هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


عجائب قصة أول ركضة ماراثون في التأريخ الحديث

علي الحسناوي

يُمكن إعتبار مسابقة ركضة الماراثون واحدة من المستجدات الحديثة في عالم رياضة الأركاض الطويلة حيث لا يكاد يتجاوز عمر هذه الفعّالية الرياضية اكثر من المائة وعشرة أعوام.
وكانت الولادة الحقيقية والفعلية لها (على الاقل من الناحية النظرية والإستذكارية) خلال مؤتمر السلام الذي عُقد في باريس في عام 1894 حيث جاء المقترح الأول, والأشمل, بخصوص هذه المسابقة من قِبـَل البارون الفرنسي (بير دي كورتين) والذي أقترح في حينها إعادة تفعيل الألعاب الأولمبية كما كانت عليه في السابق وذلك من خلال تنظيم أول أولمبياد لهذه الألعاب في العاصمة اليونانية أثينا عام 1896 والتي كانت بحق المهد الأول لهذه الألعاب.
وشدّد البارون (بير دي كورتين) على ان تكون الألعاب المقصودة قريبة جدا من تلك الممارسات الطبيعة والكيفية التي كانت تُجرى فيها في السابق مع مراعاة عدم التحديث والتجديد في اصولها وقواعدها وكذلك القوانين التي كانت تحكمها. بعد ذلك طرح الفرنسي الآخر (ميشيل بريل) وهو من أعلام التأريخ الرياضي الفرنسي مقترحا جديدا والمتعلق بإعادة الحياة إلى ركضة الماراثون بمسافتها ذات الكيلومترات الاربعين وذلك من اجل تخليد اسم المحارب اليوناني البطل حامل البشارة (فيديبيديس) والذي كان أول من حَمَل بشرى الإنتصار اليوناني التأريخي على الجيوش الفارسية ليَعْدو بها وحيدا من قرية (ماراثون) والتي كانت مسرحا للقتال ضد هذه الجيوش الى العاصمة اليونانية أثينا في العام 490 قبل الميلاد وتحديدا الى الملعب الجماهيري (باناثينايكو).
من هنا جاءت الفكرة لتتحول الى حقيقة أختَتَمتْ بها الألعاب الأولمبية الأولى عرسها الرياضي الأول في العام 1896.
ويمكن لنا بعد ذلك من ان ننطلق بالحديث عن الأركاض الطويلة الى مكان آخر وبعيدا عن السحر الأغريقي الذي شدّ اليه الأنظار للالاف من السنين.
عَرَفت الأركاض الطويلة بلدا آخر لا يبعد في جغرافيته كثيرا عن موطن الجندي (فيديبيديس) الا وهي ايطاليا حيث تم هناك تنظيم اول سباق للأركاض الطويلة لركض مسافتيّ 25 و 50 كيلومترا وذلك حتى قبل ان يكن فيها للمحارب اليوناني أي تأثير او تقليد.
ومن الشموس الايطالية التي سطعت فوق جبال اليونان كان العدّاء الشاب (كارلو اريولدي) والذي تمكن في العام 1894 من قطع مسافة الخمسة وعشرون كيلومترا بساعة واحدة وسبعة وثلاثون دقيقة هذا إضافة الى إنتصاراته الفذة في ركض مسافة الخمسون كيلومترا.
كان الشاب الأيطالي الطموح (كارلو) قد بلغ السابعة والعشرين حينما كانت شعلة الأولمبياد تقترب من موسم الأشتعال والتألقحيث كان كارلو قد أعدّ العدة وجاهد طويلا من أجل الفوز بركضة الماراثون. ولم تكن لدى كارلو اية فكرة من انه الأيطالي الوحيد الذي عاش حلم الأولمبياد خلال فترة الإستعداد وذلك بعد ان تبيّن له فيما بعد من ان ايطاليا قد الغت مشاركتها الرسمية في هذا الاولمبياد بالذات. ولكن هل كان على كارلو ان ينتظر سنوات اخرى؟
ولم يُفكر كارلو طويلا حتى وَجَد نفسه يَعدو وحيدا بإتجاه الحلم الأيطالي الوحيد النائم في احضان الآلهة الأغريقية في اثينا. فلم يكن كارلو يملك حصانا او مالا او زاد حيث عاش على حلم اليونان طويلا.
وفي الثامن والعشرون من شهر شباط إنطلق كارلو حاملا حلمه وروحه وشرف ايطاليا كلها قاطعا مسافةالألف والثلاثمئة والاربعين كيلومترا عدوا على الأقدام وهي المسافة التي تفصله عن اثينا. فمن مدينة فيرونا الجميلة مرورا بفينيسيا العائمة وتريستا العالية وصل كارلو الى بالمونوفا الخضراء والتي تسمى الآن (البوسنة) وذلك بعد مرور اسبوع واحد فقط على إنطلاقته الأولى.
ولم يكن أمام كارلو الآن إلا ثلاثمائة وتسعون كيلومترا ليرتقي جبال ميلانو ويطلّ على سواحلها الجميلة.
وبعد ثلاثة عشر يوما من الجَري الطويل والراحة القصيرة وبعد ان إلتهمت اقدامه سبعمائة وتسعة وعشرون كيلومترا حَطّ كارلو الرحال في دوبروفنيك المدينة الكرواتية القابعة على الساحل الكرواتي الأبيض حيث وقف كارلو هناك عاجزا لاول مرة وهو ينظر الى البحر الذي يخبأ أثينا الحلم وراء سواحله على الطرف الآخر.
ومرة أخرى يقف كارلو امام الإمتحان الصعب ومرة اخرى وجد كارلو نفسه يعمل بكل همة ونشاط على ظهر احدى المراكب المغادرة نحو (كورفو) الجزيرة اليونانية التي يلعب على سواحلها الموج القادم من ايطاليا وهي الرحلة التي اكلت من عمر كارلو خمسة ايام أخرى. وبعد ان وطأت اقدام كارلو اليابسة اليونانية إنطلق مرة اخرى نحو اثينا عبر باتراي ( باتراس ) مرورا بكورنيت وهو يجري بكل ما أوتي من قوة وصبر وتحمّل نحو الامل الذي صار اقرب اليه الآن من قبل.
وفي الواحد والثلاثين من آذار كان كارلو يطوف حول معبد (هيركوليس) في العاصمة اليونانية اثينا حيث كانت الناس لازالت تتحدث عن ركضة الماراثون الاولمبية والتي ستنطلق بعد عشرة ايام من وصول كارلو الى اثينا.
وخلال هذه الليالي العشرة حَمَل كارلو الشرف الايطالي عشرة مرات في عشرة احلام لم يتحقق ولا واحد منها وذلك بعد ان ذبح كارلو حلمه بيديه عندما تحدّث مزهوا عن ركضته العجيبة الطويلة والتي اعطت المنظميّن إنطباعا واحدا مفاده ان كارلو الذي قطع كل هذه المسافة بوديانها وجبالها لا بد وان يكون شخصا يحمل في ثناياه طاقة تفوق مستوى البشر وهو بذلك يكون قد تجاوز على الأهداف التنافسية النبيلة من وراء هذا الأولمبياد الذي يهدف اساسا إلى احتواء الهواة اولا
وبذلك فإنه لا يمكن تصنيف كارلو على إنه متسابق غير محترف للاركاض الطويلة.
وفي الوقت الذي لم يتواجد فيه هناك أي إداري ايطالي يمكن ان يهرع اليه كارلو حتى يعينه على محنته لذلك ضاعت توسلاته بين أعمدة المعابد ليتبدد الحلم الايطالي ويختنق مع صرخات كارلو التي لم ينتبه اليها احد وهنا وفي هذا الوقت بالذات يضع كارلو حدا لحكايته وطموحاته الفردية.
أما حكاية ركضة الماراثون فلم تبتدأ بعد حتى تنتهي.
وعلى النقيض تماما من قصة كارلو الذي وصل اثينا مبكّرا جدا نجد في حكاية الوفد الأميركي الكثير من التناقض وذلك بعد ان إعتمدت اللجنة المنظمة للأولمبياد التقويم الأغريقي لإنطلاقة المونديال في حين إعتمد الوفد الأمريكي حسابات أخرى.
وبذلك حطّ الوفد الاميركي رحاله في رحاب أثينا قبل عشرة دقائق فقط من إنطلاقة الألعاب الأولمبية. وعلى الرغم من الرحلة البحرية الطويلة والتي أستمرت لعدة أسابيع والتي أدت أيضا الى إستحالة الإعداد للمشاركة فإنه وعلى الرغم من ذلك فقد تمكّن الوفد الأميركي من تقديم أفضل عطاء ليحصد مجموعة طيبة من الميداليات.
وكان الشعب اليوناني قد راهن طويلا على إعادة المجد الماراثوني من جديد وتمنوا ان يتحقق لهم ذلك على يد أحد العدّائين اليونانيين وذلك بعد ان كانوا يتطلّعون بحسرة الى الشعوب الأخرى وهي تحصد الميدالية تلو الأخرى من حقلهم المكلل بالغار وهم لا حول لهم ولا قوة إلا في إنتظار الماراثون.
وفي آذار من العام نفسه إنطلقت أول ركضة ماراثون تجريبية على مستوى التصفيات وعلى نفس الدرب الأولمبي القديم وذلك بمشاركة إثناعشر عدّاءا إصطفوا على خط البداية لتنتظرهم كل أثينا عند النهاية الاخرى وهي تحمل الحلم اليوناني وأكاليل الغار التي توّجت بها رأس العداء اليوناني هاريلاوس فاسيلاكوس والذي قطع المسافة بأول زمن رسمي مُعتَمد وهو ثلاث ساعات وثمانية عشر دقيقة في أول دخول يوناني الى النهائيات.
وبعد سلسلة من الأركاض التجريبية والتصفيات تمكّن ستة وعشرون متسابقا من تأهيل أنفسهم الى اول نهائي في ركضة الماراثون.
وفي الساعة الثانية تماما من بعد ظهر يوم العاشر من أبريل كان هناك ستة وعشرون متسابقا أولمبيا يصارعون الزمن من أجل الوصول الى بوابة التأريخ التي لم تكن تتسع إلا لواحد منهم.
وبين هؤلاء كان هناك متسابقا تمكن من ان يتسلل الى موقع خط البداية ليندَس بين المتسابقين والذي لم يكن يحمل رقم التعريف على ظهر ملابسه. فهل يمكن ان يكون هذا كارلو وهو يُريد ان يوقظ الحلم الأيطالي من جديد. كثيرون ممن عرفوا بقصته إعتقدوا ذلك ايضا.

وبعد ان بدأت موجة العدائّين البشرية تقترب فرادى او جماعات تبيّن للمنظمين حقيقة الأنوثة التي كانت تشّع من هذا العدّاء الغريب والتي تمكنت من قطع المسافة بأربع ساعات وثلاثون ثانية. ولم يَعتمد أحد رقم ميلوبينا وهو الأسم الحقيقي للمرأة العدّاءة كونها لم تشترك رسميا في السباق وعلى الرغم من ذلك يبقى اسم ميلوبينا محفورا بتأريخ الأولمبياد كأول إمرأة تقتحم هذا الميدان.
وفي الوقت الذي كانت هناك فيه فقط مسافة خمسة عشر كيلومترا تفصل أول العدائين عن نهاية السباق كان الفرنسي ليميسيكس يتقدم بقية المتسابقين بمسافة ثلاثة كيلومترات.
وبعد ثلاثة وعشرون كيلومترا سقط المتسابق الأميركي مغشيا عليه بسبب شدة الحرارة وتغيرات مستوى الرطوبة. وكان المتسابقون الاميركان مندهشين من روعة التجربة حتى انهم قرّروا ان يعملوا على تنظيم ماراثون مشابه يسمى بأسم النادي الرياضي بوسطن واللذين ينتمون اليه جميعا.
ويعتبر الآن ماراثون بوسطن واحدا من أقدم سباقات الماراثون ان لم يكن أقدمها جميعا.
وبعد ثلاثون كيلومترا إضطّر المتسابق الفرنسي للإنسحاب بعد ان إرتطم به مدربه بالدراجة الهوائية التي كان يقودها.
وبعد مداواته وتشجيعه عادة مرة اخرى ولكن كان قد فاته الكثير بعد ان تخطاه الأسترالي فالك الذي لم يتمكن هو الآخر من تحمّل درجة حرارة الجو اليوناني في تلك الأشهر من السنة.
وبعد ان لم يتبقى إلا ثمانية كيلومترات على نهاية السباق كان اليوناني الشاب سبيريدون لويس يتخطى المتسابقين واحدا تلو الآخر بكل خفة ورشاقة. ولم يكن هذا اليوناني الصغير قد تدرّب مطلقا او إستعد لهذا السباق ولكن كل الشكر يعود الى طبيعة عمله التي كانت تجبره على المسير لمسافة خمسون كيلومترا يوميا وراء حماره الذي كان ينقل بواسطته الماء بين الأحياء المنتشرة حول أثينا والتي أعطته هذا التحمل البدني وطبيعة التكيّف مع درجات الحرارة المرتفعة ليكون بذلك أول يوناني يفوز بنهائي أول ماراثون في أول أولمبياد وليُعيد بذلك مجد المحارب (فيديبيديس) بكل روعته ومكانته السابقة ليدخل به التأريخ من جديد علما ان هذا المتسابق كان قد قضّى كل اليوم الذي سبق موعد السباق بالصلاة والصيام.
ومن الغرائب هنا والتي لا يمكن ان تتطابق والحقائق العلمية عن علوم التغذية هي السبب الذي دفع بهذا الفائز الى الصيام والتي كشف هو عنها فيما بعد وذلك من خلال فهمه الفطري الى أهمية ان يأكل كثيرا قبل موعد السباق .
وفعلا كان هذا الشاب الصغير قد إلتهم دجاجة كاملة قبل قليل من إنطلاقة السباق بعد ان كان قد غسلها بالنبيذ الأحمر.
وحاول الشعب اليوناني من إعتراض وحمل (لويس) قبل وصوله الى نهاية السباق ولكن تدخّل الشرطة حال دون ذلك وهو نفس الأمر الذي جعل من ستين ألف يوناني يقفون على أقدامهم لينحنوا بعد ذلك تحية لليوناني الصغير الذي قطع مسافة السباق بساعتين وثمان وخمسون دقيقة وخمسون ثانية.
ولم يوافق الشعب اليوناني في حينها على ان يكون أكليل الغار هو الجائزة الوحيدة التي يمكن ان يحصل عليها (لويس) فكان ان أراحوه ا لفترة من العمل مقابل الحصول على الطعام والملبس وكافة الخدمات الاخرى مجانا حتى وصل الأمر بأحد التجار الى منحه مليون دراخما مع عرضه عليه الزواج بإبنته.
إلا ان (لويس) كان سعيدا مع زوجته الأولى وقانعا بعمله والذي بفضله وصل الى ما هو عليه الآن فما كان منه إلا ان رفض كافة العروض التي حاولت مكافئته.
وهنا فقط تدخّل الملك جورج شخصيا ليُقنع (لويس) بأن يطلب ما يشاء. فما كان من لويس إلا ان طلب عربة جديدة وحصانا قويا لكي يعيناه على عمله اولا ولكي يتمكن من خدمة الناس على أكمل وجه.
وذكِّر عسى ان تنفع الذكرى.

علي الحسناوي


التعليقات




5000