ينزاح الشاعر إنزياحية رائعة في الادانة والاستهزاء من هذه الخرافات التي تحكمنا حتى اليوم , وانجبت لنا مجتمعا مريضا , جاهلا , يحتاج الى فترة ليست بالقصيرة كي يستيقظ من نومه , فيقول الشاعر ساخرا ,  ( أهو بطريرك أم بطريرق ) , انها سخرية وادانة واضحة وصريحة لرجالات الدين . وانا ارى ان الشاعر هنا  كان على غرار الشاعر الكبير محمود درويش , عندما أدان المؤسسة الدينية ,  فاستخدم في الادانة , رموز الدين المسيحي , وحينما سألوه لماذا لم  يستخدم في الادانة رموز الدين الاسلامي , فقال , ان الدين المسيحي مطاط , ويمكن لنا أن نقول عنه مانريد دون ان نتعرّض للاذى , عكس الدين الاسلامي الذي ينتج عنه أمور لاتحمَدُ عقباها  . الشاعر سامي قد نأى عن ذلك ايضا , وكان موفقا أيما توفيق , فكانت التفاتة ولمسة ذكيه من قبله , أدت به ان يتعهد العالم  بالخمرة والهجرة , الى فلقة ( لمسة) التي يقول فيها .....


أنأى ,
أتعهَّدُ رأسي بالخمرةِ
والعالَمَ بالهجرةِ ,
أعوي :
لستُ بليداً فأغامرُ ثانيةً بالصحو !

 

من لايشرب معي فلياخذه الطاعون . هذه الفلقة الخمرية الرائعة التي ترتقي بالشاعر فتجعله مصاف الشاعر مظفرالنواب الذي قال ثائرا على كل ظلم العالم ومآسيه...........

 

وبقيتُ أحدقُ في الخمرة وحدي

وغمستُ يدي وبصمتُ على القلب

مادام هناك ليلُّ ذئبُّ , فالخمرةُ مأواي

 

أنه لن يعطي فرصة للصحو ان يدب في بدنه , لأن يرى العالم على حقيقته , عالـَم الباطل , والديماغوجية , والفقر ,( انا كما الاسفنجة/ تمتص الحانات فلاتسكر..)) . أنه لن يسمح لنفسه بالمغامرة الصحوية ,  ليس له عيش بسوى صافي المدام  , بسوى الحب حين يناديه , أو ينادي صوت السلام , ينادي سلواه وبشراه , مع لحن جميل هو  لحن (بشرى) .....

 


يا بُشرى
ها هوَ العمرُ
يُحَنّي شَعري بالشيب !
ومِن دون جميع الأحياء
يرثيني جميعُ الأحياء
يا بُشرى
ها هي هاويتي أخيراً تتنَفَّسُ الصُعَداء !

 

اذن هي بشرى التي يُحبْ ,أو أنها أسما رمزيا أتخذه الشاعر والتي تجسد رغبته في الحياة التي يعيشها الان , بالرغم من ان الشاعر قضى وقتا طويلا من عمره في المانيا , وتنقل مع الكثير من الفتيات , الا أنه يبقى يحن الى ذلك الحب الاول الذي فجر أحاسيسه الدافئة(نقل فؤادك ماشئت من الهوى .. ماالحب الا للحبيب الاول) , الحب الذي جعله عاشقا , جعله يحن الى الوطن و أزقة الطفولة , جعله على حق ,  والعاشق كالوطن , دائما على حق . لواعج الحب ملازمة له لاتنتهي طيلة حياته , طالما ترك هناك في بلده الأم ,أشياءه وأفياءه وظله الذي لازمه ُ في ركن من تلك الاركان , التي ترك فيها الدمى الرقيقة والجميلة , وشمس السطوح التي يفتقر اليها في المانيا , حيث البرد والثلج الدائمين , سيشيخ هناك , سيكون الشَعرُ والشِعرُ رماديان , سيشعرُ بالوحدة التي تتقافز بين حين واخر فتشعل عذابات الروح التي قال عنها في النص الآتي ( عن العذاب) ..

 

 

في الكتابة ...
تحويل العذابِ
الى بسمةٍ
عذابٌ آخر !

 

الكتابة كالسنارة اذا علقت صعب التخلص منها , الكتابة عبارة عن شحن وتفريغ , كلّما إزداد الشاعر بالشحن إزدادت عذاباته, وفي التفريغ ( اثناء كتابة نص) يبتهج الشاعر ويميل الى الراحة التي تتحول بدورها بعد فترة وجيزة الى عذاب بشكل آخر وهكذا دواليك . كلما قلّت معرفة الانسان طال رقاده , وهذا ماتعمل عليه البرجوازية لتخدير الشعوب والسيطرة عليها . ولكي يحتفل الشاعر مع الفقراء وهم يخدروا ألم الوجود برشفة خمر , ويحتفل مع آلهة الخمر ( ديونيسيس) ,  كتب نصا خمريا مذهلا  ......

 

كما قلنا أعلاه , أنّ الخمرة لها الاهمية الكبرى لدى الشاعر وجاءت واضحة في أغلب النصوص ومنها ( الى من يهمه الخمر) , كل مقطوعات النص هي عن الخمرة / اوراق,  الكرخ , شهب , صبر , صحو , مديح/ ثم النصوص الاخرى ,الصالحية, نادل, تداعيات مازوكية, جدوى , تقابل ,  قبسة , ليس عندي ما اخفيه.

أكاد أجزم ان أغلب الشعراء على مر العصور هم من الذين يتعاطون الخمر , لأنها توقد الخيال والابداع  ,تجمع شمل المبعدين , تؤلف المحبة بين المختلفين , تزيل الهموم عن القلوب , تجرّ البخيل الى الجود  , تشجع قلب الجبان , تزيد الطبع اطراباً , تحافظ على صحة البطون  .

الخمر لها أسماء كثيرة /  الرحيق , الكميت , الطلاء , الجريال, المُزّة , الخندريس , الشمول, أم زنبق , الخلّة , العانيّة , الصهباء , الراح وسميت بالراح لأن شاربها يرتاح اذا شربها , او ان الشارب يستطيب لها , او محطة  للاستراحة من الهموم والاحزان . ومنها الشمول , لانها تجمع الشمل , المدام والمدامة , لأنها أديمت في دنها , او ان أصحابها يديمونها . وتأتي الندامة مع الشرب , لأن معاقر الكأس اذا شرب تكلم بما يندم عليه , فسمي بالنديم .

أما ارسطو فقد قال في الخمر( انّ الذي استخرج القوة التي غيرت ماء الكرم , حتى صيرته خمرا , يتولد عنها لشرابها الفرح والسرور , وان احدثت مضرة فانما بسوء تدبير من يستعملها بالخروج عن التقدير) . اما ابو بكر الرازي , فقال ( النبيذ يمد الحرارة الغريزية وينميها وينشرها في جميع اقطار البدن بأوفق وانفذ واسرع واصلح من جميع مايعرف في الاغذية ).

أما عن الشجاعة التي تحدثها الخمرة فانها ادت الى قتل اللغوي المعروف يعقوب ابن السكيت على يد الخليفة المتوكل , حيث كان ابن السكيت يعطي اولاد المتوكل دروسا في اللغة , وفي ذلك الوقت قد نادم المتوكل ابن السكيت اياما , وفي يوم سكرَ المتوكل ونظرَ الى ولديه المنتصر والمعتز , والتفت الى ابن السكيت وقال , ايهما افضل , هذان , ام الحسن والحسين , ابنا فاطمة , فقال ابن السكيت ان عبدهما افضل من هذين ومن امهما , فقتله في الحال .

ومن الشعراء الذين تغزلوا بالخمر وعاقروها  , أمرؤ القيس , طرفة بن العبد , زهير ابن ابي سلمى , حسان بن ثابت, النابغة الجعدي , المهلهل , المتنبي , دعبل الخزاعي , الاخطل , ابو نؤاس , الحسين بن الضحاك , الفرزدق , عروة بن الورد , بشار بن برد , الاحوص بن جعفر , ابة العتاهية , ذو الرمة , جرير , سعدي يوسف , أدونيس  ,الماغوط , مظفر النواب , البياتي , بدر شاكر السياب , بلند الحيدري , احمد مطر , عبد الامير الحصيري , حسين مردان ,  أحمد فؤاد نجم , امل دنقل  , عبد الرحمن الابنودي , وغيرهم .

أهل يثرب والاوس والخزرج شربوا الخمرة , وبنوقريظة , والنظير , وكان أشدهم اشهارا الشاعركعب بن الاشرف .

المتنبي يصف الخمرة  فيقول/ أغارُ على الزجاجة وهي تجري ..... على شفة الامير ابن الحسينِ ِ/كأن بياضها والراحُ فيها .... بياضُ محدقُّ بسواد عين ِ. اما أبو طالب بن عبد المطلب يرثي نديمه الذي وافاه الاجل وهو في رحلة مع اصحابه / كم خليل ٍ وصاحبٍ وابنُ عمٍ ......ونديمٍ قضت عليه المنونُ / رجع القوم سالمين جميعا ... وخليلي في مرمسٍ مدفونُ.

الخمر تجعلنا ان نكون اشتراكيون في تصرفاتنا كما قال محمد سعيد الحبوبي يقول ( اعطني كأسا وخذ كاسا اليك ... فلذيذ العيش ان نشتركا ) .

أما اليوم فأن اكثرمن ثمانين بالمئة من سكان العالم تتعاطى الخمرة كعرف اجتماعي وثقافة , يعني جميع شعوب الارض عدا الشعوب الاسلامية .

لنقرأ اللحون الخمرية المذهلة في نص ( الى من يهمهُ الخمر) .....

أوراق
--------
كان الصِّبا وطناً
رَحْباً كما الشمسِ
واليومَ لي وطنٌ
حدودُهُ كأسي !

 

الكرخ
-------
أنتِ حلمي
أوليسَ الحلمُ من طبعِ السُّلافهْ ؟
أنا كرخيُّ الهوى
ثَمِلٌ حدَّ الرصافهْ !

 


شُهُب
-------
هُويَّتي ,
قَلَقي المُتَسامي تَساميَ اللَّبلاب
قَطَفْتُها قَطْفَ العناقيد ,
قَطْفَ الشُهُبِ النابِضة
وهل هي إلاّ هذا البَلاءُ المُفَدّى ,
هذا النبيذْ ؟!

 

صبر
------
كأسي مِن الوجد تسقي فاكِ بالقُبَلِ
فكيف صبري على الصهباءِ والعَسَلِ !؟

صحو
------
وطني هُمُ أهلوكا
هجروكَ حين صحوتَ من خمر الهوى
لو كنتَ سكراناً لَما هجروكا

 

مديح
--------
هو التعصُّبُ للنبيذ !
بمُختَلَََفِ سُلالاتهِ
وهل أعدُّ أعوامي السكرى
بأصابعي التسعين ؟
كلاّ ...
فلا أنا أُحسِنُ العَدَّ
ولا الآخرُ تستهويهِ
طَلْعَةُ الأرقام !

 

الشاعر يعلن أنه كرخي الهوى والمنتسب,( ياغزال الكرخ والهفي عليك .. كاد سرّي فيك أن ينتهكا.. محمد سعيد الحبوبي ايضا في نفس القصيدة اعلاه )  , لكن امتداد السكرعبرالاثير يأخذه الى الرصافة , فان انتسابه يعني جميع بغداد , يعني كل مديات الوطن الشاسع الذي غادره قسرا ,  وحين تصعد الخمرة في الانساغ , وتشعشعُ في الفؤاد , ويجري احمرارها في الوجه سرورا وابتهاجا, ثم تصبحُ نياشينا , واوراقا ثبوتية ,  وهوية تتسلق في جدران البيوت والشوارع مع اللبلاب الرقيق , وتزهر في العيون ,  فيرى ذلك الوطن الذي كان في صباه فضاءا رحبا واسعا , يسع الجميع , لكنه اليوم يراه ضيقا  , كما حدود الكأس .

آه لويفتح البار مجانا ... لبقيتُ حتى الصبحِ سكرانا ( أيام زمان وحينما كنا طلاّب في الجامعة) .... في رؤيا جميلة من قبل الشاعر, وهي أنه يصرّح بتعصبه الخمري , لا التعصب القومي , ولا التعصب الديني , ولا التعصب الشوفيني , وكل هذه الانواع تؤدي الى المشاحنة واعلان الثأر , والغيض , والحنق , والغضب , والدعوة الى الاقتتال , أنه لايبتاع هذه الانواع مهما كلف الامر, لنا درّك ايها الشاعر , ( التعصب الخمري)  لم يقلها شاعر قبله , طيلة أعوام الصعلكة التي كنا فيها , والسنين الثملة , هربا من عسكرة الثقافة  وجحيم البعثيين , وحتى اليوم , أنه تعصب رمزي , يجعل الشاعر في خانة المتعففين عن مغريات الحياة القذرة , أنه شاعر الترافة والصهباء , الشاعر الذي يتأسف على الوطن المهجور من خماريه , اشارة الى الذين منعوا تناول الخمر اليوم ,وفي بغداد على وجه الخصوص ومافعله رئيس مجلس محافظة بغداد في مداهمته اتحاد الادباء  .

الشاعر يلجأ الى الخمر , وهو في المنافي , ابيا , شامخا  , كي يرثي تلك المهرجانات , التي لاتشير الى الثقافة الصحيحة .. بل تشير الى ( مهرجانت سرية وخطوط ذات صلة) ...

 

 

يا ثلاثينَ ربيعاً (*)
من قَوافٍ ومَشافٍ ومَنافٍ وإباءْ
أنا لم أكتبْكِ كي أُصبحَ عضواً
في اتحاد الأدباءْ !
او لكي يَسألَ عني مهرجانٌ
هو أدعى للرثاءْ

 

 

يجب ان تكون الكتابة بمثابة الفأس التي تكسر بحر الجليد فينا  , وتجعلنا ننأى عن الهدايا التي يقدمها السلطان الطاغي . جان جاك روسو الفيلسوف الشهير, كان فقيرا ,ولايقبل الهدايا من الحكام وحينما مات ,زارقبره نابليون بعد ان صار مزارا لألاف الناس. وقد قال ( يولد الانسان حرا , لكننا محاطون بالاف القيود من كل مكان) وهو اول شخص اعلن النظام الجمهوري في فرنسا ولقد لقب بالقديس العلماني .

المهمة الكبرى لدى الشاعرهي هوية الشعر, ولتذهب المغريات الاخرى أدراج الريح , حيث أتحفنا الشاعر بخصوص ذلك في الشذرة أدناه( قيامة) ...

 

وأنا أسيرُ قيامتي ,
التأريخُ يومَ يرفُّ كالتابوت حولي داعياً
فبأيِّ ميراثٍ سأُقْنِعُهُ
بأني حفنةٌ من تُربةٍ لكنما من أصلِ نايْ
وهويَّتي شِعرٌ إذا ما متُّ تعكسُهُ عيونُ سِوايْ

 

لقد هُزمَ الذين كافحوا في سبيل الحرية ومنهم  أباذروالحلاج ,ابن رشد و القرامطة والزنج , لكنهم بقوا خالدين ليس كما الحكام . بيتهوفن اراد ان يواجه القيصر فمنعه الحراس واهانوه فقال لهم ( قولوا للقيصر, انّ الزمن كل يوم يلد قيصرا يحكم ويذهب الى الشيطان , اما التأريخ فيلد بتهوفن كل الف عام , فالمسألة هي ليست مسألة خلود فقط وانما ان تكون في عمق العالم .

كيف لنا ان نعرف القوة الابداعية للشاعر, وماهي القفزات النوعية التي يتناولها في كل تأويلاته واقتباساته , وكيف يوظف الصورة الشعرية ويجعلها في بهائها والقها , اننا نعرف ذلك من خلال الصعود بالكلمة والمعنى المتأتي منها الى ماجاء على لسان الكبار والعظماء , فهنا الشاعر يلتقي مع القوة الابداعية التنبؤية للشهير الهندي رابندرنات طاغور حين قال(( من انت ايها القارئ الذي سوف يقرؤني بعد مائة عام ). المهم لدى الشاعرهو انه يتحدى الموت , وماذا لو اتى الموت , انه مجرد بغل يمتطيه كي يصل الى الجنة التي يرسمها هو , ولايهم المشوار بعيدا او قريبا , المهم هو الوصول وعدم الخوف من مارد الموت  .

جميعنا موتى على لائحة الانتظار , أغلب الشعراء أرّقتهم فكرة الموت والقيامة , وهل بعد الموت بعث , كما وان الانسان معذبُّ على الدوام , وقد تحدثت الانطولوجيات عن ذلك بالكثير, ولم ياتي احد من الموت ويخبرنا عن كيفية الحياة في العميق , سوى المسيح عندما ايقظ ( اليعازر ) من الموت كما تقول الروايات , ولم نتأكد من صحتها . لكن الشاعر لايموت ابدا , ويبقى اسمه وأعماله  تتردد على الالسنة , الى وقت غير معلوم , مثلما اليوم نحن نقرأ لمبدعين قبل الاف السنين ونحن في أماكن النأي , او في أوطاننا نحن ابناء الشرق المسحور كما في  مقطوعة ( مزامير) ..........

 أيها الوطن ,
يا ابنَ الشرق المسحور ,
أيّها الآمِنُ من الأمان
سأبقى أجازيكَ
ولكن ليس كما جازيتني
فَبعدما طَلَّقْتَ أحلامي ثلاثاً
سأُغَنِّيكَ , أُغَنّي أنهارَكَ ثلاثاً

 

الشاعر يسخر من الوطن في أمنه وأمانه ( أيها الآمن من الامان) , في أيام المقبور صدام كنا نقتل في السجون والاقبية والسراديب سراً وما من منظمة او ناشط في حقوق الانسان  يسأل , واليوم نقتل على الهواء الطلق وعلى أيدي رجالات البعث أيضاً ,  وبالمفخخات وتوزع اشلائنا على الارصفة والطرقات , وما من معين .  أنه الوطن الذي لم يجازي مبدعيه وأبناءه , الجواهري , البياتي , لم يحصلوا من الوطن حتى على مترين من أرض الوطن تضم رفاتهم  , فدفنوا في سوريا . بماذا جاز الوطن سعدي يوسف ومظفر النواب , مظفر الذي قال عن وطنه وكيف جازاه  , بعبارات تثير الاسى والحزن وهو تحت التعذيب في الاهواز (وكان كبير الجلادين / يسألني من أنت؟ خجلتُ أقول له : قاومتُ الاستعمار فشرّدني وطني). التفاتة جميلة من قبل الشاعر الى الوطن الذي لم يجازيه فيقول ( سأبقى أجازيك) , فهو المحب دائما لترابه , المتغزل به , جل كتاباته وأشعاره هي في سبيل الوطن( بلادي وان جارت عليّ عزيزةُّ)  , طلّق أحلامه وكرّس كل حياته الى ترابه وعدم السماع للسفاحين والقتله من النيل منه . لكنّ الشاعر ظلّ طائرا حرا طليقا  , يحلق في سماوات الكون جسدا , وروحه هناك قابعة تشم تراب طفولته وصباه , أنه كتلة من المشاعر تبحث عن الحدود اللامتناهية  في الطباع والتكوين والصيرورة (من طباعكِ يشهق الكمان) مقطوعة( جواز سفر) ..

 

القمرُ عُشْبةٌ تدخلُ المُحاق
وقد نَزَحَ مَن نَزَح
بعيداً بعيداً
لأسألَ حِبالَ عُنُقٍ صاعِدةً :
تُرى أيُّ جوازِ سَفَرٍ
في جيوب العصافير ؟
والى مَتى تظلُّ زعانفُ العصافير
تضربُ السُحُبَ هذهِ !؟

 

 لآنّ الشاعر ابن ذلك الوطن الذي تكثر فيه المخافر الحدودية , بل المخافر بين مدينة واخرى , وكثرة رجالات الامن والبوليس السري المنتشرين في أرجاء الشوارع , فراح يتامل عالما فسيحا بلاحدود كما كان تمناه الارجنتيني الشهيربورخيس الذي قال (امل ان يوجد عالم ذات يوم بلا حدود ومن غير ظلم ) ,  يريد الشاعر انْ يعبر العالم الفسيح كما تعبره الحمائم , ضاربة الغيم بأجنحتها , كما قال ادونيس ( ان وطني هناك , في تلك الغيوم العابرة ) ...الغيوم التي ليست لها حدود , او معالم , او اوصاف ثابتة ,التي يحلم بها الشاعر كي تكون بمثابة بساط الريح , فتحلٌق به الى فضاءات الكون البغدادي , الى  شعاب (الصالحية) ...

 

لو سرتُ في ( الصالحيّةِ ) هذا المساءَ
إذاً لأَطَلَّ الحُصَيريْ
ولم أرَ إلاّهُ كأساً وأُنساً
ولم يرَ غَيري !

 

ادانة صريحة ورائعة لعراق اليوم وخلوّه من الخمّارات , والمسارح وكل ماهو له صلة بالثقافة والتحضر والمدنية , ولذلك راح الشاعريحن الى رمزعبد الاميرالحصيري بكأسه ليتجول في شوارع الوطن متحديا بكل حريته ليعيد امجاد الايام الخوالي , الحصيري صاحب القولة الشهيرة ( فيضي دنان الخمرة فيضي) ) . ان الشاعر سامي يريد ان يقول على غرار سعدي يوسف ( انا الشيوعي الاخير) , وهو يقول ( انا آخر السكارى) مفتخرا , وساخرا ... هذا هو حال الوطن اليوم مثلما وصفه الشاعر , وبالفعل , كما قال لي احد الاصدقاء من السماوة , تستطيع ان تهرّب شاحنات من الرمانات اليدوية , وسيارات من القنابل , ولكنك لاتستطيع تهريب علبة من البيرة , انها الحكومة الدينية المتدنية  . الشاعر يريد ان ينشأ وطنا من السلام  , وطنا يستدرك الاخرين على شاكلاتهم واختلافاتهم , حيث نراه يقول في ثيمة( استدراك آخر) ....

 

وطني ...
كم مرةٍ حاولتُ
أنْ أخلقَ نهريكَ
مِن العشق الذي يستوطنُ الخلدَ
وأنْ أستبقَ الناياتِ بالآخِ وبالآهِ
وطني ...
لكنني أتعبني العشقُ ,

 

محاولة من الشاعر في ان يستبدل صلصال الدم المخلوق منه العراقي العنيف , وكم مرّة كما تقول لنا بطون الكتب على طول التأريخ العراقي , انّ أنهر العراق أصبحت حمراء , من كثرة إراقة الدماء بين العراقيين انفسهم , او على ايدي التتار والمغول وغيرهم من الغزاة , وحتى ساعة كتابة هذا المقال . الوطن الذي اتعب السيّاب قبله  , في شوقه اليه , والذي قال ( صوت تفجر في قرارة نفسي الثكلى ,عراق , عراق , عراق ) ..  وحينما يقول الشاعر سامي ( لكنني أتعبني العشق)  فهو لديه سمة عراقية أختص بها العراقي عن الكثير من بني البشر وهي (شيمةُّ فينا انّ الهوى خبلُ) . فيبدو انّ الشاعر في أشد حزنه وأرقه وشقاءه على الوطن الجريح دائما وأبدا , فأنتج لنا هذه الحوارية ادناه , بينه وبين الساقي في مقطوعة( نادل) ....

 

تأمَّلتُ هذا
فقُلْتُ : ولكنْ أيُطوى شقائي ؟
فقالتْ يدُ النادلِ الواضعِ الكأسَ :
من دونِ كأسٍ ؟
مَعاذَ الشقاءِ , مَعاذا

 

معظم الندماء , هم من محبي الندّل , أو الساقي أو الربيب ( وربيبُّ جاء فينا ساقيا ) , يتخذونهم وسيلة لاطفاء شقاء الليل اذا ما أرخى سدوله , يبوحون لهم مافي الصدور , يكشفون لهم مايؤرق النفس ,  فهو الصديق الحميم , ومحطة استراحة الخمّارين . الروائي الكبير ( همنغواي)  كان يكن الاحترام الى النادل , جرسون الحانة هو كاهن اعتراف السكران, السكران دوما يعترف بهمومه الى ساقيه , فالساقي هو قارئ كف السكارى .

الشاعر بودلير كان معجب بـ ( ادغار الن بو) الشاعر الامريكي شاعرالفقر والتسكع الذي وجد ميتاعلى قارعة الطريق , فكان بودلير في كل مرة يدخل البار يسال النادل وهو حزين ,  ويقول (هل تعرف ادغار الن بو ).....فالشاعر سامي , شاعرالتفاؤل والامل , لكنّ الاسى يأخذه في بحاره بين الفينة والاخرى , وأفضلُ ملجأ لأطفاءهِ هو النبيذ  , كي يستطيع أنْ يسترخي قليلا ويستمحي بالورد , شميم الورد الذي جعله يتحفنا بديوانه الرائع ( أستمحيكِ ورداً ) .. لنرَ مايقول ...

 

 

نص استمحيكِ وردا.... مقطوعة ( بالتفصيل الممل)

 

دربي في الحُبِّ
مُعتلُّ الآخِر
لأنَّ تاء التأنيث ساكنة

 

يقول نيتشة ( انا لاالهث وراء النساء , ولا السعادة , لكن السعادة انثى ) ... والشاعر هنا , ربما اراد ان يوضح ان من أحبه , سواء ان كان أرض الوطن , او كان إمرأة , لاتحركا ساكنا , في مداراة معتلا ً , مضى عليه ربع قرن من الزمن بين المنافي والمشافي وبين مطحنة الحياة اليومية , التي تأخذه الى ( الطريق الى الورشة) .....

 

باكراً أستقلُّ الرصيفَ ...
مَشيتُ أمامي ,
مشيتُ ورائي ,
وصلتُ الى عملي مُنْهَكاً مثْلَ عِلْكْ !

 

الحياة اليوم هي حياة التسارع , كل شئ فيها سريع , وأحيانا يرى المرء نفسه راجعا الى الوراء لكثرة تسارعه في المدينة التي يقطنها , ونتيجة الاغتراب الذي يعلك به بين فكي الرحى , انها حياة المدن التي يكرهها المبدعين أحيانا كما مدينة (شارلفيل) التي كرهها رامبو وحلّت اللعنة به فيها . وفي الوقت نفسه يلتهب المبدع الشاعر حينما يحس ان هناك من الظلم , فيروح يبحث مع الاخرين الى سبيل الخلاص والتنوير والاحتراق , أو يلجأ الى ( عزلة محدثة) .... 1

 

عُلبةُ كبريتٍ أنا
والناسُ عيدانُ ثِقابٍ
مَن يحتكَّ منهُم بي
لا بُدَّ أنْ يحتَرق !

 

 الشاعر يريد القول انا الثوري , انا الشاعر , انا من يوقد الناس , انا الذي تلتف حوله الجماهير , انا الذي يخطب بالناس ويثيرهم على الحماس والبطولة , لكننا بودقة واحدة نشتعل فننير الدرب للاخرين , نموت ليحيا الاخرون . لكن الشاعر يموت ويحيا مع كل قصيدة تولد ( عزلة محدثة).....2

 

كلُّ الناس يعيشونَ يومِيَّاً
ليموتوا غَداً
إلاّ أنا .....
أموتُ يوميّاً
لأَعيشَ غَدا

 

 قال ناظم حكمت الشاعر التركي (أنّ الموتى لايشغلون أناس القرن العشرين لأكثر من سنة ) هذا يعني اننا يجب ان نعيش الحياة . الشاعر يعيش الحياة , ولكن بشكل آخر كما قالها الشاعرسامي هنا , بعد ميلاد كل قصيدة هناك موت , ثم ميلاد جديد وهكذا دواليك ,اضافة الى الكثير من المنغصات والتداعيات التي تجعلنا نصغي جيدا لجروحنا العميقة , لنرَ مافي ( تداعيات مازوكية) .. .....

 

هو الإصغاءُ , كما صَرَّح إبليس
واجتراحُ مَزيدٍ من الجروح
مِن أجل مَزيدٍ من النبيذ !

 

 الانسان هو الضحية ايضا على الدوام , ويقابله الجلاد  , لكن الشاعر هنا في هذا النص , يتخذ من النبيذ , ان يكون ساديا , هذا يعني هناك المزيد من الجروح التي تحتاج الى المزيد من النبيذ , النبيذ هو الملجأ الوحيد للتخلص ولو وقتيا مما يتألم منه الشاعر او الانسان المضطهد , النبيذ , الذي تقول عنه الاساطير بأن ابليس هو الذي زرع نبتة الكروم , ثم صنع النبيذ منها ,  حيث انه حينما زرع  نبتة الكروم, سقاها في البدء دم الطاووس , وحينما اصبحت لها سيقان سقاها دم القرد , ثم حينما اصبحت في طور الزهرة سقاها دم الاسد , وحينما اصبحت زبيبا سقاها دم الخنزير , وهكذا تأخذ الخمرة دورها , في البداية يكون شارب الخمر مثل الطاووس الذي ينفش ريشه متباهيا زاهيا بألوانه , ثم بعد كؤوسٍ اخرى يبدو عليه مثل القرد الذي يريد ان يضحك ويلهو فرحا وطربا , ثم بعد ذلك حينما تدب الخمر في أوصاله واعماقه يستاسد ويكون وحشا قابلا للافتراس في اي لحظة , ثم أخيرا يأخذه التعب والترهل والشعور بالحاجة للنوم , فيلوي رقبته مثلما يفعل الخنزير وقت النوم . برغم كل هذه الخرافات الغبية والسخيفة حول ابليس , نرى الشاعر سامي في النص اعلاه في غاية الروعة والفلسفة والدخول في الميتافيزك والفنتازيا التي لابد ان تأتي مع النصوص بين الحين والاخر كي تضفي عليها مزيدا من الروعة والحنكة والفهم العميق للحياة , واضفاء لمسة من الدراما مع الوصف الخلاّب , كما وأنه يناغي في نصه هذا وبدون دراية منه او دراية , بودلير الذي اصبح مازوكيا وساديا( ضحية وجلاد) في آن واحد حينما شارك في الثورة الفرنسية 1948 ضد زوج امه الجنرال لينتقم منها ,  لنرَ ماقاله بودلير في قصيدته بحق ابليس ( صلاة شيطانية) ...

 

آه إبليس ترحّم بي وبعذاباتي

انت الاب بالتبني لكل من طردهم الله

من جنة الارض ساعة غضبه السوداء

 

فيعود الشاعر مرة اخرى ليطفئ لظى القلب مع كاسات الخمر في نص( على أحرّ من الجمّار) مقطوعة ( تقابل) ..

 

سيلُ مشاهدَ من قلب الحربِ
كاسات الخمر المتتابعةُ كسربِ
فكأني هنا
ودمي منفيٌّ في القطبِ !

 

يتذكر الشاعر مأساة الحرب والقادسية اللعينة التي شارك بها والتي كانت مدعاة لهروبه من الوطن عبر ايران ثم استقراره في المانيا المنفى , فيقول ان روحه هناك وان جسده هنا .. انها مثل حالات الجنود الفيتناميين وكيف كانوا بعد رجوعهم من الحرب وعدم نسيان الماضي اللئيم , وقد كتب عن هذا الخصوص الكثير من الشعراء والروائيين و قد مثلت الى العديد من الافلام  الرائعة واروع من مثّل هذه الافلام ,  جين فوندا ابنة الممثل الشيوعي هنري فوندا .. وهي الممرضة التي تحب جنديا قد قد بترت ساقه في فيتنام , ولاتنفع معه كل الوسائل في سبيل الخلاص من الرؤيا التي تنتابه بين الحين والاخر , رؤيا سيل مشاهد الحرب ووحشيتها , وكأن روحه بقيت معلقة هناك بين سواتر الثكنات العسكرية , وساعده الذي تعوّد على ضغط الزناد , والخوف في كل لحظة من الموت المفاجئ  , وحتى بعد تسريحه من الجيش لأعاقته , بقي مشوها , محطما في كل شئ,  . انها الحالات التي تفضح بني البشر الذي خلق على مر العصور , وهو في الصراع المستمر ودوامة الدمار الذي بات مكشوفا , من خلال الوقائع او من التاريخ المكتوب على اللوائح الطينية , او الورقية , والنسيج القباطي ,  فيصوّر لنا الشاعر ذلك , في نص( ليس عندي ما أخفيه) ...

 

ليس عندي ما أخفيهِ
ما أنا إلاّ فضيحةٌ مُتوارثةٌ
ولن تنفع حوّاءَ او آدم ورقةُ توتٍ
حتى ولا غابةُ توت !

البلاءُ المُفَدّى

 

 الانسان هو راس البلاء وهو مركز الصراع منذ فجر التأريخ والخليقة وحتى اليوم , وازداد الكره والتناحر بين بني البشر بعد انتهاء عصرالمشاعية البدائية , وبعد ان تطورعقل الانسان , وترك الاساطيرالتي كانت تحكمه واصبح يعتمد على الدين وقوانين الكنيسة , ثم التناحر بين العلم والفلاسفة ورجال الدين وكم اريقت من الدماء في هذا الخصوص , أنه تأريخ مريع , ولاينفع آدم لسترعوراته غابات من التوت , كثيرا ما تكلم المعري بهذا الخصوص وادان بني البشر وأدان الاختلاف الديني والقتال بين مؤيدي المآذن ومعتنقي أفكار الناقوس , فكان يقول , يتوجب على بني البشر البكاء من افعالهم المشينة والتي لاتليق بمفهوم الانسانية  فقال ( ضحكنا وكان الضحك منا سفاهةً .... وحق لأبناء البسيطة ان يبكوا) . رامبو في فصل من الجحيم يقول ( ياوالداي لقد دبرتما تعاستي) وكان يكتب على باب الكنيسة ( فليسقط الله).

كالفن البروتستانتي كان يدعي دائما بان الناس جميعا خطاة وهم ورثة ادم في الخطيئة ,ولذلك راح يعاقب الاخرين يأسم الله , ومنهم  ( سرفنتيس )الطبيب الذي لايؤمن بالثالوث فأعتبره خطاءاً فأعدمه . وهناك المزيد من الشواهد على الجرائم في تأريخ البشرية , لأنّ الانسان أبن الذاكرة الضعيفة والنسيان , وحينما يريد ان يحارب الوحوش يتحوّل الى وحش  , وهكذا تستمر دورة القتل , فتنزف الانسانية الكثير من الدماء , مع مزيد من الضياع والفشل والخسران , وكأنّ الحياة فشلُّ دائم  , كما نقرأها في ابراجنا الخفية , أو أبراجنا التي ترتقي بنا الى السماء , لنكون أنبياء المعجزة , مع بقاء الجرح العميق الذي لايندمل , لأنه نزَف الخرافة , او أنه نـُزِفَ منها كما في نص ( برج البراق) .

 

كيومِ الحسابِ
ويومِ القراءةِِ ,
إحسِبْ ,
فأحسبُ كم فُرْصةً كُنتُ ضَيَّعتُ ,
إقرأْ ,
فأقرأُ بُرجي :
سيَخْضَلُّ جُرْحٌ عميقٌ

 

 

الانسان هو النبي وهو الطاغوت وهو الجبار وهو المبدع ,هو جيفارا , هو سبارتكوس , هو شمشون , هو السكير ,  وكل شئ , كما وان الانسان اذا ما اراد ان يرى برجه الحقيقي , لوجد الالم واضحا وعميقا , ولايمكن له الشفاء , ولايستطيع ايقاف نزف الدمار والخسارات , انه عبارة عن نهر جارف من الاوبئة والذي لايمكن الوقوف أمام سيله القادم من الازل ومتجه صوب الابدية ,  فالشاعر يريد القول , ان نصيب البشرية هو هذه الينابيع من الالام , ودماء الرجال الابطال الذين ضحوا كثيرا في هذا الدرب العسير والمشتعل اواره حتى اليوم  .

 

خلاصة بحق الشاعر........

 

قلتُ لأبذل جهدا لرؤية ما لايرى في أسرار سامي العامري , سامي المتشرد من حقبة زمنية للبعث المجرم , تلك الفترة المهوسة بالالغاز , والقتل والتدمير , والاسر والفقدان في الحروب , والنفي , ولكل عراقي قصته وحصته من هذه المآسي , فكانت حصة سامي العامري هي النفي من دون معين في أراضي الكون الواسعة , الضيقة في نفس الوقت على  المنفي المتألم أيما الم وحرقة , وفي عالم ترتعد فيه الفرائص المتعلقة بالمثل والاخلاق , عالم الحرب الباردة بين الدولتين العظميين , حتى انتهاء احدهما , وطيلة هذه الفترة راح الشاعر سامي , في رحلة تنقيب عن المعنى الوجودي , وعن جبروت الكائن , والحضور والغياب لكل ماهو متفاعل مع نفسه , أو مع الاخرين , فهو ابن المجتمع الذي غادره وبقيت جذوره هناك معلقة تصرخ به  للعودة .

سامي العامري ينظر للحياة من خلال قصائده بموشوره الكلاسيكي والحداثي , الا انه لايدخل في مجال الحداثة المطلقة ( من الضروري ان نكون محدثين بصورة مطلقة , أو ممنوع المنع..... رامبو) , الحداثة الماضية في كنس الماضي والتراث وتكسح جميع ماخلقه الاجداد , الحداثة هي الحرية, هي مسك المعاول لتحطيم التقاليد والتراث اللذان يشكلان العبودية الخانقة,  الحداثة التي تكلّمت عنها الكثير من المدارس ومنها الدادائية وأحد أعضاءها البارزين( تزارا) . الشاعر سامي , يمتلك من الحرية الكثير , لكنهُ راح ينام على وسادة التفعيلة , بكونها تحمل في طياتها الماضي والحاضر , وكان مبدعا فيها أيما إبداع ,  دائم الغطس في أعماق اللجة الكونية , فينتج نصوصا غاية في التواشج المتصل مع هموم الكائن البشري , نصوص تتسم برغبتها الجامحة للكشف عن المستور, وثأرها من الطغاة والمستبدين , نصوص إنغمست في الروح الثقافية لدى الشاعر وتطلعاته لأن تكون نصلا حاداً من الكلمات ضد كل من تجبّر علينا في تلك الحقبة التي لم تتخذ غير الجلادين والعشيرة والقرابة سندا لها , والاخرون هم العبيد الاذلاء .

سامي العامري يرمي من خلال شعره الى الاحاطة بالفضاءات والمديات الرحبة التي تتسارع فيها وتعمل وتتطور, وتنمو وتتضائل , الحيوات والشعوب . سامي شاعريلجأ للخمرة كتعويض للسأم , ولايقلقه ذلك , يقول أدونيس عن الشاعر النؤاسي (شاعر الخطيئة ,لأنه شاعر الحرية , فحيث تنغلق أبواب الحرية, تصبح  الخطيئة مقدسة , فالخطيئة بالنسبة اليه , في اطار الحياة التي كان يحياها ضرورة كيانية , لأنها رمز الحرية , رمز الخلاص والتمرد ) . سامي العامري شاعر واقف كالأشجار , يؤمن بالحب الجديد  , يكره الخرافات , ملامح هويته الشعرية بارزة جدا وتختلف عن الاخرين , بعيد عن الاسفاف والتدني الى المستويات العادية , جميع اعماله عبارة عن مروج فسيحة , شاعر متفاؤل على غرار الكاتب البرتغالي الكبير ساماراغو  , عندما وقع من يده كوب الماء , حين ذكروا له اسم امريكا ووقاحتها , فقال حمدا لله أنه كوب ماء , وليس كوب القهوة الساخن , فقال له الكاتب , لعمري أن هذا غاية في التفاؤل.

سامي العامري بالدمع ِ إفترق عن الأم والوطن  , وبالدمع إلتقى , أنه من الشعراء الذين لم يعيشوا من اجل الخبز والمنصب , انما هو شاعر أفكار , يصطدم بالوجود والفلسفة والاخلاق , يتعذّب لكي يجد مغزى للحياة , أنه يصعد الى مدار الابدية . المعركة الكبرى لديه هي كيف يخلق عالما بدون سيطرة وإكراه , كيف يخلق عالما بلاحدود كما يقول ( ادوارد سعيد ) .

 

 

 

 

هاتف بشبوش


التعليقات

الاسم: صباح محسن جاسم
التاريخ: 2012-03-14 18:12:31
" تيوبوركنا " الشفيف .. دفء كلماتك يعبر كل جليد جبالنا المتراكم كما قبعات صبايا غنجاوات بملابس نصف شفافة ... ما يحزنني ان حوريات الجنة الموعودة والموعودين بهن محجبات على الآخر !
سلاما لورقة التوت التي اغلّفت باب بغداد وتركتنانختنق بتعبيراتنا اللاهثة عن كل ذلك الجمال الذي لا يستوعبه جهلة الطغاة.
"العصرية" لا يزال يشهد له بالملائكية !
بالغ اعتزازي

الاسم: هاتف بشبوش
التاريخ: 2012-03-13 20:38:28
الكبير الكبير صباح محسن جاسم .. مرة اخرى أشم الرحيق الطيب , اتذوق طعم الابداع الحقيقي , والمس مرايا اليساري المتعب من حقبة زمنية تكاد تشكل مجمل حياته الحزينة بشكل عام والمفرحة في بعض محطاتها , تلك المحطات التي تضم سمت الكؤوس المليئة بالصهباء والراح , صدقني ايها الصديق وانا اقرأ كلماتك في الليل الدنماركي عبر الاثير الداخل في الشاشة الالكترونية , رحت ارفع نخب سعادتي مع سطورك هذه وانا ارتشف من البيرة الدنماركية اللذيذة ( تيوبورك) , فاحسست بأن الكثير من الطيبين اليساريين من امثال الكبير صباح قد حضروا معي الان وفي هذه اللحظة التي لاتنسى والمدونة في بطيني قلبينا مادمنا أحياء ....حبي لك وللشاعر الصديق والشفيف والمحب والمتغزل بالراح سامي العامري .. اتمنى ان يجمعنا يوم في ارض العراق , مع كؤوس لامعةتنشد خلاصنا من الجهل والجاهلين.....

صديقك
هاتف بشبوش

الاسم: صباح محسن جاسم
التاريخ: 2012-03-13 03:46:33
ايها الشارب من رحيق العامري سامي ..لله درّك ! لقد صببت جل صهبائك في هذه البانوراما الرائعة ..
انت تؤسس الى كتابة اثيرية لا تمل ! قد اسكرتنا بوعي . ليتهم يتعلمون منك الدروس .. لا بل يكفي مقدمة درسك الأول.
شكرا لأنك لحقت وما فاتك طعم هذه الكأس.
بمحبة لهاتف الجميل
الثابت




5000