هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


حه وش طه ورا حلــــم وذكريات

ولي شريف حسين الوندي

عندما تسكنني الاحزان وتجتاحني الأشجان وتغمرني الدموع فأقوم بشد الرحال الى ذكريات طفولتي ومرتع صباي "كوردره" . الرحيل الى ذلك الوطن   الملتهب بالعواطف والمدجج بالحنين فتثور حينئذ مشاعري وأهاجم طوق الصمت الرهيب فأمزج الدموع بالبسمة الأزليه التي أكتسبتها من نهر الوند  الخالد ,فأعود حينذاك الى ضعفي وأشجاني واضطرابي لأبحث بين أطلال أزقة "كوردرة" العتيقه فألقى آلاف الصور التي تحكي عن ذكرياتي فأحن الى تلكم الأيام وتثور ثائرتي لأكتب فيها أجمل كلماتي واروع أشعاري وأستمد منها كل قواي رغم مرارتها وشقاءها .. فجميل أن أستشهد بكلمات الشاعر الكبير " أحمد رامي " :
ذكريات
عبرت افق خيالي
بارقا يلمع في جنح الليالي
نبهت قلبي من غفوته
وجلت لي ذكرى ايامي الخوالي
كيف انساها وقلبي
لم يزل يذكر جنبي
انها قصة حبي ......

في مديننا" خانقين" رموز وذكريات , شوق وحنين , آهات وأنين , حب وسعادة , قصص ومفارقات تمتد عبر آلاف السنين تطرزها بسمات الوند وضحكات الأطفال , وننسج منها بساط مخملي يقينا حر الصيف وبرد الشتاء ويجعلنا نعيش في ربيع دائم تطرزها العلاقات الأجتماعية الحميمة التي تربطنا ببعضنا والتي ننفرد بها نحن الخانقينيون , أنها ليست مبالغة أو الغوص في عالم النسيان والغرق في الأحلام .
مدينة خانقين واحدة من بين المدن الكردستانية العراقية العريقه , ذات حضارة زاخرة بالأصالة والأبداع. نتيجة للعلاقات الحميمه التي تجمع أبناءها والتي جعلت تعلقهم بالأرض اقوى واعمق وابعد .
فمن الميزات التي تنفرد بها مدينتنا خانقين هي تجمع اكثر من عائلة واحده تحت سقف واحد في الحياة الطبيعيه , ربما كانت للأسباب ألأقتصادية شأن ودور كبيرفي ذلك ,أو ربما تعلق الأسر ببعضها تكون هي أسباب أخرى , دون أدنى شك أن تلك التجمعات علمتنا آداب الكلام وأطراف الحديث , وحق القول هنا " المجالس مدارس " لأننا تعلمنا البراءة والحكمة والشفافية في العلاقات وعلمتنا التعاون ونكران الذات , وحب العمل الجماعي والتعاون في السراء والضراء , فتراهم بسعفون الآخرين في الأفراح والأحزان . أنها كانت بحق مدارس تعلمنا فيها أبجدية الحياة ومعانيها العميقة .
كان الأخلاص عنوانا بارزا لكل مفردات حياتنا , والمودة تشكل كل تفاصيلها . كانت الصبايا والشباب والنساء والرجال لاتجمعهم غير المحبة الصادقة والألفة الحميمة ولايشغل بال أحد منا صعوبة الحياة وتعقيداتها , فكان كل شيء يسير وفق أمور طبيعية , فيتصبحون جميعا بأشعة الشمس القرمزية الرائعه ويرقدون تحت ضياء القمر السرمدي السحري وتراودهم الأحلام الوردية الملونة بألوان القوس قزح .
كان هناك في خانقين خصوصا في الأحياء الشعبية القديمة منها : كمحلة (كوردره) (وجلوة) في الصوب الصغير وتيل خانه وباشا كوبري والحميديه والجامع والتي كانت معظم بيوتها من الطين وسقوف من الحصران والقصب والتي كانت تميزها عن البيوت الحديثة المبنية من الطابوق او البلوك بالدفء صيفا وشتاءا . رغم انعدام وسائل التكييف الحديثة وغيرها , فكان الناس يعيشون عيشة هانئة مطمئنة مقتنعين بما يكسبون . ناسين كل تعقيدات الحياة ومشاكلها في منعطفات الزمن الغابر .. نعم , كانت هناك ألتزامات أخلاقية وأجتماعية رصينة تربط الأفراد والعوائل ببعضها , فكان الصغير يحترم الكبير والكبير يعطف على الصغير ويوجهه نحو الخير والصلاح .
فكانت العوائل ترتقي السطوح للنوم في ليالي الصيف فكانت الصبايا يقمن برش السطح أبتداء من العصر لتفقد حرارته في المساء , وبعد ذلك كانت قرب الماء الخزفيه تملأ و توضع على سياج الأسطح ليبردها نسيمات الوند العليلة معطرة بشذى القداح يزينها رونق الأقحوان وهامات النخيل الباسقة .
ثم يبدأ الرحيل الى نوم هادىء عميق على سمفونية الوند الأزليه , أنها سمفونية الخلود , نحن ابناء( كوردره ) , كنا ننتشي ونبتهج حتى على نقيق الضفادع المنتشرة على جرف النهر في ليالي الصيف الرائعه , لم يكن هناك من يشخر نتيجة للتعب , لأن كل شيء كان يجري وفق قانون الطبيعه الذي كان لايظلم أحدا , لم يكن هناك من يفكر بألأختلاس أو الكذب أو الأرتقاء على أكتاف الآخرين , لم يكن للفساد موضع قدم .كانت هموم الجميع تصب في قالب واحد ومجرى واحد وهو كيف نقدم خدمة للصديق والجار والمعارف ,
كان هناك في كل محلة أو حي في خانقين بيت كبير أو ربما أكثر من بيت , يحوي عدد كبير من الغرف ولكن الحمام والمطبخ أو المرافق الصحيه كانت تبقى واحده ومشتركه كأي بيت آخر .فتعود أسباب بنائها الى كون اصحابها أثرياء آنذاك أو ربما بنيت لأسباب سياحية أو أقتصادية , لكون مدينة خانقين كانت تنعم بموقع تجاري أستراتيجي لوقوعها على طريق خراسان وتوافد الكثير من التجار والسواح أليها في كل المواسم .
فكان هناك في محلة عبدالله بيك وبالذات في نهاية "كوردرة" دارا ملاصقا " لبستان النقيب" وكان هذا الدار يسمى عند العامه ب ( حه وش كه ورا) أي البيت الكبير فكانت مساحة البيت تتعدى ال ( 2 كم مربع ) ويحتوي على أكثر من ( 16 )غرفه متلاصقة مع بعضها على شكل زاويه , فكانت اشجار النخيل ترسل بضلالها الوارفة على العوائل الساكنه خصوصا في فصل الصيف عند نضج الثمار والتمور , في شهر آب تبدأ بعض التمور الناضجه تتساقط نتيجة مساس الطيور لها ويقوم الأطفال المنتشرين في باحة الدار والذين كانوا ينتظرون بفارغ الصبر كي يلتقطوها ويتناولونها بلذة كبيرة وكأنها هدايا مرسله أليهم من السماء , جميل هنا ان أذكر بأنه كانت للدار مساحة مزروعة بأنواع الأشجار كالحمضيات والزيتون والتوت( التكي) وكانت تسمى ب (الباغجه ) أي البستان الصغير , ولاننسى بأنه كانت تنتشر في أرجاء الدار أيضا أشجارا مختلفة , فكان مرتعا رائعا للأطفال ومتنزها بديعا للعوائل الساكنه .
كانت هناك نخلة في الزاوية اليمنى من الدار "تسمى عند سكنة الدار وأهل المحلة ب " نخلة أمام رضا" وكانت ثمارها توزع على اهل الدار والعوائل الأخرى للتبرك ,هنا لابد من الأشارة الى أن الناس كانت تتمسك بمعتقدات وتقاليد بعيدا عن المذهبية والطائفية , ومن الجدير أن أذكر بأن كانت هناك بيننا وفي نفس الحي وأحيانا في نفس البيت عوائل من أديان أخرى كا لصابئه واليهود , تسودهم علاقات المودة والتعاون وأحترام الرأي الآخر .
أما في عصريات الصيف فكانت تتجمع النسوة ويعدن الفواكه والكرزات والشاي بالسماور ويتوسط الجالسين الرجال الغابرين في القدم ويسردون الحكايات الرائعه من وحي الخيال أو نقل تجاربهم الغنية بالدروس والعبر , وكانت تتسلل الى آذاننا وتنطبع في مخيلتنا لنتصفحها يوما بعد يوم . اما الأطفال فيملأون البيت ضحكا وبكاء تارة , والعدو أو اللعب تارة أخرى, أما التجمع المسائي فكان أروع واجمل لأن الأطفال يرقدون الى النوم نتيجة تعب النهار ويخيم السكون ويختلط بصمت الليل والنسمات تداعب وجوه الجالسين وتبدأ الحزورات للتسلية أوسرد الحكايات الجميله , انها كانت أشبه بالأساطير , كان هذا مهرجان يومي وكرنفال حب رائع , أما موسم جني التمور الذي كان يبدأ عادة بعد الأسبوع الأول من شهر تشرين الأول , حيث الجو الخريفي والسماء بين ممطر وغائم , فكانت مجاميع النساء والصبايا يذهبن لجني التمور في البساتين المنتشرة في ارجاء الحي وعلى جانبي نهر الوند من طرف عبدالله بيك وجلوه . وهذا كرنفال يومي تبدأ مراسيمه من الساعات الأولى في الصباح الباكر وتنتهي في ساعة متأخرة من العصر قبيل الغروب , فيرجعن النسوة محملات بالرمان والبرتقال والليمون وكمية من التموركحصة يومية أو أحيانا كأجر يومي وكانت معظم النساء يجمعن الكميات التي يحصلن عليها يوميا لفترة الجني التي كانت تطول أكثر الأحيان لمدة تقارب الأسبوعين , ليصنعن الدبس أو الخل الطبيعي اللذيذ , فيقمن بوضع قدور كبيرة على نار الحطب في باحة البيت الكبير , أما الدبس فكان يعد للشتاء حيث يضاف اليه الراشي ليصبح فطورا شهيا , أو أكلة شعبيه يتم تناوله في العصريات مع خبز التنور الحار . أما العوائل التي كانت تسكن البيت الكبير الذي هو في متناول الذكر منهم : بيت سليمان بوستجي وهو صاحب الدار وسكنت من بعد رحيله ابناؤه واحفاده : جليل واسماعيل ونوري وعبدالله ومحمود الذي تكنى بأسم أمه "شاهناز" , وكان صغير الحجم , قصير القامه ونحيف البنيه , ولكنه كان رجلا بمنتهى الشهامة والشجاعة وكان يتحدى السلطة والشرطة آنذاك , كان أنسانا مبدئيا محبا لقوميته الكردية وألتحق بقوات البيشمركه منذ الستينات ,تم محاصرته مرات عديده من قبل الشرطه والأمن ولكن أفلت منهم بأعجوبة بالغة . ومن العوائل الأخرى التي سكنت الدار بيت عزيز جهانه واحمد شاه فقير ومحمود دو فروش وابراهيم أسماعيل الخياط حفيد سليمان بوستجي ولقب بعد ذلك بين أصدقاءه ب أبراهيم ( حه وش كه ورا) نسبة للدار الكبير ولاننسى داوود جوامير والملا أنور وخالو رديف وخالو شهاب الصياد وخالو بنجلي الفلاح الذي بقى أعزبا , كان محتفظا بلياقته ويصعد النخيل حتى أواخر ايام حياته وهو في السبعين وكان يعشق البستان حتى وفاته وفي ايام عجزه كان يبيع الرمان في البيت .
أما البيت الكبير في الصوب الصغير (جلوة) وهو مطل على نهر الوند , أما الفسحة الموجودة بينه وبين النهر كانت مزروعة بالنخيل , والبيت عبارة عن بناية شامخة تتميز عن باقي الدور مساحة وطرازا . ومن الداخل كان البيت مقسم الى قسمين , كل قسم يحتوي على تقريبا (20) غرفة مختلفة الأحجام والأشكال ,لم تبنى بشكل هندسي أقتصادي حديث ,ربما كان هناك هدف وراء بناء تلك الغرف وبتلك الأشكال , ويقال ان البيت كان بمثابة دار أستراحة للوافدين والزائرين من التجار ورجال الأعمال . بعد ذلك سكنت الدار عدة عوائل وكل عائلة كانت تؤجر غرفة واحدة فهي لمختلف الأستخدامات وتجمع بين النوم والأستراحة والطبخ والغسل والأستحمام لأن مثلما أسلفت ان البت يحوي على مرافق صحية واحده .ولم توجد مطبخ أو حمام خاص ,لذلك كانت سكنة الدار من الطبقة الفقيرة طبعا , ولكن لو تصورنا الموقف وتحمع عدة عوائل تحت سقف واحد وتواجد جمع كبير من الصبية والشباب ومن مختلف الأعمار وتجري كل الأمور على مايرام والجميع يعيشون كاخوة وكعائلة واحده ,انها منتهى البراءة وقمة الأخلاق والتمسك بالعادات والتقاليد الأجتماعية .
من أوائل الذين سكنوا الدار هو (الملا شلال) واحفاده وكانوا من عشيرة الباجلان الكردية الأصيله , ثم بيت عباس غزال ومحمد دلاك الذي تهدم عليهم سقف الغرفة التي كانوا يسكنونها ثم بيت كامل ميكائيل ف بيت آمان على خان وغيرهم . نعم أيها ألأخوة أبناء جلوة وأخوتهم في عبدالله بيك ومزرعه والحميديه وباشا كوبري والمحطه وتيل خانه وكهريز والأركوازي وتوله فروش ويوسف بيك وعلي مراي ومردان وقله يهودي وسائر أبناء خانقين , أهل بالوفاء والمحبة والأخلاص وأصحاب مبادىء أنسانية عريقة . أنهم جميعا أشبه بعائلة واحده عنوانهم المحبة ورسالتهم الوفاء وهدفهم التعاون .

ولي شريف حسين الوندي


التعليقات




5000