..... 
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
 Ø­Ø³ÙŠÙ† الفنهراوي
.....
 ÙˆØ§Ø«Ù‚ الجابري
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
  
.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


آمال عوّاد رضوان تحاورُ الشاعر أحمد بشير العيلة

امال عواد رضوان

آمال عوّاد رضوان تحاورُ الشاعر أحمد بشير العيلة

الشاعر والإعلاميّ الفلسطينيّ أحمد بشير العيلة من مواليد رفح 7-6-1966، عاد بتاريخ 15-4-2011 إلى ربوع وطنه في غزة، بعدما عاش  حالات الضياع والتشرّد في مصر وليبيا، وقد استقبلته رابطة الأدباء الفلسطينيّين بترحيب عال في أمسية أقامتها الرابطة بوزارة الأسرى  والمحررين ومنحته عضوية مجلس إدارة في الرابطة، و"الجديدة" التقت الشاعر العيلة في استعراض تفصيلي لأوجه حياته وتدرجه في التخصص والعمل، وتنقلاته التي حشدت ذاكرته بالكثير من المواقف، تركناه يتحدث بعيدا عن رتوش الحوارات، أملا منا أن نصل نحن وقراؤنا الأعزاء إلى ما تضمنته ذاكرة الشاعر والإعلامي والإنسان، من لحظة خروجه من وطنه فلسطين، إلى لحظات انتظاره لطائرة الأباتشي التي  تقصف غزة هذه الأيام في النصف الثاني من رمضان 2011، ولكن هذه المرة أمام ناظريه ......

تفاصيل الحوار...

* بطاقة الميلاد تأشيرة الدخول الى الحياة، جاء مولدك على عتبة النكسة العربية.. من أين أتى الشاعر والإعلامي أحمد بشير العيلة؟

 ولدتُ في السابع من حزيران عام 1966 في مخيم رفح للاجئين الفلسطينيّين، من أبوَيْن هُجّرا صغيريْن من قرية يبنا بقضاء الرملة، التي قاومت الصهاينة وانتصرت ودحرتهم في معركة وعاها والدي وحكى لي تفاصيلها، وتفاصيل نكبة 1948، عشتُ بالفعل تحت أفرع والدي التي عرّشتْ فوقي لا تملّ من حكايا القرية والتهجير، وعشتُ بالفعل تحت جناح والدتي التي أمضت العمر غريبة تسّاقط دموعها على جسدي، الذي كان حريصًا على جمعها وتخبئتها في سُرةِ الذاكرة..

عندما احتلّ الصّهاينة قطاع غزة في نكسة 1967، كان عمري عامًا بالضبط، لكن قلبي الذي خفق طويلاً في بطن أمّي الموجوعة من فقدٍ لا يوصف، كان وراء فتحي باب البيت وزحفي نحو الشارع الرئيس أثناء فرضٍ صارم للتجوّل، كادوا يطلقون النار، لكن جدّتي من أبي هرولت تجاهي واختطفتني من حالة التمرّد اللاواعية.. وانتهت الحرب، ووالدي كان في مصر يتعلم ويعمل، فأصبح بين ليلةٍ وضحاها نازحًا، فما كان مِن حلّ إلاّ لحاق الأسرة بالوالد في مصر وعمري عامٌ ونيف.

*ماذا يعني لك أن تكون شاعرًصا؟

أن تكون شاعرًا أي أن تمتلك القدرة على قبس النار بيديْن عاريتيْن وقلبٍ يدوس الجمر، فالشاعر يدخل منطقة الأحاسيس العليا، ينتزع ما فيها من مصهور الألم والحب لغةً وإيقاعًا وتصويرًا، كلّ ذلك وأنتَ الشاعر الإنسان، فماذا لو زاد ذاك الألم أن تكون فلسطينيًّا..

*متى بدأت بجني ثمار موهبتك الشعرية؟ وهل كان للأحداث الوطنية التي واكبت جيلك دورٌ في نموّ موهبتك ونضجها؟

بدأ جني الشعر يخرج من قمقم وجداني في سنٍ مبكرة اقتربت من الخامس عشر ربيعًا، خرج ينطق وأنا أكتب ووحيي الإيقاع والموسيقا، لكن قبل ذلك كان لي ألفة اختلفت بها عن أترابي مع الطبيعة وأنا طفل، كنت رفيقًا لورقات الشجر وحبّات التراب ورفات الطير وصخور الأرض، ألفةٌ جعلت هناك خطاب خاصّ بيني وبين كلّ التفاصيل الصغيرة، وقد اشتدّ شحنها وهي تختلط بهمومٍ تكبر مع ازدياد وعي الطفل، الوعي الذي تفتح على مأساة الغربة والحنين والفقد، أنتَ إذن مختلف عمّن حولك، أنتَ كائنٌ مصابٌ وعاجز لا وطن لكَ ولا أهل ولا حكايا جدّةٍ تفرد بساطها السّحريّ لتجلس فوقه، ولا جري وراء شجرات البيارات ولا اصطياد لعصافير وطنك، ولا خالَ يأخذك لنزهةٍ ولا عمّ ينهرك ولا أحد..

أنتَ وحيدٌ وغريبٌ أمام فرعك الذي يعلو وعودك الذي يشتدّ تحت روائح الزعتر والمريميّة في حقائب المسافرين الآتين من الوطن، ولا ذاكرةَ لكَ سوى الذاكرة الجمعيّة التي يحكيها أبوكَ ووالدتك عن القرية والأهل وأحداث الترحيل المؤلمة، وتلك التي تحكيها كتب التاريخ عن النكبةِ والنكسةِ والهزيمة وكسر الشوكة المغروزة في لحمكَ، وأنتَ تقرأ تاريخًا يتشكّل حول المأساة، كما تتشكّل الدّبابير على فريسةٍ سهلة، بدأتُ قراءة الصّحفِ مبكّرًا مع تعلمي القراءة والكتابة في الصّفّ الأوّل الابتدائيّ، وكانت السّياسة وأخبارها هي محطتي في صحيفة الأهرام أو الأخبار الكبيرة، الأكبر كثيرًا من الرّسائل التي يبعثها الأقارب لوالديّ، وأحسّ الصّغير داخلي باللغة المغايرة بين خبرٍ في جريدة وخبرٍ في رسالة مكتوبةٍ بالدّمع، وبين ما تقوله كتب القراءة عن الوطن.

* للشّاعر العيلة قضيّة مع الضياع.. أين نجدها وأنت تتحدّث عن وجدانيّاتٍ من ذاكرة الطفولة والشباب؟

في مصر العظيمة، تعلمتُ كيف أضيع منذ أوّل نزول لي في مطار القاهرة بعد مجيئنا من عمّان، ووجدوني، ثمّ ضياعٍ أكبر في الاسكندريّة أوّل يومٍ للعيد، لدرجة أنّ مآذن الاسكندريّة وإذاعتها المحليّة كانت تنادي بصفاتي لمن يجدني .. هههه أول إعلانٍ للشهرة ... ووجدوني بعد يومٍ كامل في حضن امرأة عجوز.. ودلت قصص الضياع المتكرّر عن أني أبحث عن شيء في تلك المدن البعيدة وفي المطارات، لكن الطفل لم ينطق رغم الإلحاح عليه، واحتفظ بسرّه في لا وعيهِ إلى اليوم.

*هل انتهت  قصّتك مع مصر في حضن العجوز، أم أنّ لمصر حكاية أخرى في مضامينك الإنسانيّة والأدبيّة؟

في مصر شُحنت بالأحزان الكبيرة، فقد شهدت تفاصيل حزنٍ تاريخيّ بموت الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، يوم تشييع الجنازة كنا ننتقل من حيّ إلى آخر، لنستقرّ في سيدي بشر حيث بحر الاسكندريّة، وكان المشهدُ فظيعًا لأمٍّ تبكي بحرقة في غرفةٍ فارغة، والنساء في الشارع يولولن في حلقاتِ متشحة السّواد، لكن لأمّي حزنًا إضافيًّا أحسستُ به وأنا ابن الرّابعة، فألقيتُ نفسي في حضنها والبكاء يعتصرها، فهي صاحبة همٍّ لم تمتلكه كلّ النسوة في شوارع الاسكندريّة، لقد ذكّرها الموت والرّحيل بالتهجير والغربة والبُعد عن الأهل وفقد الوطن.

في انتقالنا كنت على سيارة (العفش) أرقب الاسكندريّة الباكية المتشحة بالسّواد، وكانت هذه الرّحلة فرصة لي لأرصد كيف يكون الحزن عامًّا وشعبيًّا ووطنيًّا بل وقوميًّا، وازدادت رمزيّة المشهد في الأيّام الأولى لإقامتنا في سيدي بشر، عندما جاء المخاض أمّي في أختي الخامسة، واحترنا ماذا نفعل، فنحن لا نعرف أحدًا، لكن إحدى جاراتنا كانت داية، والغريب أنّها زوجة فلسطينيّ هاجر إلى مصر عام 1948.

* لماذا  نجدك تربط الحزن بمصر؟ وما دوْرُ مصر في صياغة مستقبل شاعرنا العيلة؟

مصر تعرف كيف تحزن، وتعرف كيف تسحبنا لحزنها، بكينا كلّ القامات الكبيرة في مصر،  السّياسيّة والفنيّة والأدبيّة، بكينا جمال عبد الناصر وعبد الحليم حافظ وانتحار عشيقاته، وفريد الأطرش وأم كلثوم التي كانت مصر كلها تسمع حفلتها عند أغنية جديدة، وصباح اليوم التالي كانت كلّ مصر تردّد أغنيتها الجديدة، وكان صديق لأبي يعزف العود يأتينا بعد كلّ غناء ، ويغنّي الأغنية الجديدة لأمّ كلثوم، كنت أجلس منتشيًا بقربه مسحورًا بكلّ شيء، العود والكلمات والصّوت، وبقدرة هؤلاء على رفع درجة الوجدان إلى قيمةٍ جماعيّةٍ قصوى.

في الاسكندريّة السّاحرة تعلمتُ الأبجديّة، كتبت الواجبات الرّتيبة حتى مللت رتابة أن أعيد الفقرة عشرين مرّة، فأصبحت أكتبها ثلاث أو أربع مرّات، ثم أخربش في باقي الصّفحات، كنتُ مرتاحًا هكذا رافضًا التكرار والنسخ والرتابة، تحمّلت العقاب لكني لم أتحمّل النمطيّة، وفي الصّفّ الثاني الابتدائيّ كتبت أوّل قصّة قصيرة في يومِ مفتوحٍ في المدرسة، كانت عن ولدٍ لم يستطع أن يشتري هديّة لأمّه في عيد الأمّ، وقد فزت وكانت هديّتي برتقالة.. فرحت كثيرًا، وزادت دلالة البرتقالة هذه لتكون معادلاً رمزيًّا لوطنٍ مفقود.

من المصادفة أن يكون اسم مدرستي علي مصطفى المشرفة، عالم الفيزياء المصريّ الذي صحّح وطوّر النظريّة النسبيّة لآينشتين، والمصادفة تأتي كوني تخصّصتُ في الفيزياء فيما بعد، بحصولي على بكالوريوس فيزياء من جامعة قاريونس ببنغازي. 

* من غزة إلى مصر إلى بنغازي الليبيّة.. كيف ومتى تجلّى هذا الوصول؟

 في عام 1975، تحصّل الوالد على بعثة في ليبيا للعمل في مجال التدريس، تقدّمنا ثمّ دعانا إلى ليبيا، اليوم الأخير من مدرسة مصطفى المشرفة بعد سحب ملفّي  كان جيّاشًا.. لقد خرج كلّ طلاب الصّفّ يودّعونني من المدرسة إلى البيت البعيد عنها، كنت أُحمَل على الأكتاف، والكثير قدّموا لي قصاصاتٍ مكتوبة للذكرى وصور، شارع جمال عبد الناصر كان سيّد المكان، لم أكن أدري أنّي سأفتقد هؤلاء الأصدقاء العفويّين المليئين بالحبّ إلى الأبد، فمصر عصيت على عاشقها.

في بنغازي وفي أوّل يوم دراسيّ لي فيها كانت الصّورة معاكسة تمامًا، هناك في مصر ودّعوني بأكثر من الحبّ، وهنا في بنغازي استقبلوني بالحجارة عندما خرجت من المدرسة، وقفت في وسط الشارع مندهشًا غريبًا مُصابًا في أنفي لا أدري ما أفعل، وقفتي كانت قراءةٌ مؤلمة لمشهديْن متعاكسيْن، فهمت من خلاله أنّ المجتمع هنا يلفظ الآخر، وهو ما استمرّ معي حتى آخر مقالٍ كتبته في ليبيا بعد ستٍّ وثلاثين عامًا من الإقامة، حيث كان (لفظ الآخر وضرورة التلاقح الثقافيّ) ردًّا على كُتّاب وصحفيّين ليبيّين نادوا بليبيّتهم ونكرونا في الوسط الثقافيّ، الذي كنت فيه مع آخرين نُعدّ على أصابع اليد الواحدة من المؤثّرين والمتأثرين، ولنا حضورٌ قويّ استنكره البعض الذي كان يعمل بنفسيّةٍ، كأنها نقاط سوداء في الثوب الليبيّ الأبيض لأصدقاء وكُتّاب رائعين.

 حاولت كطفل داخل إلى عالمٍ ليس لي، أن أبتلع همومي وخوفي وأعضّ على ثوبي خوف أن يخرج صراخي، كي لا أُحمّل أبويّ أيّ ألم، تشرّبت الحزن وحدي، ومضيت على طريقٍ صخريّ لأقوّي أقدامي الصّغيرة المتعثرة.

في المرحلة الثانويّة استقام الشعر ونهض في قمقم روحي، وعملت سبورة الفصل كحاضنة لأبياتي، وكم من مرة قرأ مدرّس اللغة العربية تلك الأبيات، ويسأل عمّن كتبها، ثمّ وضع يومًا يده على كتفيّ وقال: اِذهب الآن وانشرْ هذا الشعر، يجب أن يرى النور ، أنت شاعر...

* إذن هي ليبيا اللّملمة والأوراق المبعثرة لشاعر مبتدئ؟

نعم.. انطلقت أحمل أوراقي المبعثرة من مدرسة شهداء يناير إلى مجلة الثقافة العربيّة المقابلة لها، وأيضًا في شارع جمال عبد الناصر لكن في بنغازي، ركبت المصعد الكهربائيّ أنا وصديقي صلاح، لكن المصعد توقف بها ، وأطال حتى أننا فقدنا تقريبًا الأكسجين، وكانت المجلة في الطابق الأخير من العمارة، وللمصادفة أنّ أسرة تحرير المجلة هي التي شغّلت المصعد يدويًّا لإنقاذنا، وخرجت إليهم لأقول جئت أنشر شعري ..

بالفعل نشروا لي أوّلا في باب القرّاء، ثمّ ما لبث أن وضعوا شعري مع كبار الشعراء العرب، فقد كانت مجلة الثقافة العربية أهمّ مجلة ثقافية في ليبيا، وكان لها حضور ثقافيّ في الوطن العربي، لدرجة أنّ المغرب كان نصيبها 20 ألف نسخة، هذا الكلام في بداية الثمانينيات، وقد ترأس تحريرها مثقفون معروفون منهم الشاعر محمد الفيتوري، وقد كان مُشرفًا على ملفّ الشعر وقت مجيئي الشاعر المهمّ في ليبيا حسن السّوسي، ومن خلال المجلة التي تقلدت فيها منصب منسّق التحرير بعد سنوات عدّة، تعرّفت على الوسط الأدبيّ والإعلاميّ، ومنهم الأستاذ القاصّ سالم العبار الذي كان مُعِدًّا لبرنامج يرعى المواهب الأدبيّة اسمه "ما يكتبه المستمعون"، وكان ينشر لي قصائدي بتعليقٍ جميل أتاح للعامّة عشاق الإذاعة التعرّف عليّ، ووجدت ذلك من الترحاب الذي كنت ألاقيه أينما حللت ممّن يتعرّف على اسمي، ومن البرنامج دخلت باب الإعداد الإذاعيّ أيضًا لأكتب عشرات البرامج بين إذاعات الجماهيريّة وإذاعة بنغازي المحليّة، وصوت الوطن العربي الكبير، وصوت إفريقيا التي تعرّفت من خلالها بالثقافة الإفريقيّة الثريّة.

تعاملت أيضًا في الإنتاج والإعداد المرئيّ، وخاصّة برنامج منازل القمر الذي كان من مُقدّميه الأستاذ أحمد النائليّ والأستاذ القدير على أحمد سالم الذي قام بدور بلال في فيلم الرسالة، وقدّم لي برامجي كبار المذيعين الليبيّين، منهم الأستاذ القدير عبد الفتاح الوسيع، أحد مذيعي البي بي سي ، وأحد ممثلي المسرح الشكسبيريّ في لندن، وكذلك أصوات مهمّة في الإذاعة الليبيّة كعزيزة عبد المحسن وشقيقها المرحوم عبد الله عبد المحسن وسالم الفيتوري، وقد تنوّعت برامجي بين الثقافيّ والأدبيّ والوطنيّ.

كان الشعر بوّابتي لعالم الصّحافة الذي بدأته وأنا طالب في قسم الفيزياء، لأكون من أسرة تحرير الصّحيفة الرّسميّة للجامعة، ومُشرفًا على الصّفحة الثقافيّة فيها، مُتقاضيًا مُرتبًا من الجامعة التي أدرس فيها، ثمّ تنوّعت إسهاماتي بين المراسل والمحرّر ومنسق التحرير ومدير التحرير لعدّة مطبوعات، وقد أسّستُ مَركزًا إعلاميًّا كبيرًا يتبع جامعة العرب الطبيّة وترأست إدارته، ولم أكتفِ بأنشطته من تغطية الأنشطة العلميّة والطلابيّة ، بل وسّعت دائرة عمله حتى أنني بعثت مراسلين من بنغازي إلى بوّابة رفح لتغطية أحداث حرب 2008 على غزة، وكان للمركز حضورٌ إعلاميٌّ قويٌّ، لدرجة أنّ مدير الهيأة العامّة لإذاعات الجماهيريّة فرع بنغازي قال في لقاء عامّ، أنّ المركز الإعلاميّ لجامعة العرب الطبيّة قد سحب البساط من تحت المؤسّسات الإعلاميّة الأخرى.

* كيف تُقيّم الحالة الثقافيّة في ظلّ نظام القذافيّ؟ 

 عانى الوضع الثقافيّ الليبيّ من حالات التغييب والانكسار وفرض الرّأي الواحد، فكلّ المشهد الثقافيّ الليبيّ غاب وراء خيمة العقيد معمّر القذافي، الذي حاول مؤخّرًا أن يُكرّس نفسه ككاتب، دافعًا الكثير لأجل أن يكتب عنه كبار النقاد العرب وأن تُعقد عنه الندوات والمؤتمرات، في حين أنّ المثقف الليبيّ كان مهضومًا ويعيش بالكفاف، وعلى الرّغم من وجود نصوص قويّة وأدباء كبار في عطائهم، إلاّ أنّ الخارج لا يعرف إلاّ مَن خرج من وراء الزجاج المعتم، كأمثال إبراهيم الكونيّ وأحمد إبراهيم الفقيه والصّادق النيهوم، الذين خرجوا إلى أوروبا ليستنشقوا أكسجين الإبداع، وتخيّلوا أنّ حقبة كاملة من مُثقّفي الستينات والسّبعينات زُجّ بهم في السّجن في مشهد تراجيديّ، حيث كان هناك مهرجان أدبيّ أقيم، للمفارقة، في مسرح مدرستي الثانويّة - شهداء يناير في منتصف السّبعينات، وفي ذروة المهرجان طُوّق المكان، وأخذوا كلّ مَن فيه من المشاركين إلى السجن، ليخرجوا بعد ذلك في مشهد تمثيليّ حطم به معمّر القذافيّ جدران السجن في 1988، لينشد في خطابه أمام الخارجين من زنازينهم:

"أصبح الصّبحُ.. فلا السجنُ ولا السّجانُ باق"...

لذلك عُرف هؤلاء الكُتّاب أنهم "مجموعة أصبح الصّبح"، مون بعدها عزف الناس عن حضور الأمسيات الأدبيّة على الرّغم من عشق الليبيّين للأدب.

* هل تعني أنّ المشهد الثقافيّ الليبيّ كان غائبًا؟

على العكس المشهد الثقافيّ الليبيّ على الرغم من عديد القيود التي كانت تُكبّله، من أكثر المشاهد الثقافيّة ثراءً وتنوّعًا وعُمقًا، وإنّي لأتوقّع مستقبلاً عظيمًا للأدب في ليبيا بعد ثورة 17 فبراير الحاليّة، لأنّ العطاء الأدبيّ سيشهد مناخًا جيّدًا للحرّيّات، إضافة إلى تجدّد عطائه بالمؤثرات الإنسانيّة التي رافقت الثورة الليبيّة ضدّ القذافي.

* هل ما حصل في ليبيا من ثورة كان متوقعًا؟

قصّة الثورة الليبيّة مؤثرةٌ بالفعل، لم يكن أحد يتوقّع أن يحدث كلّ هذا في ليبيا، كنتُ في بنغازي شاهدًا على تبلور الأحداث وعلى همجيّة ودكتاتوريّة نظام القذافي، فكيف يقتل بدم بارد مئات الشباب العُزّل برصاص مضادّ للطائرات؟

* وكيف شاهدتَ تفجّرَ شرارة الثورة بعينيْك؟

حدث هذا قرب بيتي في منطقة البركة أمام كتيبة الفضيل بوعمر؛ وهو مجاهد والساعد الأيمن لعمر المختار، والفضيل بوعمر عندما قُتل طلب غريسياني رأسه ليتأكد، وبالفعل جزّوا رأسه عن جسده ليقدّموه لغريسياني، كنت شاهدًا على المذبحة، وعلى اللحظة التي أُنقذت فيها بنغازي من الدّمار الشامل، ولا ألوم كما يفعل الكثيرون الناتو على دخوله في مكوّنات الثورة الليبيّة، لقد رفع السّكين عن أكثر من مليون نسمة في لحظةٍ واحدة.

كان للثورة الليبيّة ما يُبرّرها، فناهيك عن الوضع السّياسيّ الدّكتاتوريّ الأوحد الذي لا يمكن إطلاقًا مخالفته، وناهيك عن الوضع الاقتصاديّ السّيّئ حيث النفط ليس مُلكًا لليبيّين بل له ولحاشيته، فقد كان يقول عن النفط إنُه "المُجنّب" الذي لاعلاقة لكم فيه، فلا بُنية تحتيّة جيّدة في المدن الليبية، وانتشرت البطالة والأمراض الاجتماعيّة كانتشار المخدرات والفساد الإداريّ الذي نخر الدّولة من أوّلها لآخرها، بل إنّ وقود الثورة كان ذلك الدّم المسفوك من ضحايا خيرة شباب وأساتذة وعلماء ليبيا، كالذي حدث في سجن بوسليم ، حدثت القصّة عام 1996 عندما أطلق الرصاص مضادّ الطائرات على المسجونين بعد جمْعهم في الساحة، ليقتل منهم 1270 سجينُ رأيٍ في دقائق، ثمّ دُفنوا جماعيًّا في باحة السّجن وصبّوا عليهم الخرسانة، ولا أحد يعرف أسماء الذين قُتِلوا، إلاّ بعد برنامج سيف الإصلاحيّ الذي بدأ في إظهار أسماء الضّحايا في قوائم صغيرة في حدود 4 أو 5 أسماء على فترات متقطعة منذ 2007، حدثت تسريبات عن وصف المجزرة، ولقد حكى لي تفاصيلها الفنان السّاخر الكبير محمد الزّواوي، بعد أن أطفأت مسجّل اللقاءات بعد لقاء مطوّل استمرّ لساعات معه حول تجربته الإبداعيّة، وحكى لي شخصيًّا فنان الكاريكاتير الليبي الكبير محمّد الزّواوي كيف قُتل ابنه في مجزرة بوسليم الشّهيرة:

قتلوا ولدي وزوج ابنتي في سجن بوسليم، أتعرف يا أستاذ أحمد أنّ أهلي كلّهم يُقاطعونني الآن، لأنّ القذافي كلمني في مكتبه مرّتيْن وابني في السجن، ولم أطلب منه إطلاق سراح ولدي!

استغربت، فهو الفنان الأوّل في ليبيا والمعروف عربيًّا، كيف تأتيه فرصةٌ كهذه ولا يطلب، قلت له أنت مخطئ، لماذا لم تطلب إطلاق سراح ولدك، فقال:

"أنا استودعت ابني بين يدي الله ولا أطلب حرّيّة ولدي من أحدٍ غير الله، والقذافي يعرف أنّ ابني مسجون عنده".

عظّمتُ في الرّجل عزة نفس.

*كيف تمّ التعايش مع تفاصيل الثورة بالنسبة لكم كمواطنيين غير ليبيّين؟

عشنا تفاصيل الثورة .. وكانت قلوبنا مربوطة مع كلّ رصاصةٍ أو قذيفةٍ تطلق..

معركة الكتيبة كانت من أشرس ما فعله نظام بشعبه، أطلقت من الكتيبة جميع أنواع الأسلحة من مضادّات للطائرات إلى قذائف الدّبّابات، كنا تحت استهداف مباشر ونحن في بيوتنا، لكن الله سلّم، لقد سجّل الشباب الليبيّون أسمى ملاحم البطولة، ولقد شهدت بعينيّ قوّة العزيمة والتقدّم بصدور عارية نحو الموت، استخدموا كافة الوسائل للهجوم على الكتيبة وهم عُزّل، قادوا الشاحنات والجرّافات وقُتلوا وهم فيها، لقد تناوب على إحدى الجرّافات تسعة شهداء، كلّما قادها أحدهم أطلقت النيران عليه فسقط وحلّ محلّه آخر، ولا بدّ من سقوط الكتيبة، حتى أنّ أحد موظفي شركة الخليج العربيّ للنفط قد فجّر نفسه في سيّارة مفخّخة في باب الكتيبة، وسقطت الكتيبة بعد نجدة من القوّات الخاصّة التابعة للواء عبد الفتاح يونس رحمه الله.

 كادت بنغازي أن تسقط فريسة للكتائب، لقد سخّر القذافي رتلاً عسكريًّا يبلغ طوله 90كم، مُدجّجًا بالقذائف وحبوب الفياجرا لمهاجمة بنغازي، فعندما كانت طلائعه في منطقة طابلينو وقاريونس، كانت مؤخّرته عند منطقة المقرون، لكن طيّارتيْن للثوّار ضربتا مقدّمة ووسط الرّتل وسقطتا إحداهما من نيران الكتائب، والأخرى من نيران صديقة حيث حسبها الثوار طائرة معادية، ثمّ جاء الطيران الفرنسيّ وأجهز على الرّتل الذي شاهدتُ آليّاته، وقد تفحّمت على طول الطريق السّاحليّ.

 * كيف تحوّلت بنغازي إلى عاصمة ثوريّة؟

لم يكن الشعور بالنجاة مجرّدَ حدث إنسانيٍّ عابرٍ في بنغازي، بل كان حدثًا تاريخيًّا، مدينة بكاملها كادت تهوي وتسحق تحت الدّبابات وصواريخ جراد التي وصل منها العديد لأطراف المدينة، فجأة تحوّلت كلّ بنغازي والمناطق المحرّرة إلى جوّ ثوريّ إنسانيٍّ راقٍ تسوده المودّة والرّحمة والعمل التطوعيّ، على الرّغم من وجود تجاوزات منطقيّة بسبب انتشار السّلاح بعد فتح المخازن أثناء سقوط الكتيبة، ولم يستطع قلمي أن يشاهد كلّ هذه الأحداث التاريخيّة ويصمت، ممّا كتبتُ قصيدة بعنوان "عند الكتيبة"، ظلّ راديو الثوّار يصدح بها، ممّا شكّل خطرًا عليّ شخصيًّا، خاصّة وأنّ مديري المباشر لإدارة المطبوعات التي كنت أعمل فيها كان الناطق الرّسميّ باسم القذافي، د. موسى إبراهيم.

* كلاجئٍ فلسطينيّ.. هل ترى نفسك تدفع الثمن مرّة أخرى بلجوءٍ جديد؟

من فضل الثّورات العربيّة عليّ أنا اللاّجئ النازح مَهيض الجناحيْن هو السّماح لنا بالذهاب إلى قطاع غزة بترحيل عبْرَ مصر، وبدأ الترحيل ...

* وكيف كانت رحلتكم مِن ليبيا إلى مصر؟

على الحدود الليبيّة المصريّة في بوّابة السّلوم، كان لا بدّ من إذلال الفلسطينيّ، كيف لا وذلّ الفلسطينيّ ارتبط بالمعابر والحواجز! رُمينا مع أُسَرِنا أيّامًا في العراء، لأنّ التنسيق لم يتمّ بعد حسب حججهم، ووصل الأمر حدّ الانفجار، فقد أغلقنا معبر السّلوم الدّوليّ ومَنعنا الحركة فيه، حتى أتى اللواء السّيّد المحلاّوي مُهدّدًا وموعدًا الفلسطينيّين الذين أغلقوا بوّابة السلوم، وداسوا على شرف مصر وكرامتها حسب قوله، فوجدت نفسي في مواجهته والشّجار معه ،كونهم يدوسون على كرامة الفلسطينيّ ويمتهنون إذلاله، حتى سحبني من يدي شيخ قبيلة "أولاد علي" ساكنة الصحراء الغربية المصريّة، ليَعدَني بإنهاء الإجراءات الليلة إن فتحنا المعبر، وتمّ ذلك..

وصل خبر إغلاقنا لمعبر السلوم إلى الحكومة الفلسطينيّة في غزة، وناولني أحد أطباء الإغاثة المصريّة هاتفًا من د. عبد الرحمن حمد، الذي قال إن الحكومة تبذل قصارى جهدها مع المصريّين، للسّماح لنا بالمرور عبر مصر، وبعدها اتّصلتْ بي فضائيّة الأقصى لأُدليَ بتصريحٍ صحفيّ في النشرة الإخباريّة عن الحدث...

* لم تتحدّث عن التعب والإرهاق والاعياء في رحلتكم.. هل  كانت مسيرة ترحيلكم خالية مِن المتاعب؟

أضاع التعب والإرهاق لذة الموافقة على دخولنا "مُرحّلين" عبْر مصر، فجثى الليل فوقنا باردًا ثقيلاً، لكن الأجفان لم تغلق حتى لثانية، كيف وأنا أعبر مصر لأوّل مرة منذ 36 عامًا؟

أعدت قصّة عشقي لمصر، وحاورت كلّ بقعة ضوءٍ خارجة من شباكٍ بعيد ذلك اللّيل، وهمستُ لكلّ نسمةٍ هبتْ على وجهي من شباك الحافلة، وأسررتُ مشاعري لكلّ شعاعٍ ضعيفٍ يتسلّلُ عبْر ستارة اللّيل، إنه الفجر، فجر مصر الذي تشقّق فوقي من جديد وفي مرحلة تاريخيّة جديدة، تبللتُ بالضّوء، وحالةٌ عاليةٌ من الإنشاد تجتاحني وأنا أعبر الاسكندريّة العظيمة الحبيبة، لولا أنّهم سيتّهموني بالجنون ويزجّوا بي في السّجن لهربت من الحافلة، لأتلمّس شواطئها وأمشي في شوارعها وأشتم هواءها، وأشرب القهوة في مقاهيها، يا إلهي إنها الاسكندريّة...

كيف تلقّيتم الرّفض المصريّ بمنعكم من دخولها أثناء عودتكم إلى غزة؟

قلنا.. أنُحرَمُ نحن مِن مصرَ فقط لكوننا فلسطينيّين؟

أنُحرَمُ من نيلِها الخالد ومن عبقها الجماليّ الخاصّ المليء بكلّ تفاصيل الحياة؟

وهل يعقل أن أُحرم من أن أمشي في شوارعها شاعرًا وإنسانًا فقط لكوني فلسطينيّ؟

وهل يُعقل أن أرى بأمّ عيني الصّهاينة وهم يدخلون إلى مصر بكلابهم، ونحن تغلق في وجوهنا البوابات بكثيرٍ من الإهانات، وللمفارقة، أنني أحمل وثيقة سفر مصرية؟

وكيف كانت ردود الفعل الإعلاميّة المصريّة على نكبتكم على الحدود؟ 

كتبت من قبل عدة مقالات لصحيفة أخبار الأدب عن أحقيتي كمثقف في مصر، لكنها لم تنشر، قال لي ضابط مصري برتبة عقيد على السلوم، انتظر .. ستسمع أخباراً سارة بخصوص وضع الفلسطينيين ... ومازلت أنتظر، ولا أملُّ الانتظار.......

قالت الثورة " ذاهبون إلى فلسطين" ولم يعبر أحد..

هتف ميدان التحرير بفك الحصار عن غزة.. لكن الحصار يشتد...

قالت الأحزاب المصرية يجب منع تدفق الغاز الطبيعي إلى (إسرائيل) والغاز مصرٌ على التدفق شبه مجاني، في حين أنه سعره خيالي في غزة،

الشارع قال .. الإعلام المصري قال .. ((ثورةٌ بكاملكها تقول ولا تفعل، ليست ثورة )) .. من همومي ،، أخشى أن تكون الثورة المصرية بالنسبة لفلسطين مجرد تحرك في زجاجة مغلقة أمام مكتب السي آي إيه ......

* كيف رأيتم مصر وأنتم تدخلونها بعد الثورة التي أطاحت بمبارك؟

الحافلة المدفوع أجرتها من الأمم المتحدة، كانت لا تزال تشقّ الطريق، تدخل في شوارعٍ مرصوفةٍ فوق المياه، إنّها الدلتا، دلتا النيل.. الحياة المصريّة المليونيّة تتفاعل في عيون تلك الشبكة الكبرى التي اصطادت عشرات الآلاف من سني المصريّين في مشهدٍ يعجز عن التطوّر.. إننا نعبر متحفًا للفنون التشكيليّة وليس مساحة وطن..

لا أدري ماذا حدث لي وأنا أعبر مُرحّلاً بور سعيد، فورًا قفزتْ مجزرةُ بحر البقر إلى ذهني، لقد سمعت أصوات ثلاثين طفلاً يستصرخون الدّم جنوب بور سعيد في مركز الحسينيّة، وبمروري المكانيّ مرّت الذكرى الحادية والأربعين للمذبحة، ولأكون دقيقًا مرّ خمسة أيام على الذكرى...

ولا أدري ماذا حدث لي وأنا أدخل الاسماعيليّة مُرحّلاً بمراقبةِ دقيقة من جندي من الأمن المصريّ، شريط حرب الاستنزاف يمرُّ سريعًا، ولا زلت أشتمّ رائحة الغارات الإسرائيليّة على المدنيّين في الاسماعيليّة..

ولا أدري ماذا حدث لي وأنا أرى قناة السّويس، وأعبُرُ من فوق كوبري السّلام لأرى عشرات الآلاف من المصريّين الذين ماتوا وهم يحفرون القناة، أراهم يتلاشون في مياه القناة وينتشرون في روحها..  

* كيف كانت مشاعرك شخصيًّا وأنت على مشارف غزة؟

لا أدري ماذا حدث لي في سيناء .. الحافلة كانت تشق البلدات والقرى، وفي لحظة قلت لأهلي الذين يرافقونني: "امكثوا.. إنّي آنستُ نارًا لعلّي آتيكم منها بقبسٍ".. وكانت النار المقدسة تتعالى في داخلي وأنا أقتربُ للبوّابة الوحيدة لوطنٍ لم أعرف منه غير الاسم .. فلسطين..

النار تتعالى والنداء يكاد يقول لي "اِخلع نعليْكَ.. إنّكَ في الطريق إلى الوطن".. جميلٌ أن تشعرَ أنك تخلق من جديد، وأنك تخرج من رحمٍ ما من جديد، لكن هذه المرة بوعيٍ تامٍّ وشغف..

سيناء رحم كبير أخرج موسى نبيًّا، ويُخرجني الآن عاشقًا في رحلته الصّوفيّة إلى غزة .. وهو عنوان أوّل قصيدة كتبتها بعد دخولي فلسطين "رحلة الصّوفي الأخيرة إلى غزة"..

* كيف كان الأمن المصريّ في تعامله معكم؟

لا يزال الأمن المصريّ يلبس قناع النظام القديم في التكشير والسّباب على كلّ ما هو فلسطينيّ، لكن قرارًا أعلى بالسّماح لنا بالدّخول كوننا آتين من حربٍ، وطبعًا داخلين إلى حرب وليس إلى منطقةٍ آمنة، هو الذي جعلني مسيحًا أسيرُ بمعجزتي هذه التي لم تتحقق منذ 44 عامًا بالسير على ماء الوصول!

وكدت في صالات رفح أُشفي الأبرص والأكمه لو وُجدوا، لكني خشيتُ الصّلب..

* بعد أن وصلت فلسطين مرّة أخرى.. هل تجد نفسك في غربة أخرى جديدة؟

إنها فلسطين، لكن ليست الجنّة، بعدت عنها منذ 44 عامًا نازحًا، وعدتُ إليها مُرحّلاً ودخلتُ فيها أجرجرُ صليبي في طريقٍ طويل، لا أدري أهو طريق الآلام أم غربة جديدة تُكتب لي في وطني، كما عنونته صحيفة فلسطين في لقاء مطوّل على حلقتيْن، "عودة الطيْر إلى سربه غريبًا".

هذا الطير استطاع الولوج من فتحةٍ قيصريّة في السّياج، دخل يحلمُ بسماء، لكنها سماءٌ صغيرة محدودة التحليق، الظروف كلّها أمسكت بجناحيّ كي لا أحلق بعيدًا، بوثيقتي المصريّة دخلت لكن إلى سجنٍ كبير اسمه قطاع غزة، وثيقة لا تسمح سوى بالتحرّك في اتّجاهٍ واحدٍ، والطائر لا سماء له، لأنها مسكونةٌ بطائرات الاستطلاع والإف 16، والانتهاك الذي أصبح اعتياديًّا، والممزوج بقصف أهدافٍ هنا وهناك، وهذا ما يحدث هذه اللحظة وأنا أكتب حيث أسمع دويّ قصفٍ من طائرة استطلاع في مكانٍ أجهله ...

* كيف تصف للقارئ دخولك إلى وطنك؟

دخلتُ إلى وطني بلا حدائق فرحٍ تصاحبني، لا بيت لي ولا مال ولا فضاء، فقط أملٌ أن أملأ هذا الوطن بقصائدي وأعمالي الإعلاميّة، أن أزرع في المساحة التاريخيّة لفلسطين نثار ضوئي، إني لم أدخل الجنة، لكني دخلت الوطن الذي قد يُهديني بيتًا أو قبرًا سيان..

كان لنسيبي حسام الفضل في تعريفي بتفاصيل القطاع، شارعًا شارعًا ومَعلمًا معلمًا، وأنا على ظهر درّاجة بخاريّة خلفه، كنت أرى على طول الرّحلة حدود القطاع، وأشير إنها فلسطين، وكان لإقامتي مع أهل زوجتي في بيت حانون فرصة لأكون قريبًا جدًّا من بلدتي يبنا، لدرجة أنّي أتمنى أن أنصبَ خيمةً قرب الحدود في انتظار تحرير فلسطين، لأكون أوّل الدّاخلين.

هههه.. قالوا سيقصفونك بمجرد الاقتراب، وهو ماحدث من إطلاق نار عندما حملتُ لوحةً كتبتُ عليها (عائدٌ إلى يبنا) يوم النكبة في الذكرى 63 على حاجز (إيريز)!

*  كيف ترى الوطن من الداخل؟ وكيف كنتَ تنظرُ له مِن الخارج؟

الوطن من الخارج مختلفٌ تمامًا عن الوطن في الدّاخل، من الخارج هو قيمة وحلم بعيد ورومانسيّة تُشبِع خلاياك، ونظرة نضاليّة نمطيّة لأصحابه، ومن الدّاخل كلّ شيء اختلف فجأة، وخاصّة وأنا أرى مخيّم جباليا، تلك الحيويّة التي لم أعتد رؤيتها، والأسواق العامرة أكثر من أيّ بلدٍ عربيّ رغم الحصار، والتفاصيل الكثيرة الكثيرة التي لم يقلها الإعلام في الاقتصاد والسّياسة والسّلوك الاجتماعيّ.

الواقع في قطاع غزة مليء بتفاصيل متداخلة يصعب إيجادها في أي قطعة أخرى من العالم، تحتاج أن تكون ليس شاعرًا أو صحفيًّا لتشرحه، بل أن تكون فيلسوفًا وعالِمًا في الاجتماع والاقتصاد، وخبيرًا بدهاء السّياسة وعاشقًا..

إنه قطاع المتناقضات بالفعل، تتعايش فيه كلّ صنوف الحياة المخلوقة في الأرض، الفقر المذقع مع الغنى الفاحش، الحياة اليائسة مع الموت الرّحيم ، والموت اليائس مع الحياة الرّحيمة، التعليم مع الجهل والإبداع مع الابتداع، الحديد مع البشر، الأمل مع اليأس ، الوطنيّة مع العمالة، أقصى اليسار مع أقصى التشدّد، والخدّ مع الصّفعة .. إنه قطاع المتناقضات

*هل ما زلت على أبواب التفاصيل، أم أنك اقتحمت تفاصيل الوطن بشغف؟

دخولي للتفاصيل المرهقة تلك والتي تجعلك طفلاً عجولاً في الإجابة عن أسئلته التي لا تتوقف، جعلَ المشهد غير جدير بكتابات الحنين والرّومانسيّة والعاطفة الجيّاشة تجاه معشوقٍ لم ترَه، إنني الآن سيّد التفاصيل، وراعيها الرّسميّ لأُدخِلها في نصّي الشّعريّ، واتسعت الرؤية بي في الكتابة لحدّ أنّ قصيدة النثر أخذت حيّزًا في كتاباتي داخل قطاع غزة، أن أكتب عن "غزة من فوق" بكلّ التفاصيل التي تشاهدها، وأنتَ أعلى أبراجها العديدة التي بنيت في عهد الرّئيس الرّاحل عرفات؛ لا يمكن أن تكتبها باتّساع إلاّ بقصيدة النثر، وأن أكتب – بعيدًا عن الحماس عن مخيم جباليا بكلّ فسيفسائه وتعقيداته، لا تحتمله قصيدةٌ عموديّة ولا حتى تفعيلة، لقد كتبته بقصيدة نثر، وأن تكتب عن منطاد المراقبة الذي يراقب كلّ شاردةٍ أو واردة لا يكون إلاّ بقصيدة نثر... ولأنّي امتلأت بالتفاصيل حتى التخمة، قرّرت أن أُنتج أشرطة وثائقيّة عن الكثير ممّا يُقال، وقد بدأتْ.....

 * كيف تلمس الأجواء في قطاع غزة بعد 44 عامًا من الغياب؟

هنا في قطاع غزة الحسابات دقيقة في سؤال الانتماء، ليس الانتماء العام للوطن، بل الانتماء التنظيميّ الضيّق .. التعامل معك، خاصّة في المؤسسات الرّسميّة يكون ضمن إطار "مَن أنت"؟  

وإن لم تمتلك الإجابة يمتلكون الشكوك لدرجة الرّفض، وهذا أحد طقوس الغربة التي يعيشها قادم من زمنٍ بعيد، وهنا في غزة تنتهي بيولوجيًّا بسرعة، أنتَ في الخامسة والأربعين كهلٌ ليس بالهموم، لا، فذلك اعتياديّ بل في كلّ شيء، وظيفيًّا يُلوّح أمامك بالتقاعد الإجباريّ أو الاختياريّ، اجتماعيًّا أنتَ في الأربعين جدٌّ تتعلق على كتوفك سلسلة من الأجيال، وهي في الأربعين جدّة .. نسيت حياتها في دورة بيولوجيّة مغلقة، وبحكم كونكما من فئة الجدود، فأنتما أيّها الكهلين على الرّفّ، والشباب الكثيرون جدًّا هنا يدفعونكم إلى جنبات الطريق أثناء عبورهم في الحياة..

* والآن؟

صوت الأباتشي الآن يقترب، وهناك قصف متقطّعٌ ردًّا على عمليّة إيلات، وأيّ فردٍ هنا؛ حياته معلّقةٌ في زرّ الإطلاق لطائرة الأباتشي أو الإف 16 لا فرق، فقد تعدّدت الأسباب والموتُ واحدٌ، الموت الذي يعتبره الغزيّون في الأزمات حالة اعتياديّة ينتظرها الجميع..

امال عواد رضوان


التعليقات




5000