..... 
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
زكي رضا
…..
 Ø­Ø³ÙŠÙ† الفنهراوي
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
  
.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


حوار مع الشاعر العراقي زاهر الجيزاني

هادي الحسيني

   

حوار مع الشاعر العراقي زاهر الجيزاني 

الشاعر زاهر الجيزاني 

كنت معلم (التورية) اخبئ الصرخات في طين مفخور. 

الميزة دائما يصنعها شعراء قلائل وربما يصنعها شاعر واحد . 

بعد كل قصيدة جديدة أشعر بأختفاء القلق مؤقتا ، وتعود ثقتي بنفسي من جديد .

حوار/ هادي الحسيني

المقدمة:

يعدّ الشاعر العراقي زاهر الجيزاني من شعراء العراق المجددين بالقصيدة الحديثة وهو أحد أعلامها البارزين على مدى أكثر من ثلاثة عقود من الزمان،   تتمتع قصيدته بالقدرة على الاستحواذ على قارئها بعد أن تترك آثارها الايجابية في روح المتلقي، فهي تشد القاريء منذ بدايتها الأولى لتدخله في مطبات  فنية عميقة الأمر الذي يجعل  القاريء  ينصاع الى عوالمها المتشابكة التي يحيط بها الألم من جهة وتطفو على سطحها انسانية الشاعر العالية التي يعيش الشعر من أجلها، فقد عانى الجيزاني وزملاؤه في بداياتهم الأولى من تهميش السلطات الثقافية، لكنه تمكن من التغلب على هذا التهميش من   خلال نصوصه ذات القيمة الفنية العالية ليثبت حضوره اللافت للنظر منذ أواخر عقد السبعينات الماضي وحتى اليوم . فالشعر العراقي كان دائماً  السبّاق في رفد حركات التجديد والحداثة بشعراء من نوع خاص، فمن الشعرية العراقية انطلقت دعوات الحداثة الأولى وأول من تمرد على بحور الفراهيدي هم شعراء العراق، فكانت الريادة الأولى للسياب ونازك والبياتي وبلند الحيدري وغيرهم ومن ثم جاء الستينيون ليشكلوا منعطفاً جديداً. بعدهم جاء السبعينيون ليؤشروا أماكن الخلل داخل القصيدة الحديثة في ظل أحداث العراق السبعينية التي اتسمت بالحراك السياسي والنشاط الثقافي الذي كان الأكثر شموخاً ليؤسسوا لقصيدة جديدة تساير حركات التجديد الشعري في العالم، حيث الساحة الثقافية مفتوحة تماماً للرواد والستينيين ومن ثم الشباب السبعيني آنذاك الذي كان يمثله نخبة من شعراء العراق ومنهم كان الشاعر زاهر الجيزاني الذي يكتب قصيدته بمواصفات فنية عالية، قصيدته تمردت على السائد والمألوف لتنطلق في فضاءات رحبة، فضاءات جديدة مهدت للتجريب في الشعر العراقي والذي يعدّ المختبر الأول للشعر العربي . الجيزاني شاعر من طراز خاص نذر عمره وهمومه للشعر بإخلاص وتفانٍ الأمر الذي أصبح علامة بارزة في الشعرية العراقية والعربية حتى خروج نصوصه الى العالمية عبر ترجمات قدمتها العديد من الانطلوجيات الشعرية هنا وهناك. لقد تمكن الجيزاني في بداياته الأولى من أن يلفت الانظار اليه وهو شاب يافع عندما اشترك في مهرجان شعري كان يترأسه الشاعر الكبير مصطفى جمال الدين، فحين بعث بقصيدته التي كان قد كتبها كتجربة أولى لشاب في بدايته يريد أن يضع خطوته في  المشوار الشعري، فما كان من مصطفى جمال الدين إلا أن اثنى على هذا الشاعر الشاب، ليشترك في ذلك المهرجان مع نخبة كبيرة من شعراء العراق المعروفين آنذاك ليحصل على لقب شاعر المهرجان. كانت تلك القصيدة عمودية حيث البدايات الأولى، ومنذ منتصف سبعينيات القرن الماضي يبرز الجيزاني كواحد من شعراء الحداثة  الذين بشروا لقصيدة النثر مع نخبة من جيله الذي أصبح علامة بارزة في الشعرية العراقية، فثمة خزعل الماجدي وكمال سبتي وشاكر لعيبي وهاشم شفيق وسلام كاظم وآخرون، ممن صمدوا بوجه تيارات السلطة الثقافية التي كانت تحارب قصيدتهم، لكنهم ظلوا ينظّرون لها ويكتبونها حتى أصبحت أمراً واقعاً فرضته الذائقة الثقافية. غادر الشاعر زاهر الجيزاني بغداد بعد أن تمرد على الوضع السياسي والثقافي المزري الذي كان يعيشه العراق في ظل حروب لم تتوقف ومآس عانى منها الشعب العراقي بشكل عام والمثقف بشكل خاص، وبعد خروجه من العراق في بداية التسعينات من القرن الماضي ظل في منفاه يواصل مسيرته الابداعية ويكتشف عوالم جديدة في القصيدة، لكنه يصدم بعد عام 2003 حين عاد للعراق الذي كان يأمل أن يكون عراقاً جديداً بمعنى الكلمة، كانت صدمته بمنزلة خيبة أمل كبيرة، فالشاعر دائماً هو انسان يحاول أن يمسك باغصان الحرية التي سلبت في وطنه لعقود من الزمان وما ان جاءت حتى تحولت الى طائفية ومحاصصة مقيتة، الأمر الذي خيب أمل الشاعر في العودة من جديد الى وطنه الأم، وعن  تجربته الشعرية والمنفى والوطن كان معه هذا الحوار ..                                                                                           

منعطف جديد

*سنوات السبعينات في العراق كانت الأكثر نشاطاً وفاعلية على المستويين الثقافي والسياسي والصراع كان على أشده ما بين قوى اليسار واليمين، وكان المشهد الشعري العربي برمته بالكاد قد تقبل فكرة القصيدة الحرة، كيف استطاع زاهر الجيزاني مع نخبة من الشعراء الشباب آنذاك أن ينقلبوا على الذائقة الشعرية ويؤسسوا لكتابة شعرية مغايرة؟ وما هي التأثيرات الشعرية على بداياتكم؟ 

- السبعينات في العراق- (لحظة الغروب الأخيرة) للحريات الشخصية تلك اللحظة تمتد من 1964-1979-ازدهر فيها الفن والأدب والثقافة وفيها روح اجتماعية عراقية ناضجة - جيل الستينات- الشعراء  وجهوا نقداً لاذعاً لحركة التجديد الأولى ودعوا الى عدم التوقف عند تجارب السياب ونازك والبياتي وبلند وماتركه الستينيون باستثناء (عبدالقادر الجنابي) من تجديد لا يتعدى البيانات الصاخبة والخطابات الثورية التي تحرض على التجديد والحث على تجاوز الشكل التفعيلي، لكنهم عملياً التزموا  بشكل القصيدة التي فرضها الرواد فنياً. بقي الستينيون تقليديين ضمن شكل القصيدة الذي خطه السياب في نهاية الأربعينات، لكن أفكارهم وبياناتهم بشرت بالحداثة وحثت على التجاوز، وبذلك مهدوا للهزة الشعرية الثانية ووجد السبعينيون بيئة صالحة للانتقال الى قصيدة النثر كشكل شعري مختلف عن شكل القصيدة السيابية على يد مجموعة صغيرة كسرت الحاجز الاعلامي، ثم استقبلت الصحف والمجلات العراقية والصالونات الأدبية هذا النمط من الشعر . لن أتكلم عن المحاولات الفردية لجيلنا من بدأ أولاً- أشير هنا الى التيار السائد أي التجربة عندما تنضج ويتسع تأثيرها. البدايات تساعد الباحثين زمنياً ولا تساعدهم ابداعياً. أيضاً زمنياً  ظهرت لي قصيدة عام1977 عنوانها (مرثية الى ابراهيم) في مجلة آفاق عربية بمساعدة الشاعر بلند الحيدري الذي عمل في تلك الفترة مسؤولاً عن القسم الثقافي في المجلة، وبالرغم من أن بلند لايعرفني ولم التقيه وكنت مستغرباً من الجرأة على نشرها . لم تكن قصيدة نثر بالكامل ولا موزونة بالكامل كانت خليطاً من الوزن والنثر، ربما تندرج اليوم ضمن لائحة النص المفتوح، قبلها كتبت قصيدة تفعيلة على بحر الطويل . هاتان محاولتان تعكسان مدى ضيقي المبكر بقصيدة التفعيلة كهدف أساس للتعبير عن رؤيتي لنفسي وخارجها، برغم أني أكتب بين فترة وفترة أخرى قصائد تفعيلة قصيرة امتداداً لقصائد (نواويس ) التي نشرت في بواكير السبعينات، محاولة تقديم الحكمة بغلالة من الغناء الشجي تكاد تكون مكتوبة لنفسي وصل عددها الى أكثرمن مائة قصيدة قصيرة الى جانب شغلي الأساس على قصيدة النثر- جيل السبعينات الشعري  زمنياً ظهر عام 1978 في المهرجان الشعري للشباب ثم كرس كظاهرة جديدة. تأريخياً أنا لم أشارك في ملف مجلة الكلمة (جيل مابعد الستينات) عام1974 لا في البيان الداعي لقصيدة يومية ولا حتى في نشر قصيدة فيها، اذ كنت آنذاك في النمسا- جيل السبعينات توطد خطه التجديدي في منتصف الثمانينات بعد أن استقبلت الصحف والمجلات العراقية قصائد شعرائه النثرية وطبعاً كلامي هنا عن العراق في تلك الفترة- عن بيئة شعرية محددة وليس عن قصيدة نثر مكتوبة ومتداولة في بيروت والقاهرة ودمشق والرباط منذ أوائل الستينات بالتوازي مع اختفاء لحظة الحرية الغاربة وتبدل الخريطة السياسية نحو تحول الدولة الى عقار يملكه فرد أو عائلة أو حزب، كانت بيدي آنذاك قصيدة نثر وفي أواخر الثمانينات كنت معلم (التورية) اخبئ الصرخات في طين مفخور . الشيوعيون منذ الخمسينات وقفوا مع كل موجات التجديد وساندوا حركات التحديث في الفن والأدب عكس البعثيين الذين رأوا في قصيدة النثر مؤامرة صهيونية.  مع جيلنا في الأقل وقف عدد قليل من الأدباء المخضرمين الى جانب تجربتنا الجديدة آنذاك، وفي مقدمتهم الناقد باسم عبد الحميد حمودي عندما كان رئيس تحرير مجلة الأقلام في بداية الثمانينات، والقاص خضير عبد الأمير رئيس تحرير مجلة الطليعة الأدبية في نهاية الثمانينات، لكن الأساس في كل ذلك أن السبعينيين كانوا مؤهلين ابداعياً. أنا هنا معني بالحديث عن الانتقالة من قصيدة التفعيلة السائدة في الخمسينات والستينات الى قصيدة النثر التي أصبحت سائدة منذ أن اختارت مجموعة صغيرة من شعراء السبعينات هذه الانتقالة ولست في معرض الانتقاص من انجازات أصدقائي الذين رفضوا آنذاك التحول الى قصيدة النثر- ولست في معرض تقييم الأشكال الشعرية لكن أن تنتقل من شكل شعري الى شكل شعري آخر يعني أنك رسمت لنفسك منعطفاً جديداً، لذلك جيل السبعينات الشعري في العراق تأريخياً أنجز هذه الانعطافة أي الانتقال الى قصيدة النثر، ولعب جيل الثمانينات الدور الأساس في تحويل هذه الانتقالة الى أمر واقع وأغنائها بانجاز شعري يشكل اليوم علامة فارقة، فجيل الثمانينات هو اللاعب الرئيسي اليوم في المشهد الشعري الحديث في العراق، أما انجازنا نحن فهو مرهون بالحركة النقدية والزمن.

حركة الشعر مجموعات...

* هل تقصد ان النمو الطبيعي لحركة الشعر العراقي تأتي من تطور العنصر التقني؟

- أكدت في جوابي على الامتداد الزمني سياسياً عندما قلت أن هناك فسحة من الحرية في لحظتها الأخيرة الغاربة شغلت مايقرب أربع عشرة  سنة، لم تكن تلك فترة اصلاحات سياسية  كانت في حقيقة الأمر( هدنة سياسية)، وأشرت أيضاً الى الامتداد الأدبي والفني، ومن زاوية الشعر تحدثت عن الخمسينات والستينات والسبعينات والثمانينات، هذا في الاطار الافتراضي اما في المنظور العملي يبدو خط الشعر لا يجري ( منساباً) (ممتداً) (متواصلاً مع بعضه البعض)، حركة الشعر في العراق عبارة عن مجموعات تظهر (متدفقة) (تنبثق انبثاقاً) موجة تسود وتؤثر وتطغى ثم تهوي فتنبثق مجموعة أخرى جديدة، وهذه الظاهرة تقليد حر في السياسة في العراق. السياسة في العراق تتكون من مجموعة أحزاب مسلحة عندما تظهر مجموعة وتسود تبيد المجموعة السابقة وتخفيها وتعلن نفسها مصدراً وأباً ومنبعاً للمستقبل الآتي، ثم تطيح بها مجموعة حزبية أخرى وتعيد قراءة الاعلان نفسه وهكذا . كان على النقد الأدبي مثلاً أن يكشف عن عناصر التواصل والامتداد والنمو الطبيعي لتاريخ الحركة الشعرية في العراق وعموم حركة الأدب  ليوقف مسلسل الفوضى اليوم من خلال البحث عن(العنصر التقني) في القصيدة. القصيدة الحديثة ماعادت قصيدة فطرية انفعالية بسيطة حد السذاجة- قصيدة توريات تستعمل المعرفة على نطاق واسع وتطور العنصر التقني في الشعر من شاعر الى شاعر آخر ومن فترة زمنية الى فترة أخرى يوصلنا الى النمو الطبيعي لحركة الشعر في العراق منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم ..

* ثمة بُنية، ثمة بِنية، في المشهد الشعري لديك أو فلنقل في القصيدة عندك، والبُنية هو البناء من الداخل الى الخارج، فيما البـِنية هو البناء من الخارج الى الداخل أي ثمة علاقة بنيوية داخل القصيدة وخارجها لديك، مثلما هناك تدارك زمني ومكاني فيهما...هل حدد منظورك الشعري هذه العلاقة بنائياً، منوطاً بالمشهد الشعري العراقي؟

 - الشعر العربي كله القديم والجديد ( شعر رثاء) مهما أخفى الشاعر العربي فجيعته بالبيئة التي يعيشها وابتكر أشكالاً وأساليب جديدة وطور رؤيته المعاصرة، لكن هذا الرثاء انتقل من الحنين والأنين أي من العاطفة البسيطة الى رثاء مركب أسهمت الثقافة بكل عمقها واتساعها في تحويله الى مرآة كبيرة تظهر عليها تفاصيلنا الشنيعة سميته أنت - البنية بضم الباء والبنية بكسر الباء وأسميه أنا ( القصيدة التي تأكل العالم ) وتترك في أحشائها أسوأ مافيه غير مهضوم، ونقول ياالله كنا نتحرك في كل هذه الفجائع ولاندري، شكراً للقصيدة البارعة. ولأضرب مثلاً  في قصيدتي (أراضي دانيال) التي نشرت عام1989 في جريدة القادسية، أذكر أن رئيس التحرير شطب على دانيال بحجة أنه - نبي يهودي -  وظهرت القصيدة بعنوان (أراض) في هذه القصيدة أكثر من 16 وثيقة خارجية تأريخية ويومية وسياسية وشخصية، هذه هي البنية الخارجية التي امتزجت في نشاطي النفسي الداخلي الذي يعمل على توزيع هذه الوقائع وبثها في صور شعرية وحوار داخلي واشارات رمزية (البناء الداخلي). منذ البدايات الباكرة شعرت أن المكان الذي أتحرك فيه سواء في بغداد أو في العالم العربي والاسلامي ساحة حرب، بين الأسياد والعبيد، بين الأقوياء والضعفاء، بين الأغنياء والفقراء، بين الحكومة والشعب، بين الحزبي واللاحزبي، بين رجل الدين والمثقف المعاصر، وبين المرأة والرجل، حرب تسحق العظام ولا مفر لي وعليّ أن أشتبك مع اللصوص حتى الرمق الأخير في سلاح وحيد، لكنه فتاك اذا استعمل بمهارة(بتقنية عالية) وأعني به (القصيدة) التمثيل الرمزي على انتصاري والدليل الدامغ على هزيمتي في أرض الواقع- في قصيدتي ( المكان العاقل مهدد بكتب التنجيم) نشرت عام 2005 تبدأ هكذا:

"لم يفز الا بحزنه

وهو الخاسر حتى في فوزه"

نعود الى قصيدة (أراضي دانيال) تبدأ بحكاية عن نصير الدين الطوسي الذي حمل مبخرته واصطرلابه في آخر الليل لينقذ سجيناً من الشنق. وتنتهي الى تحشيد الكثير من التفاصيل حول دانيال، ودانيال في القصيدة شخص من أرمينيا يعمل حامل أختام والي بغداد، ولا علاقة له بدانيال التوراة - وفي النهاية يمنحه الوالي أراضي شاسعة باسمه تمتد من الصويرة الى الكوت - هذه هي التفاصيل الشنيعة التي تركتها القصيدة في أحشائها غير مهضومة لتصعق القارئ كم كان الواقع الذي عشناه أقرب الى ساحة حرب لا رحمة فيها- هذه التقنية الوحيدة التي أجيدها، أي  القصيدة تتألف( من انتقاء بعض الوقائع والأحداث الخارجية ونسجها  بنشاطي النفسي أثناء الكتابة متحركاً نحو الموضوع الذي أقع تحت سلطته في تلك اللحظة)..

كود شخصيّ

* المبنى اللغوي هو قوة تفاعلية في جسد القصيدة بل في حيواتها أي المفردة والجملة والمقطع الشعري حيث شحن المبنى بالمعنى عند زمكانية القصيدة، هل يتآتى ذلك من تجربتك الشعرية بتفرد؟

<!--[if !supportLists]-->-    <!--[endif]--> هذا السؤال متصل  بالسؤال السابق (قاموس كاتب النص)، عندما أقول هذه جملتي أنا وحدي وليست جملة الآخر معناه أن هذه القطعة من الكتابة تحمل (الكود الشخصي)، تحمل الوحدة الجينية المعرفية الفردية التي توجه الذات والبصيرة معاً نحو كلمات محددة وموضوع محدد. وهذا يعني ثمة عملية تبادلية بين اللغة والذات لا أعرف الطريقة الخاصة التي نسجت فيها ذاتي داخل لغة البيت والشارع والمدرسة، لكني أعرف الآن الطريقة التي أختار فيها كلماتي وجملي وسعيي الى قصيدة مصممة في ذهني سلفاً .. في طفولتي كان الكلام السائد في البيت - كلام الأب  وللأب كلماته وللأم كلماتها وللشارع كلماته والمدرسة والناس- وكان ذلك الكلام يرسل في سياقات لغوية محددة وفي بيئة شعبية تفهم هذه السياقات وتتداول  في كلمات دالة- والطفل يلتقط من زاويته الأصوات والكلمات والجمل في مستوياتها المختلفة وتتحدد لديه الشخصيات تبعاً للغتها- مستويات الكلام تتكرر باطراد فيبدو هذا الكلام لا جديد فيه  في الجمل والسياقات، ثمة عنصر لا أعرفه أسميته الكود اللغوي الشخصي الذي ينتقي كلمات يبني بها جملته فتصبح جملة خاصة ثم لغة خاصة و سنعرف هذا الشاعر من لغته- أنا أشعر لدي كود شخصي في قصائدي - كثير من الأصدقاء والقراء قالوا ذلك . آثار الكود وظلاله تظهر في الشعر على نحو طاغ وتتوارى هذه الآثار والظلال في الكلام اليومي والكتابات التعليمية والخطابات الموجهة- أول مرة وفي بداياتي الشعرية 1970  أحسست بهذا الكود عندما أرسلت قصيدة عمودية بالبريد الى اللجنة المشرفة على ( مهرجان الشعر في العراق ) برئاسة الشاعر مصطفى جمال الدين لغرض المشاركة، ووصلتني رسالة من مصطفى جمال الدين يرحب بمشاركتي ويشيد بقصيدتي،  والمفاجأة قرأت القصيدة أمام شعراء محترفين آنذاك- تقريباً أغلب شعراء العراق حضروا وشاركوا في ذلك المهرجان، ثم أعلن في الختام أن قصيدتي - قصيدة المهرجان وأنا شاعر المهرجان بقصيدة واحدة عرفني الجميع وأصبحت عضواً في اتحاد الأدباء كان ذلك عام 1972. وانا حينها بعد لم أنشر ولم يصدر لي كتاب - منذ تلك اللحظة ترسخت فكرة الكود الشخصي في داخلي- التي رافقتني في تحولاتي الشعرية من شكل الى شكل( ماهو كودي الشخصي؟) في اختيار مفرداتي وجملي لاأعرف، لكنه يظهرموجهاً لنشاطي النفسي أثناء كتابة القصيدة وهو موجود لدى كل شاعر أنه يشبه أصوات عدد كبير من المغنين وهم يغنون أغنية واحدة لكن لكل مغن  صوته المختلف عن الآخر- وثمة صوت بينهم يستولي على القلوب..

نواة القصيدة

* هل تهبط وتصعد الصورة الشعرية لديك في رئة القصيدة حيث تتنفس القصيدة خلال عملية تصاعدية ، حيث ميكانيزم عنصران يمسكان بالصورة الشعرية، كيف ترى ذلك عند ولادة القصيدة  ؟

- عام 1996 كتبت مقالة طويلة عن عبد الوهاب البياتي ظهرت في كتاب أردت القول أن شعر البياتي يصعد فيه منسوب الحداثة أكثر من منسوب الشعر، في حين تطغى الشعرية عند السياب وتقل الحداثة، وضربت مثلاً بقصيدتيهما (السوق القديم) للسياب وسوق القرية للبياتي، وشرحت وجهة نظري عن الصورة الشعرية من خلال الجملة الصغيرة والجملة الكبيرة، واليوم أضيف لهما النواة أو القفل، فالصورة الشعرية قد تصنعها كلمة واحدة في جملة طويلة عندئذ ستصبح هذه الكلمة هي النواة الخالقة للصورة، انظر الى هذه الصورة الشعرية في جملة حسب الشيخ جعفر(أنا عنقود ثقيل يحن الى مدية) كلمة( مدية) هي التي صنعت الصورة الباهرة لذلك كي نعثر على الصورة الشعرية يجب أن نعثر على النواة أو في الشعر العمودي (القفل) انظر الى هذا المقطع لأبي تمام :

وماأنت الا السيف لاقى ضريبة

فقطعها ثم انثنى فتقطعا 

والقفل الذي ولد الصورة يكمن في الجملة الصغيرة - انثنى فتقطعا- هذه الفكرة تصح كثيراً على قصائد التفعيلة والعمودي، وربما نحتاج الى بحث أوسع عن الطريقة التي تتألف فيها صور قصائد النثر، تلك القصائد التي تستعمل السرد كتقنية أساسية في بنائها - تلعب الأفكار دوراً هاماً في بناء شفرة النص  كهذا المقطع لهنري ميشو(مجنون يقود زورق) أو جملة وديع سعادة (أنظر الى نظرتي وقد امتصها الاسفلت)، أو جملة زعيم نصار(نظرت الى السماء فشتمت نفسي)، وتجد أمثلة كثيرة لدى شعراء عراقيين مهمين أمثال أحمد عبد الحسين ومحمد مظلوم وسلام سرحان ووسام هاشم وباسم المرعبي وجمال جمعة ورعد فاضل وطالب عبد العزيز ومحمد تركي وسعد جاسم ونصيف الناصري وخالد جابر وشريف شعلان، يستطيع القارئ المدقق أن يرى عملية الخلق - خلق الصور في وسط السياقات اللغوية، ما اذا كانت بفعل نواة لغوية (كلمة - جملة) أو بفعل فكرة جديدة ..

*   أين في رأيك تكمن جودة القصيدة في نواة اللغة أم بفعل الفكرة الجديدة للشاعر كما تقول؟ واذا اجتمعت نواة اللغة والفكرة الجديدة معاً هل سنحصل على قصيدة ذات مواصفات عالية؟

    - في رأيي القصيدة المؤثرة اليوم تحتاج الى هذين العنصرين  الفكرة الجديدة  ونواة لغوية جديدة مادام المعيار النقدي يقول -القصيدة كلام يختلف عن الكلام مثلما يختلف الكلام عن اللغة.

سياق جديد

  * هل البناء التكنيكي في القصيدة الحديثة هو تطور معقد وصعب بالنسبة الى التطور العام الذي حدث في حركة الشعر وخاصة الترميزي منه ؟

    سأفترض أن تقنيتي الأساسية الفارقة في قصيدتي هي المهارة في التوزيع- توزيع منظومة الوقائع- الوقائع التأريخية والسياسية واليومية والشخصية والدينية والمرأة والمدينة والطبيعة داخل نسيج القصيدة، وهي قطعة لغوية محدودة الحجم - فتصبح القصيدة عالماً رمزياً مملوءاً بعدد كبير من التأويلات المتفاوتة والمتناقضة أحياناً من خلال مهارة توزيع تلك العناصر المنقولة من سياقاتها الأصلية أو من بيئتها الخارجية الى سياقات شخصية داخلية ودفعها لتقول شيئاً جديداً تبعاً للسياق الجديد، اذن كتابة القصيدة ليست مهمة ولا صعبة، المهم والصعب أن تتحقق من وجود تقنية محكمة في القصيدة من خلالها نقول قد أنجز شعر جيد ومؤثر- في قصيدتي ( شاحنة البطيخ) أنتقي مشهدين من مذكرات (المس بيل) عن المقهى القريبة من سراي الحكومة حيث يتجمع فيها وجهاء بغداد قبل أن يتوجهوا الى بيت المس بيل- حين تدعوهم للتداول في تشكيل حكومة مؤقتة كان ذلك عام 1919- في القصيدة تحولت المقهى الى مكان للوشاية والمسجد القريب الى مكان للراحة، حمام ومغاسل للعاملين في السوق- السياق الجديد سياق القصيدة أعطى تلك الوقائع دلالة جديدة، حتى عندما أستعير المشهد الثاني في صالونها يحتشد عدد من الزعماء السياسيين العراقيين يستمعون الى قطعة موسيقية على البيانو وعلى مقربة منها يقف طالب النقيب وبيده كأس البراندي- القصيدة تكبر صورة كأس البراندي بيد زعيم سياسي كان مرشحاً محتملاً لزعامة البلاد- في التناظر مع زعيم آخر عبد الرحمن السويدي يمسك بيده السبحة السوداء- المرور الضوئي السريع للزمن ينقلنا من 1919 الى 2009 بعد  تسعين سنة نرى ما فعله صاحب السبحة السوداء في العراق المريض والمنبوذ والفقير- الأغلبية من العراقيين اليوم يفضلون كأس البراندي على المسبحة السوداء التي حولتهم الى عبيد وفقراء ومرضى، وحولت مدنهم الى أطلال. عندما تكتمل القصيدة نهائياً وأنفصل عن أجوائها أشعر بالانتصار أنا المهزوم دائماً في ساحة الواقع . أشعر بعد كل قصيدة جديدة بإختفاء القلق مؤقتاً- وتعود ثقتي بنفسي من جديد ..

*     ألا تعتقد ان مهمة الشاعر اصبحت صعبة ومعقدة في هذه الحقبة الزمنية التي يعيشها العراق تحديداً في ظل تلك الأجواء السياسية المحملة بالطائفية والمحاصصة، وان فعل الشعر بات هامشياً في ظل سيطرة المؤسسة الدينية وأحزابها التي تفرض سيطرتها التامة على القرار السياسي، خاصة وان المجتمع العراقي اليوم ينحدر نحو الامية وثمة الكثير من الشباب لا يقرأون ولا يكتبون؟ 

  -   في العالم العربي والاسلامي، الأحزاب المعارضة للحكومات لديها نفس مواصفات الحكومة المستبدة التي تحتكر الرأي وتنهب ثروة البلد وتحول الجيش الى ميليشيا تحرسها وحدها-- الاحزاب المعارضة تعمل الشيء نفسه حين تتسلم السلطة، والعراق مثال واضح على ذلك، تبدو مهمة الشاعر أكثر صعوبة اليوم وهو لسان الناس الذين خسروا حريتهم وحقوقهم في هذا الثبات المحير للاستبداد في المنطقة.

الشاعر أكثر من غيره–يواجه الحاكم ويواجه رجل الدين هذا ما تقوله الوقائع يومياً-في العراق-الزهاوي الرصافي الجواهري-السياب البياتي-  منذ العشرينات وقف الزهاوي بوجه المعمم المخادع -قائلاً له (البواخر تسير بالبخار لا بالبخاري) ووصف الرصافي الحكومة العراقية أية حكومة عراقية بالخارجة على القانون:

علم ودستور ومجلس أمة

كل عن المعنى الصحيح محرف

 وتوعد الجواهري الحكام العراقيين الطغاة:

أنا حتفهم ألج البيوت عليهم      أغري الوليد بشتمهم والحاجبا

والمتوالية التأريخية ذاتها اليوم أشنع؛ لأن العراقي (بلا كرامة وطنية)، بلد يحكمه ضابط مخابرات ايراني يتصرف بالسلطة والثروة ويهين الأحزاب الدينية والشعب ويفرض الصمت المذل على الناس-فمهمة الشاعر أكثر صعوبة ماذا يفعل سوى أن يتكلم بصوت عال-عندما سقطت سلطة التكارتة- قلنا سننعم بدولة لكل العراقيين-من غير هذا سيد وذاك عبد، لكن الآلية عادت نفسها.. التغيير خطفه الايرانيون وعدنا مرة أخرى للتصنيف ذاته-هذا سيد وذاك عبد-أنا شخصياً متشائم لاأمل، فالعراق لن يكون دولة حديثة مستقلة ينعم شعبها بالرفاهية؛ لأن دول الجوار لن تسمح بذلك مطلقاً-أضافة الى ما أسميه-مشكلة شعب-لايدرك بقوة أهمية حقوقه، فهو غارق في الانقسامات الطائفية ومشبع بثقافة دينية خالية من الأخلاق والخير والعدل، ثقافة شيطانية تتألف من الرؤية الوهابية والرؤية الايرانية، ثقافة دينية تأكل بعضها بعضاً بشراسة

توحيد التنافر

 *    اقترن اسمك بمجموعتك الشعرية التي قلت عنها سابقاً انها تمثلك ( الأب في مسائه الشخصي)، وما ان يمرّ اسمك في أي حديث أدبي حتى تقفز هذه المجموعة وتكون حاضرة، وهذا ينطبق على سعدي يوسف في (الأخضر بن يوسف) والبياتي في (أباريق مهشمة) وخزعل الماجدي في (يقظة دلمون) وسلام كاظم في (دخان المنزل) وكمال سبتي في (حكيم بلا مدن)  وآخرين ، مادامت مجموعة (الأب في مسائه الشخصي) تركت أسئلة كونية وانسانية، وعُدت علامة بارزة في الشعرية العراقية، الأمر الذي جعلها تبقى عالقة في الأذهان، وكلما نعيد قراءتها نحس وكأننا للتو قد قرأناها، كيف تعلق على ارتباط اسم الشاعر بمجموعة كتبها وأصبحت له مثل جواز سفر يمّر به؟

  -    ديواني (الأب في مسائه الشخصي) تأخر سنة كاملة لدى اللجنة المكلفة بفحص الكتب، قدمته عام 1988 وصدر عام 1989 . رفضه الخبير الأول بعد أن همش عليه: «هذا شعر لا أفهمه فكيف أكون خبيراً لشعر لا أفهمه». هذا ما عرفته لاحقاً أن الخبير كان الشاعر حميد سعيد، ثم أحالته اللجنة مرة ثانية الى خبير آخر هو الناقد حاتم الصكر فأجازه. الديوان صدر متزامناً مع أيام انعقاد مهرجان المربد في بغداد وفي الأيام نفسها صدر ديوان صديقي الشاعر كمال سبتي( حكيم بلا مدن)، وفي احدى قاعات فندق منصور ميليا، نظم معرض للكتاب العراقي وكانت أعداد من نسخ ديواني وديوان كمال سبتي معروضة للبيع، وبين فترة وفترة أخرى نذهب أنا وكمال لنسأل الموظفة المشرفة على بيع الكتب، من غير أن تعرفنا، عن كتب الشعر المباعة أكثر، فتقول:( الأب في مسائه الشخصي) و(حكيم بلا مدن)، وبعد ثلاثة أيام كنا نسهر في اتحاد الادباء عندما جاءني الشاعر المصري محمد آدم وطلب مني نسخة من الديوان، لأن كل النسخ التي في المعرض نفدت ومن حسن المصادفة ناوله أحد اصدقائنا ممن يجلسون على الطاولة نسخته- بعد خمس سنوات لم تبق نسخة واحدة حتى في مكتبتي وأثناء وجودي في كردستان عام 1994 طلبت من صديقي الشاعر والناقد عبدالله طاهر برزنجي أن يؤمن لي نسخة، فجلب لي نسخته الخاصة وكتب لي اهداء على صفحتها الأولى ومازالت هذه النسخة الوحيدة معي اليوم في أمريكا من مجموعة(الأب في مسائه الشخصي)، ومن ثم طبعت طبعة ثانية في القاهرة عام 2010، طبعتها الأولى في بغداد كانت بحجم 242 صفحة وطبعتها الثانية بـ 350 صفحة، اليوم وصل عدد صفحات الديوان الى 700صفحة، أضيفت قصائد جديدة له وأسعى الى طبعة ثالثة فيها كل شعري على مدى 35سنة بالاسم ذاته(الأب في مسائه الشخصي)، برغم أن المجموعة ضمت فقط أربع قصائد نثر طويلة عندما صدرت أول مرة، (المقهى) و(شاحنة البطيخ) و(أسفل الشرفة) و(الأب في مسائه الشخصي)، اضافة الى قصيدة (أغنية الاله مردوخ)، اليوم تضم ثلاثين قصيدة نثر طويلة، الجديد في المجموعة في تلك الفترة أنها قدمت قصيدة نثر طويلة وليست قصيرة مزدحمة بالاشارات التأريخية والسياسية والدينية والعائلية واليومية فيها(كد معرفي) وليست تلقائية وبسبب الطول وكثرة الاشارات الثقافية اختفت منها وحدة الموضوع واستبدلت بتكرار كلمة أو مقطع يساعد على الانتقال بيسر من مستوى الى مستوى آخر، يدخل قارئ (شاحنة البطيخ) مثلاً في شبكة مواضيع عنكبوتية، لكن ما أن ينتهي من قراءة القصيدة يشعر أن موضوعاً واحداً استحوذ عليه طوال القراءة، في حين لم يكن هناك موضوع واحد على الاطلاق، ثمة كود شخصي في القصيدة صنع اطاراً وهمياً ليوحد فيه كل ذلك التنافر- هذا البريق مازال يحيط الى الآن هذه المجموعة التي وصفها الناقد العراقي علي سعدون أن تأثيرها الطاغي مايزال مرئياً على الأجيال الشعرية اللاحقة لذلك أتمنى أن أرى هذه المجموعة وقد  صدرت بحجمها الجديد البالغ أكثر من 700 صفحة في أقرب وقت..

مصد غير أخلاقيّ

   *  بعد ظهور ثنائية أدب الداخل وأدب الخارج، ألا يؤدي هذا التقسيم الى العداء ما بين أدباء الداخل و الخارج، خاصة وان الشاعر العراقي أو المثقف الذي يذهب الى زيارة بلده العراق يتهرب منه البعض خوفاً من مزاحمته على منصب ما قد يكون حصل عليه في عهد العراق الجديد! كيف تنظرون الى هذه الثنائية التي من شأنها أن تقسم الأدب العراقي؟ خاصة بعد أن قسم النقاد الشعراء الى أجيال، وهل أنت مع التجييل أم ضده؟  

   -    المشهد السياسي في العراق اليوم يختلف بالاطار عن الفترة السابقة، لكنه يتشابه بالتفاصيل، منذ عام 1963 خرج الكثير من الأدباء والفنانين واستقروا في المنافي ولم نسمع آنذاك عن أدب الداخل وأدب الخارج، وفي السبعينات أيضاً خرج الكثير من أصدقائنا الأدباء وبقينا نحن، وكنا نشغل المشهد الشعري في الداخل كله وما تكلمنا عن أدب الداخل والخارج- فقط كانت مجموعة صغيرة جداً تملك وظائف نافذة في الحكومة تطلق بين فترة وفترة أخرى تسميات عدائية من قبيل(المرفهون في الخارج-العائشون على موائد الأجنبي-الذين لم يعانوا مثلنا- الخ). اليوم التفاصيل تتشابه مجموعة صغيرة من أصدقائنا الأدباء تعاونت مع الأحزاب الدينية ومُنحت وظائف، وهي التي أطلقت هذه التسمية،  بل أكثر من هذا شكلت مصداً غير أخلاقي ضد أصدقائهم الادباء-هذه المجموعة الصغيرة جداً تعمل في جو من المكائد وهي تقلد المجموعة الصغيرة ذاتها التي كانت في زمن النظام السابق، ما الفرق بين حزب ديني استبدادي وحزب البعث الاستبدادي، ماالفرق بين حاكم كانت تحركه دول طائفية وبين حاكم تحركه اليوم الاطلاعات الايرانية طائفياً. كان بلدنا في زمن صدام ممزقاً بالحروب والحصار ومطاردة الناس  بسبب تدخل النظام العربي (السني)، واليوم بلدنا أكثر تمزيقاً وخراباً وجوعاً بسبب سيطرة الحرس الثوري الايراني على مقدرات العراق، اليوم العراقي الشيعي أكثر اذلالاً وأكثر فقراً وقيمته  في نظر الايرانيين لا تساوي حتى كيس الزبالة، وكل هذا تعرفه جيداً تلك المجموعة الصغيرة من أصدقائنا الأدباء التي باعت اسمها سريعاً، في المقابل هناك من يعترض بصوت عال ومازال يتحمل المضايقات والتهديدات والمثال الأدباء والفنانون الذين تعرضوا في ساحة التحرير الى عنف وحصار واهانات، في كل فترة سياسية هناك مجموعة لاترضى الا بالعدالة الملموسة والحرية المعاشة فعلاً، وهناك مجموعة تتواطأ بسرعة ولا تكتفي بذلك بل تتحرك لا أخلاقيا ضد أصدقائها، فعندما كنت في بغداد أثناء الاستعداد لانتخابات اتحاد الادباء في السنة الماضية التقيت مع صديق شاعرمعروف في الوسط للتداول بشأن الانتخابات، واحد من الأشياء الذي أزعجني- قوله:»أستطيع أن أتحرك الآن لفك الحصار العربي عن اتحادنا، لكني لا أفعل ذلك نكاية برئيس الاتحاد الحالي»، هذا هو نمط المكائد السائد اليوم بين مجموعة منحت ولاءها لهذا الحزب النافذ أو ذاك لتدمير المجموعة الأخرى التي تعترض على بيع البلد والناس بالمجان الى الحرس الثوري الايراني، لذلك أجد هذا التقسيم أدب الداخل والخارج زائفاً، وأعجبني ذات مرة تصريح لشاعر عراقي شاب اسمه مجاهد أبو الهيل عندما قال بصوت عال» أشمئز من هذا المصطلح وأحتقره»، هذا المصطلح لا وجود له الا في عقل تلك المجموعة الصغيرة جداً التي تحدثت عنها، اما تقسيم الأجيال شعرياً فأنا معه، انه ترتيب وتصنيف زمني يخدم النقد الأدبي لكنه لن يعطي ميزة ابداعية، الميزة دائماً يصنعها شعراء قلائل داخل هذا الجيل أو ذاك، وربما يصنعها شاعر واحد.

أسراب جميلة

  *     جيلكم السبعيني ظهرت فيه أسماء كثيرة، لكن هذا الجيل لم يبق ولم تبرز منه إلا مجموعة قليلة، كيف تعللون بروز الكثير من الأسماء ومن ثم اختفاءها؟ والذين مازالوا يبحثون عن اللآلىء الشعرية في قاع البحر والعمل على اخراجها لم يتواصلوا بالمستوى المطلوب خاصة ثمة طاقات شعرية متوقفة منذ فترة طويلة والمثال على ذلك الشاعر سلام كاظم ؟

 -     عندما أستعيد شريط السنوات الأولى من السبعينات أرى أسراب الشعراء الشبان آنذاك وكنت واحداً منهم، ثمة سرب تلتقيه في المركز الثقافي الروسي يشاهد فيلماً سينمائياً وسرب تلتقيه في مسرح الفن الحديث وسرب تلتقيه في حانة سرجون وسرب في مقهى السلام على شاطئ أبي نؤاس وسرب في مقهى البرلمان وحسن عجمي وشارع المتنبي ومقهى داود ومقهى هوبي وفي المكتبة الوطنية وكلية الآداب ومعهد الفنون الجميلة، لكن كل تلك الأسراب الجميلة الفائرة بالنشاط، شباب وشابات تلتقيها أمام مكتبات شارع السعدون وفي صالة وحديقة اتحاد الأدباء كل مساء- تلتقي شعراء ومسرحيين ومغنين وموسيقيين وكتاباً وقصاصين ونقاد أدب ومترجمين ورسامين ومصورين فوتغرافيين ونحاتين وشعراء شعبيين وقراء مثقفين، سواء في بغداد أو المحافظات كان عالماً حياً . كل أولئك أسهموا في صناعة مناخ السبعينات بالاجمال، أما التفاصيل فشعراء السبعينات انقسموا وفقاً الى رؤيتهم الشعرية المنقسمة، هناك من بقي محافظاً على قصيدة الوزن وهناك من تحول الى قصيدة النثر، قلت مرة في مقالة منشورة»أن قصيدة التفعيلة التي كتبها جيل الستينات وصلت ابداعياً الى الذروة في الاخص لدى يوسف الصائغ وسامي مهدي وحسب الشيخ جعفر وفاضل العزاوي وفوزي كريم وحسين عبد اللطيف ومن الصعوبة تجاوزها ورغم القدرة الفائقة التي يتمتع بها شاعر مثل عبد المطلب محمود من بين شعراء السبعينات الذين التزموا الوزن، الا أن قصيدته بقيت في ظلال قصائد سامي مهدي- أما أنا وخزعل الماجدي وسلام كاظم وكمال سبتي ورعد عبد القادر وهاشم شفيق وعقيل علي وشاكر لعيبي وحميد قاسم، ما كانت قصيدة التفعيلة هماً أساسياً لنا،  فثمة نذر نرسلها بين فترة وفترة أخرى تنبئ بتحولنا الوشيك الى قصيدة النثر وبهذا التحول أنجزنا  تلك الانعطافة التي غيرت المناخ الشعري كاملاً..

  *   قبل ان يأتي الثمانينيون الى المشهد الشعري كان جيلكم قد بدأ بكتابة قصيدة النثر وكان ذلك واضحاً في مجموعتك (الأب في مسائه الشخصي) وفي مجموعة سلام كاظم (دخان المنزل) التي رفضتها المؤسسة الثقافية أيضاً وأجازها الشاعر حسب الشيخ جعفر، وكذلك في قصائد خزعل الماجدي وكمال سبتي وآخرين، لكن جيل الثمانينات يدعي هو أول من  نشر قصيدة النثر داخل العراق ، كيف تعلق على ذلك؟

  -   أول من نشر قصيدة نثر في العراق رفائيل بطي في العشرينات وفي الخمسينات نوري الراوي وفي الستينات قحطان المدفعي وعبد القادر الجنابي هؤلاء الأربعة –لم يكتبوا شعراً موزوناً كما هو الحال مع حسين مردان وسركون بولص –في الكلام عن السبعينات لم أتطرق أبداً الى من نشر أولاً قصيدة نثر في العراق- لكن السبعينات أول من كسر حاجز النشر هنا وكتبوا قصائد أثرت على مجمل حركة الشعر في العراق لاحقاً..

خطر التوقف

 *  أين تقع حركة الشعر العراقي اليوم بعد الانقلاب الانثروبولجي الذي تعرض له العراق منذ مارس2003 ؟

    -  اليوم في العراق الحركة الشعرية تكابر في الأخص تيار الحداثة معتمداً على مابقي من طاقة موروثه الخصب، ببساطة لا يوجد مناخ ثقافي سليم- توجد خرافات تعج في المدن والمشاعر- وهناك متعلمون متطرفون  يعملون للأحزاب هم الذين يملؤون المؤسسات، وسواء في المؤسسات أو خارجها هناك فعل مستمر لتدمير الحياة الثقافية في العراق من خلال التدمير الواضح للبيئة الاجتماعية الذي نشاهده من خلال انعدام الخدمات وفرص العمل والحرية الشخصية وقذارة المدن وفساد الحكومة واحتقار الثقافة والمثقفين،  كل ذلك يمدنا بانطباع مؤكد أن مستقبل الشعر أعني( خط تطور الشعر الحديث ) يعاني خطر التوقف والشعر علامة العراق العالمية حضارياً- وليست علامته حزب البعث أوحزب الدعوة أو هذا المعمم أوذاك الجنرال..

مشروع جهنمي

  *     أميركا والمنفى، كيف رأيت المنفى وهو يضغط عليك كشاعر عراقي وجد نفسه خارج الوطن؟

   -   ذهبت الى أميركا مضطراً ولست مختاراً ، كل العراقيين لم يختاروا منافيهم، كيف كنت متسمراً أمام التلفزيون ليلة سقوط حزب البعث، متخيلاً أن العراق سيضاهي اليابان سيكون واحة الشرق وأنموذجه في مستوى رفاهية المواطن العراقي ومستوى تعليمه ومستوى نظافته ومستوى عمران مدنه، وبعد طول الشقاء سيبني العراقيون دولة العدالة ودولة القانون ودولة المواطنة، ولم أكن منتبهاً أو بالمعنى الدقيق لم أكن مصدقاً أن الامريكان الذين سالت دماؤهم في العراق وأسقطوا نظام صدام قبلوا بالسيطرة الايرانية الكاملة على العراق- اليوم أسترجع على مهل المشاهد والقصص المريبة التي كنت أسمعها وأراها عندما كنت في كردستان وسط (المعارضة) في السنوات 93-94-95 –وأنا بصدد أن أدون القصة الايرانية كاملة- استغفالهم وخداعهم للشيعة العراقيين وتحويلهم الى عبيد في مشروعها الجهنمي. مرة قال لي صديق مصري- العراقيون طيبون جداً- لكن الويل اذا عرفوا أن أحداً ما خدعهم . المنفى صعب بالنسبة لي برغم الحياة الطيبة والسهلة- هنا الشعب الأميركي ودود ومحب ومضياف . لكن دربونة ضيقة ووسخة في بغداد تحرك مشاعري كلها ..

   *  ما هو جديد زاهر الجيزاني في الشعر؟

  -   هذبت ونظمت مجموعتي الشعرية الكاملة (الأب في مسائه الشخصي) في 700 صفحة كما أسلفت ولدي مجموعة المقالات التي نشرتها في جريدة الصباح وأدون بين فترة وفترة أخرى ذكرياتي  عن تلك الأيام مع متابعاتي للشعر الأميركي والثقافة الأميركية عموماً ومتابعة الشعر العراقي الذي يكتبه شبابنا هناك. لم أكتب قصيدة جديدة منذ سنتين بعد قصيدتي(الخروج من الجنة) لاجديد لدي في الشعر..

سيرة شخصيّة:

زاهر الجيزاني، أحد روّاد جيل السبعينيات الشعريّ العراقيّ، من بين شعراء أثرو تأثيراً كبيراً على المشهد الشعريّ برمته. عمل في مجلتي الأقلام والطليعة الأدبيّة ونشر في الصفحات الثقافيّة العراقيّة، ، غادر وطنه عام 1993 وقد أقام في شمال العراق لمدة عامين ومن ثمّ انتقل الى سوريا لينتقل منها عام 1997 الى الولايات المتحدة الأميركيّة حيث يقيم الآن. صدرت له:( تعالي نذهب الى البرية) شعر/  1977، ( من أجل توضيح التباس القصد ) شعر / 1980، ( أنطولوجيا الشعر العراقيّ) ، (الموجة الجديدة 1986 )، ( الأب في مسائه الشخصيّ) شعر / 1989  بغداد، (مختارات من الأعمال الكاملة )1996 / وزارة الثقافة السوريّة، ( الحداثة والشعريّة ) دراسة نقديّة 1996، وطبعة ثانية  من (الأب في مسائه الشخصيّ) القاهرة عام 2010، وله العديد من المخطوطات التي تنتظر الصدور.

هادي الحسيني


التعليقات

الاسم: هادي الحسيني
التاريخ: 13/10/2011 04:26:00
الاخت الاستاذة
نضال القاضي
شكرا لكلماتك الجميلة ولمرورك البهي

الاسم: نضال القاضي
التاريخ: 10/10/2011 00:31:24
شاعر كبير وتجربة ثرية ودرس في تعلم المشي لأجيال تولد من بعدك, تقول لها:هكذا أبصر..هكذا أخطو.تأملاتك أعادتني الى سنوات الثمانينات عندما كنت للتو أحاول هذا العصيّ الجميل لغة ومغزى نواة وقفلا على حد تعبيرك وانا أصغي بهيبة لكل الأسماء النبيلة التي ذكرت ومنها اسمك انت وانت الذي يجمع التاريخ والتراث والفلسفة وميتاالواقع الذي يهزم بلا هوادة في الشعر فكيف صدقت ان دم مرتزقة على ارضنا تصنع لنا الحرية التي وهي الكلمة في الأصل والصرخات في طينك المفخور...؟! وإذن هي اليوم تتكشف لناسنا لشعبنا وهو يخطو الخطوة السليمة فيصحح الخطأ عائدا الى الساحة الأجمل والأبهى على الأرض..ساحة التحرير حيث يقف العراق كله اليوم الوقفة الوطنية العادلة.تحيات لك ايها الشاعرالكبير زاهر الجيزاني ولمحاورك المبدع الاستاذ هادي الحسيني وطابت اوقاتكما.

الاسم: هادي الحسيني
التاريخ: 03/10/2011 10:55:13
تحية لك اخي استاذ فراس حمودي / شكرا لمرورك

الاسم: فراس حمودي الحربي
التاريخ: 02/10/2011 22:45:39
هادي الحسيني

-------------- ///// سيدي الكريم لك وقلمك وضيفك الكريم الرقي

شكرا دمتم سالمين ياابناء النور

تحياتي فراس حمودي الحربي سفير النوايا الحسنة




5000