..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


تداعيات ابن هاجر

فرهاد فيلي

كتبت هذه القصة القصيرة في عام 1981 في دمشق، يومها كان النظام العراقي في اوج قوته، وكنا نقول النظام آيل للسقوط . تصفحت اوراقي القديمة وجدتها، فما اشبه اليوم بالبارحة، لذا اجدد العهد على المواصلة وانا في بغداد، من اجل كل من استشهد لغد وضاح دون تمييز في رقعة يكون فيها المرء انسانا. نشرت على صفحات مجلة الصوت عام 1986.

  

تداعيات ابن هاجر

 

بداية شارع طويل لاتظهر نهايته ، وفي النهاية يكمن مقصدي ، يتقاربا جانبا الشارع على البعد المترامي بالطرف الاخر ويلتقيان عند الصفر ، حثثت الخطى ، اتسع الشارع ليضمني بين موجوداته الصامته ، لاشيئ يوحي الى تواجد الاحياء ، اسير مذعورا ، مسرعا ، منشغلا باللحظة التي سيواجهني فيها الموت ، باللحظة القاتلة ، بالشيئ المخيف الذي يمكن ان يهاجمني ، دقات قلبي تتزايد ، اسمعها كصوت الطبل ، اسرع الخطى ، يعلوالصوت ، احس بأن القلب سيقفز فاتحا ثغرة في صدري لينجو قبلي من هذا الخوف ، علمتني جدتي منذ الصغر ان اردد بعض الايات ليهدأ معها خوف القلب .

 

يختلط في ذهني صوتي المبحوح بالآيات وصوت تكسر الاسفلت تحت قدمي ودقات القلب ، يمتد الشارع كأنه يأخذ بي في كل لحظة الى حيث الموت ، الموت .. العالم الاوسع ، الاكثر استقرارا وبطئا وديمومة ، يعني أن أكون بعد زمن قد يقصر او يطول غير أنا ، تكوينا آخر ، هذا الذي أتخيله بعينين واسعتين نحتتها الديدان ، تتعدد الفتحات في الوجه حتى لكأنها فتحة واحدة تؤدي الى ممرات معقدة لتلتقي أشكال أخرى وتجاويف أبدعت فيها ريشة فنان ، تلك هي العظام ، اللمسات الاكثر صلابة .

 

انتفض ، اغمض عيني ، وانتزع عني غبار السنين التي تملؤني رعبا وهي تسابقني ، في الحالات الاعتيادية للموت هناك طقوس يهيأ فيها المرء نفسيا وجسديا لملاقات الملكوت الاعلى ذي العينين الساحرتين الا في حالتي ، حيث يكون هذا الملكوت  الذي يسايرني هو الاقرب ، يجالسني ويهمس في ، يدعوني الى حيث يمتد بي سباتا لسنين ضوئية بحثا عن التكوين الآخر حيث الطمأنينة . لا أعلم لم الاحساس بنهاية مفجعة تنتظرني في نهاية هذا الشريط الاسود الممتد أمامي ؟ أستعيد معها كل الذي مضى ، اطيل فهم ونهم الجزيئات التي مرت منذ سنين ، انها الوسيلة الوحيدة التي تنتشلني من البكاء . لا أعلم هل هي حساسيتي المفرطة بالالم تدعوني لذلك ؟ ام هو الاحساس بالذل ؟ ام هو اليأس ؟

 

أية حركة مفاجئة تسقطني خوفا في قفار هذه المدينة ، وتظل جثتي طعاما للعقبان التي تستمد حياتها من حيث انحدر قبلي آخرون ،  ومن نهاياتنا حيث تساق البشرية كالنعاج الى أودية ومنحدرات لم تعرف لها طريقا من قبل ، ولتشبع بعض النهم الذي يحشي ثناياها ، هذه العقبان السوداء الولودة التي جاءت اسرابا ، لتولد حيث المستنقعات ، لتولد كائنات تصاحب صغار الضفادع  المتواجدة في المياه الآسنه .

أبدا لم أحس بهذا الضعف ، أيكون الانسان ضعيفا حين السقوط ؟ أشغل نفسي باستعدادة حكايات جدي عن بطولاته ، أرثي بها ذاتا منتحرة لامحال ، ذات مرة قال جدي:

( في يوم من أيام الرعي حين كانت الشمس تسحب اذيالها تعبة وقطيع الخراف والماعز يتمطى باتجاه الوادي ، فاجأني دب يولول خارجا من احدى مغارات الجبل وهو يدب صوبي ، كنت حينها في الايام الاولى لشبابي ، طويل القامة ، عريض الكتفين ، مفتول العضلات ، أناطح ضخور الجبل بخيلاء . أخذ الدب يرميني بالحجارة وأنا مندهش ، أفكر بالذي سأفعله فيما لو أمسك بي ؟ وخطرت في ذهني مايتداوله الناس في القرية من ان أنثى الدب تأخذ الرجل بعد ان تأسره الى مغارتها ، فتمسح بلسانها ركبتيه وباطن قدميه فلا يستطيع الوقوف والسير ، وتظل محتفظة به تقدم له الطعام كي يؤنسها وباستمرار. أما الذكر فيقتل الرجل بعد ان يمسك به بيديه القويتين لاويا اياه الى الخلف حتى ينكسر ظهره ... سرعان ما تداركني الدب ولم أكن لحظتها أفكر سوى بالمقاومة حتى آخر لحظة ، واستطعت حينها بعد ان أسقطته ارضا ، ان أرمي حجارة كبيرة على رأسه لتكون سقطته الاخيرة فتلوى وهو يولول ، محاولا النهوض الا انه لم يستطع ، فهربت مسافة بعيدة وأنا اتلفت ، وجلست بعد ان تأكدت من عدم متابعته لي ، اخفيت رأسي بين فخذي وأنا ابكي مصدوم من الفزع ،  محاولا نسيان الحالة المرعبة ومشهد رأسه المدمى ، رجعت الى البيت ولم أستطع أن انسى ذلك لأيام طويلة .

دهشت القرية وانتشر الخبر في القرى المحيطة بقريتنا ، وصارت أختي تأتيني بعبارات الاعجاب من صبايا القرية وصرت بذلك مفخرة لعائلتي بفضل شجاعتي) .

أتصور دبا يهاجمني وأنا بلا قوة ، سيصرعني بالتأكيد ، فلا عضلاتي مفتولة ولاتنطبق على مواصفات جدي الجبلي ، وصرت أتخيل الجنس البشري ناعما ، قصيرا ، صغير اليدين ، ضعيف القدرة على مقاومة الطبيعة والمخاطر التي تهدده بعد آلاف السنين ، وهذا يعني الضياع ، كان ذلك مرعبا ، بل صار مأساتي ، سأنتهي ، أنا التواق لرؤية عالم آخر ، علم يبدو فيه من بعيد الافق الارجواني ، عالم تبدو فيه دروب الخلاص واضحة ، والرؤيا اكثر واقعية، والبشر اكثرسموا و مرونة ، لاتلتهي بالتوافه ، وتقترب العوالم ، تقترب نهاياتها لبعضها فترسم المسار الحقيقي عبر جسر تحتشد عليه الالوف التي تنشد الخلاص وتهتف له.

التفت الى الوراء ، يالله !! تجمعات راكدة ، وكتل صغيرة من الاجساد البشرية ، بل أنهار لأقزام تقف عند الابواب والمحلات المفتوحة للريح والتي مررت بها توا ، حلقات تجمعت حول موائد وهي تلتهم ( الباجه) ، رأس الانسان ، ياله من جموع غريبة الاطوار ! ، يرقصون في حلقات فرح مزيف ، يعانقون بعضهم ، يحتسون نشوة الايمان ، يعيشون سعادة وهمية ، وكأن ايامهم أعياد ، ينثرون على رؤوس بعضهم نقودا وخزعبلات لطقوس لم أجدها الا عند الانسان ، الحيوان الاول ، لعلهم في احتفالات نصر براق وفق طقوسهم وشرائعهم ، يبيحون لأنفسهم كل مالا ينتمي الى الآدمية ، وقد يبدو لهم ذلك حقيقة ، لكني لم أرهم ، ربما كانت عيناي مشغولتين بمتابعة أفكاري ، وتفكيري منصب على النهاية المجهولة في آخر الشارع ، وربما نهايتي .

 

أصرخ عاليا :

_ أيها الناس ، يامن تسمعون استغاثتي ، المقصلة تفصل الرؤوس عن الاجساد ، والقوم يمارسون الطقوس الغريبة وهم يضاجعون بعضهم بعضا ، منتشين بالايمان ، فيما الاخرون يشربون نخب سقوط العرش .

 

يبدو لي من بعيد تاج ذهبي على كرسي وجموع الاقزام تسابق بعضها لتحصل عليه ، أحس رعبا حقيقيا ، وتقصر ساقاي قليلا ، قليلا ، لا احد يسمعني ، منظري بساقين قصيرتين مضحك جدا ، يستدر عطف الاخرين ، ممن يمتلكون احساسا انسانيا ، ولكن أين الاحساس في مدينة لا أبصر فيها الا الحجارة وهم خلفي راكدون ، يرقصون كالدمى ، ويتحركون في حلقات محددة مرسومة لهم بالطبشور على اسفلت الشارع .

 

سأعود اليهم علهم ينتزعونني من هذه الحالة ، حيث الدمار في كل ماحولي ، اسرعت الخطى لاستنجد بالآخريين قبل ان يلتهم الاسفلت كلتا الساقين ، حتما سيساعدونني ، او على الاقل ، لأقنع نفسي بذلك رغم معرفتي بما هم فيه من لهو وعبث ، ولأجرب الجري باتجاههم ، كلما وصلت جمعا منهم ، يختفون ، انشج وغضبي يلصقني بالارض ، وما علي الا ان ارفع الراية البيضاء ، كفني الذي لايكلفهم شيئا و... و...

 

أيعقل ان تكون مدينة للجن ؟

تنتصب فوق موائدهم الرايات ، واعلام النصر ، اصرخ النجدة !.. النجدة !.. ال...

تردني اصوات ضحكاتهم الوهمية ، لا فائدة من ذلك ، فهم من تكوين غير الذي أنا منه ، لأعاود السير باتجاه مقصدي في نهاية الشارع ، فأنا قبل المنتصف ، ومازال الشارع طويلا ، مظلما ، مخيفا ، واذا استمر الحال هكذا فسيلتهم الاسفلت بقايا الجسد.

لكن لماذا يضحكون ؟

صحيح ان المدينة أثرت في  وبالذات هذا الشارع حولني تكوينا مشوها ، الا انني اظل انقى منهم ، فقد مررت بهم وعلى موائدهم رأس الانسان ( الباجة ) عاريا من الشعر يتصاعد منه بخار الماء الساخن ، ياللرؤوس المسكينة المقسومة الى أجزاء ، وما من قطرة دم يجلب الانظار، البعض يأكل بنهم ، أسمع صوت قضم الاجزاء ، كانهم يقضمون الخيار ، يالها من رؤوس تعيسة !.

أركض باتجاه النقطة ، المجهول .. نهاية الشارع علني انتهي من هذا الخوف ، لا تساعدني ساقاي على الجري سريعا ، أتخيل  يومها و في الزمن الذي مضى ، تلك الحواجز التي سألني فيها القواد عن الهوية ... وهو يقارن بين شكلي والصورة الملصقة في الهوية ، يسأل عن اسمي ، اسم والدتي ، المدينة التي ولدت فيها ، تأريخ ولادتي ، دقات قلبي تزداد خوفا من لاتعجبه هيأتي او قسمات وجهي وقد يكلفني ذلك شهورا من السجن وربما التعذيب أو الذبح هذه الطريقة الجديدة للانتقام من الانسان ، كل يشابه بعضه ، هي الولادات المشوهة في الزمن الرديئ ، اقزام تضاجع امهاتها ، مجموعات نشوة بالايمان ، تلف الانسان بالموت ، وتنثره دون وازع من ضمير ، ترسله مهمشا الى الله ، وتتشابه الاسماء ، هي وطاويط الليل ، تقف ملثمة ، في حاجز مصطنع ، وتخطف الارواح ، هم أنفسهم حواجز الامس يوم كان الانسان لاقيمة له ، يقتل عبثا ، وهاهو يقتل عبثا .

 

في وحشة هذه المدينة اصبحت اشتاق حتى لتلك اللحظات القاسية وربما الى السجن ( حيث الزنزانات الصغيرة ، يطل على السجان من الكوة بين الحين والحين ليتأكد من وجودي .. ويطالبني احيانا أن أمد له رقبتي ، فيمد يده من الكوة ليطعمني ضربة ، اشم رائحة الدم أثناء خروجي الى الدورة او الى التحقيق ، القي بنظراتي الى الارض كي لا أبصر أحدهم ، يرن في اذني صوت المفاتيح وهو يحركها اثناء مروري بالابواب التي يفتحها وكانت تسعة ابواب ، يسألني المحقق كثيرا ، فيغضب ازاء صمتي ويحيلني كل مرة الى التعذيب ... والتعذيب حتى الاغماء فأجد نفسي مرميا في الزنزانة ، وفي التحقيق الذي صار الرقم الاخير ، كان المحقق لطيفا معي ، قدم لي فنجانا من القهوة وسيكارة ، واعتذر لي ان كانوا قد أساؤوا لي ، اعطاني ورقة وقلم وقال :

- اذهب الى زنزانتك ، واكتب مايرتاح له ضميرك ، فانت لم تعد ابنا لهذا الوطن .

قال الحرس الذي يكبل معصمه معصمي وهو يرافقني :

- يمكنك ان ترتاح قليلا وتدخن في الباحة ، وتنظر حيث تشاء ، وربما هي نظراتك الاخيرة ، وكلها أيام ، وستخرج محظوظا الى حيث خارج الحدود.

بقيت هذه الكلمات ترن في اذني طوال المسافة الى زنزانتي ، احدق بالاسوار العالية والابواب الحديدية السوداء ، وداخلني الفرح ، لأنهم سيفرجون عني فكتبت لهم ، ....

( صدقوني .. أني أعرف أن الوطن مهدد بالدمار ، وان امي انجبتني دون موافقة منها ، أبي واخوتي بانتظاري خارج هذه الاسوار ، حبيبتي تعشق عيني وحلمهما ، والكلمات الحلوة ، وطريقة التفكير ، وزملائي يكرهون في التحدي وانتم تكرهون في الصمت ، وأعرف ان البغاء في وطني يمارسه اللوطيون والعاهرات والسياسيون الذين ليس لهم قيم من امثالكم ، وأعرف ان السماسرة يبيعون الوطن في سوق الشعارات الرنانة  ، ولكنني اتعهد ان لا اتكلم عن ذلك شيئا ، ولا عن فضائحكم ، وستكون لغتي التحدي والصمت بوجه القتله ، واحتفظ بذاكرتي للتاريخ ).

كل ذلك مر علي اثناء وجودي في السجن ، اما وأنا خارج الحدود كنت انزف دما وابكي الما ، لوطني الذي لم تحسسني سلطتها بالآدمية ، وطني الذي كنت احب فيه الطيبة والجيرة والعشق وكل الناس .

لكني عدت الى وطني ولم اجد فيه الطيبة والجيرة والعشق ، بل لم أجد الناس .

أما وانا في عفونة مواخير هذه المدينة ، مرتعش ، عاجز ، لابد من استراحة قصيرة ، استعيد بها الانسان في ، الحركة .. لاينحني جسمي ، وساقاي لاتنينيان ، جمد الخوف مفاصلي ، تمددت طلبا للراحة ، يرتطم رأسي بالاصوات ، افترش اذني للاسفلت ، ارهف السمع ، حركة تحت الاسفلت ، خطوات قادمة ، منبهات السيارات ، أغان شعبية ، زغاريد الاعراس ومواويل.

عالمي الذي ترعرعت فيه ، تلك المدينة الفقيرة ، الهموم المشتركة تربط تلك البيوت المتواضعة ، الغرفة تضم عدة انفس ، لايدخل بعضها ضوء الشمس ، تشاركهم فيها الميكروبات والجراثيم وافواج الذباب ، أزقة ضيقة ، واجساد بشرية تتحرك بشتى الاتجاهات ، حركة دائمة للوجوه المصفرة الما ، التعبة جهدا ، والعيون غائرة فيها .

أنهض مرعوبا ، بريق شعاع عند النهاية ، يمتد ظلي طويلا ... طويلا حتى بداية الشارع الذي منه بدأت ، لاشيئ يمكنني به حفر الاسفلت ، اضطرب ثم أهدأ قليلا ، احاور نفسي ( الي أين يمتد بك التيه ، وفي اي زقاق ألملم اشلاءك .. ياابن هاجر .. ايها الحائر .. دروب الخلاص تشوهت معالمها وربما انطفأ النور الى مالا نهاية .. وحبك القديم للوطن لايكفيك زادا للوحشة ، وهذه الوحدة قاتلة ، ولايمدك عونا الصراخ بوجه القتلة ، والتجار ، والسماسرة ، ومحاور القوادين ، فاكتب وصيتك ، ولا تتأمل البعيد ، فدروبك كانت قصيرة ، وانتهت الى اللاشيئ ، هاأنت ذا تتذكر أيامك الخوالي ، وتشتاق روحك الطاهرة أن تطل فوق المآذن والكنائس والازقة الشعبية .. وساحة الكلية ، ترفرف قوق تجمع النسوة عند واجهات البيوت وفي المساحات التي يمتد اليها شعاع الشمس ، تحط بين الحين والحين على حبال غسيل هذا السطح أو ذاك .

في مدينة كهذه لايمكنك العيش نزيها ، شريفا ، فانفض غرور الانسان عنك واصمت ، ودع القلم يكتب شهادة استشهادك في ساحات الاغتراب وحيدا ، متفردا ، متصوفا ، منعزلا ، غريبا قبل ان يقتلك اعوان الجلادين وهم كثر، طوائفا ، مللا ونحلا).

مددت يدي ، لاورقة ولا قلم حتى ولا جواز اطمئن به نفسي بانني استطيع السفر ، لا نقود بل حتى لاطعام ، ولا اكاد اشبع جوعي في يومي حتى اجوع في اليوم الآخر ، وقل المتصدقون ، البلدة مقفرة ، الشارع موحش ، والظلام يخيم على ارجاء المدينة ، اواصل السير وحيدا مع فكري ، هذا الذي يسمو في هذا الرأس الذي يكبر ، ويكبر ، تقصر معها يداي ويصغر جسمي ، وتقل معها قدرتي ، لم يعد جسمي قادرا على حمل ثقل الرأس ، فقد اختفى نصفي الاسفل ، تلاشى عضوي ، مددت اناملي للتأكد ، احاول ، لاتصل يداي فهما اقصر من ان تتحسسا الاشياء المتلاشية ، تعتصرني لحظات النشوة ، اتذكر طراوة الاجساد الناعمة ، احيانا احس بلا شيئ غير اللعنة ... ومن اجلها أنا موجود ، انه رحيقي الداخلي المعجون بكل انواع القهر ، اصبه في التكوين الآخر ، الذي ربما هو الآخر مثلي ، يعيش لهذه اللحظات الاخيرة ، كي نرسي امتداد البقاء الانساني بلا نهاية ، بعيدا عن تشوهاتهم ، كي نتساقط كاوراق الخريف .

أرتخي ، ينهكني هذا العذاب .. دوامة التفكير ، لامرسى ، ولا شاطئ ، ولا صدر حنون ، أنه الصراع بين السمو والانحطاط ، بين الرفعة والسقوط ، بين النقاء والمستنقع ، بين عفونة هذا الزمن وجمال المستقبل ، لكنها الدوامة في هذه اللحظة ، وكل الدروب تؤدي بي الى النهاية ، ولا تؤدي .. تتقاذفني تصوراتي المجنونة لنهايتي ، لم أعد أعبأ بما تلاشى من جسدي ، ابذل جهدي للتواصل ، علني انقذ البقية الباقية من هذا النفس المفصود ، الجزء الآخر مني ، اسرع الخطى ، متثاقلة حركة هذا النصف الانساني ، اجهش بالبكاء ، اقتربت فبيني وبين نهاية الشارع مسافة قصيرة ، ويبقى رأسي متدحرجا لوحده ، ينشد الخلاص ، لقد التهم الاسفلت بقايا الجسد ، تحسست نفسي في ذات نفسي ، لم اصبح صفرا بعد ، مازلت اجد الانسان ، لم اتشوه ، مازلت اتنفس بكل عزة وكرامة ، مازلت لا أطأطأ الرأس خذلانا ، مازلت اتأمل الآخر ،  الانسان الذي هو اسمى وارفع ، رأت عيناي النهاية ، المأساة ، بحر لانهائي الامتداد وبواخر على ظهرها ، من يشتري الغلمان والجواري والعبيد ، انه البحر المتلاطم الامواج .

كيف سابحر في هذا المخاض ؟

التفت الى الخلف ، نظرة أخيرة للاسفلت والمدينة ، تتوالى الانفجارات ، كل لمبغاه  ، لكن رأسي ، آه من رأسي ، يكبر ويكبر بعيدا ، بعيدا  ، بعيدا عن تفاهات الاستحواذ ، يكبر همي ، يكبر حبي ، يكبر عشقي ، تكبر روحي ، تكبر أمي ، تعلو أشجار مديني ، يسمو الجبل ،  يبحر فكري بعيدا عن المستنقعات ، عن الولادات المشوهة ، يبحر رأسي مستجمعا عصارة القوة في التفكير ، ومن ثم الرأس .. بم ... وثم الانفجار الاخيـــــــــــــــر

 

 

 

 .

فرهاد فيلي


التعليقات

الاسم: سجى
التاريخ: 21/11/2011 10:07:31
عجبني كثيرا لاأنك تربط المضئ بل حاضر وانك تسعى لعمل شي حسن الى شعبك والشعوب هو تغير الفكر وانا من مشجعي تغير الفكر وحسن التعامل مع الاخرين ... شكراً لك

الاسم: طالب
التاريخ: 23/09/2011 18:08:26
منذ ان طرقت بابي ، بعد فراق (32)عام ، بطريقتك الدرامية تلك الليلة وانا دائب البحث عنك بين اسطر المقالات والكتابات التي لم تدلني الطريق اليك. لكني عندما قرأت (ابن هاجر ) صرخت : وجدته .
الان ، قد عدت وكاني ما فارقتك الا البارحة . لاني اعرف هذا النص بملابسه السوداء ، وخفقات قلبه المختلطة بدقات حذائه المتهالك على الطرقات . اعرف هذا المنفلت من الاخرين الذين لا يطاقون ، الراكض باصرار نحو موته في نهاية الطريق الاسفلتي الممتد بقساوة بين احشاء الحياة . اعرفك كما اعرف نفسي ياابن هاجر لاني سبق ونادمتك طويلا في معابد بغداد الطاهرة .

الاسم: طالب
التاريخ: 23/09/2011 17:35:48
منذ ان طرقت بابي ، بعد فراق (32)عام ، بطريقتك الدرامية تلك الليلة وانا دائب البحث عنك بين اسطر المقالات والكتابات التي لم تدلني الطريق اليك. لكني عندما قرأت (ابن هاجر ) صرخت : وجدته .
الان ، قد عدت وكاني ما فارقتك الا البارحة . لاني اعرف هذا النص بملابسه السوداء ، وخفقات قلبه المختلطة بدقات حذائه المتهالك على الطرقات . اعرف هذا المنفلت من الاخرين الذين لا يطاقون ، الراكض باصرار نحو موته في نهاية الطريق الاسفلتي الممتد بقساوة بين احشاء الحياة . اعرفك كما اعرف نفسي ياابن هاجر لاني سبق ونادمتك طويلا في معابد بغداد الطاهرة .

الاسم: مون زربيا
التاريخ: 31/08/2011 22:28:00
كتبت فابدعت ...لا كلمات ُتقال بعدها ..كنا لا نستطيع ان نتكلم ...فاصبحنا الان ..ههه لا نتكلم ....انها نهاية اخرى تشهد علينا بوضع النقطة فيها بل وُتجبرنا على فعل ذلك...شكرآ لك




5000