هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الأنا الجماعية واستحضار الموروث الديني

د. مرتضى الشاوي

في شعرية قاسم والي  - قصيدة سلالة الخوف مثالاً

مدخل :

سئل الشاعر في حوار صحفي :

(( س / سلالة الخوف تمنيت أن تسميها المقصلة ، فقد استخدمت فعلاً تلك الكلمة في ذلك النص ، ولكنك كالعادة تتلاعب باللغة ؛ لأغراضك الغامضة ؟ .

كان الجواب :  ما يفعل الشعراء يا عزيزي سوى التلاعب باللغة ، الكلمات ملقاة على الرصيف ، لكنّ اللاعبين بالكلمات قليلون ، كما تعلم ، فهم يشتغلون على اللا مقاييس للمشتغلين على المقاييس ، وليست ثمة أغراض غامضة لديّ ، وخصوصاً في هذا النص كنت واضحاً بما يكفي للتواري خلف خوفي وقلقي المفرطين ! )) .

        يفصح العنوان عن تنهدات عامة ، تشتمل على التأسي على أوضاع العصر ـ لا سيما ـ الآهات والأوجاع التي مرّت على بلد ، يعدّ أول من سنّ القوانين والأنظمة الإدارية حتى عرفت بمسلة حمورابي إلا أن الشاعر، فبدلاً من أن يبرز الجوانب الايجابية لهذا البلد ، ركّز على آلامه الخاصة ، متخذاً منها نقل هموم شعب بأسره الذي امتد بآلامه الخوف المستبد أكثر من أربعة عقود .

        فعنوان القصيدة الموسوم بـ( سلالة الخوف ) يشير بدلالته العامة إلى الأسى والحرمان والاضطهاد والقتل والتهجير والدم المباح بلا جدوى من اهراقه سوى الحقد المحموم .

        فالخوف العائم في الوطن الجريح هو نابع من سلالة متأصلة في العمق ، ومتجذرة في التاريخ ، لهذا السبب عّبر عن مفردات الخوف العائم في القصيدة حتى شكلت مفردات سالبة في الوعي الاجتماعي والإنساني ، انظر إلى معجمه الشعري في القصيدة ( الحمل الثقيل ،  المقصلة ، ماتت ، سيرة للموت ، سلسلة تكبل سلسله ، حيرة ، معضلة ، دماء أسلافي ، مشكلة ، سلالة للخوف ، لتخذله ، الخيبات ، النكبات ، القصص القصار المهملة ، الحروب  ، الموت ،  منجله ، مقاتل ، نبكي ونبكيه ، تذرفنا العيون ، مأساتي ، مهزلة ، غادرت ،  اكسر ، يحتطبون ، يمحو، تيهي ، أخشى ، قنبله ، قطعوه ، مستاء ) ، إذ نجد هذه المفردات طاغية على النص ، وما يندرج ضمن حقلها الدلالي من هموم ثقيلة .

         ومثلما يعتمد النص بناؤه اللغوي على مفردات ذات دلالة سالبة أيضاً ، يعتمد على مفردات ذات دلالة ايجابية ، بل موحية بالفرح والتطلع نحو المستقبل والتحدي والإباء ( حملت ، رميت ، رفعت رأسي ، آمنت ، عرفت ، فليفرح ، نبصر ، نروي امنحها ، غازلتني ، ترنح ، يقبل ،سيل تدفقي ، أصبح ، يعود رأسي ، يحمل )  إلا أنّ المفردات السالبة  تبدو هي أكثر مقارنة بالمفردات الموجبة .  

         يستهل الشاعر قصيدته بحركية الفعل الماضي المبني للمجهول في تكثيف الحدث ؛ ليحذف الفاعل ويقيم المفعول مكانه من باب إخفاء الفاعل الحقيقي ؛ لكونه معلوماً لدى المتلقي ، وإبراز المفعول ؛ لأهميته وإظهاره ؛ كونه هو الأهم في نقل المشهد ؛ وكونه نائباً عن فاعله ؛ لأنّ سلالة الخوف حملته ما لا يتحمل تمحلّه وفوق استطاعته .

      لقد استعمل الفعل المبني للمجهول ؛ لكي يلغي الفاعل الحقيقي من نظام البنى النحوية ؛ للتقليل من عناصرها التركيبية فينوب عنه المفعول به ؛ ولأنّ الفاعل الحقيقي هو مكون من سلسلة مقيّدة تتضمن حيرة الآتين والماضين ومعضلتهم ودماء الأسلاف التي هي أولى المشاكل وخذلان الناصر والخيبات والنكبات والحروب الآتية والموت الطريد في كلّ يوم على يد جلادين جُدُد من أمثال الحجاج الجديد والشمر اللعين الجديد وحرملة الجديد وكلّ المآسي القادمة ، فالشاعر تحمل العبء الكبير بما لا يستطيع تحمله الآخر الذي هو ليس  بالهين ، فقد تحمله بشدة المعاناة الجمعية ، لأنّ صوت الشاعر يمثل صوت المجموع المخزون في القصيدة  .

يقول :

حُمِّلتُ ما لا استطيع تحمّلَهْ       فرميتُ أجوبتي بوجه الأسئلَهْ

      فكانت تلك التنهدات الضيقة في تحمل أعباء الحياة ما لا طاقة للتحمل ، قد أنهت الحيرة بعد رمي الأجوبة في وجه الأسئلة التي كانت تراود الشاعر في الخلاص من هذا الخوف العائم والجاثم على صدر الوطن  .

     وقد انتهت الأجوبة بعد رميها بوجه الاسئلة فعلا ً، فأفصحت عن رفع الرأس في إنهاء المقصلة مهمتها في القضاء على سلالة الخوف اللعينة ، وهنا إشارة رمزية ذات أبعاد مختلفة ربّما يفهمها الشاعر على بعد واحد ، وقد يفهمها المتلقي عند أبعاد مختلفة ، في حين يؤول النص المفتوح أكثر من غيره المعروف بالمغلق في غرض خاص ؛ ولأنّ النصوص المغلقة أحادية الدلالة وتعدّ نصوصاً فكرية مثل حب الوطن أو المدح أو الفخر ، أما الذي بين يدي فانه نص مفتوح _ بلا شك _ للقارئ ، وقابل لتأويلات مختلفة منها :

البعد الأول : يشير الشاعر إلى انتهاء زمن حقبة من الظلم والاضطهاد من تسلط حكم جائر مستبد والمتمثل بالنظام الدكتاتوري في العراق .

البعد الثاني : القضاء على شخصية تاريخية كانت هي السبب الرئيس لهذا الخوف وكانت المهيمنة على سياسة العراق .

البعد الثالث : الإشارة إلى مكان آلة الإعدام التي كانت يستعملونه الطغاة  للتخلص من الأبرياء ، وهي رمز لمكان الإجرام الذي أودى بحياة الكثيرين من الشعب بالإعدام المادي ، فضلاَ عن الإعدام غير المادي للإحياء الباقين فهم أحياء ميتون - بلا شك - نتيجة الخوف من هذه الآلة ( المقصلة ) الذي يهرع منها المتلجد عند الشعور بنهاية حياته ، وتذهل حتى الطاغي نفسه ساعة عقابه بنفس الآلة  .

       فمن شدة الخوف وانتهاء رأس الظلم ، فالشاعر لم يكمل الآيات التي كانت يتلوها للخلاص من هذا الطاغوت ، فقد توقفت عند باء البسملة السببية المتمثلة بـ( بسم الله الرحمن الرحيم ) عندما أنهت المقصلة آلة الإعدام رأس الإجرام كما في قوله :

" لم تكمل الآيات حنجرتي

فقد ماتت على شفتي باء البسمله "

        ولم يكتف الشاعر بنقل مشهد المفاجئة الذي يشكل عنصراً مهماً من عناصر التشويق ، وهو مشهد نهاية سلالة الخوف العامة ، بل راح يستطرد في ذكر مواطن التحدي والصمود والإباء و والفخر بالنفس، وأيضاً نقل همومه وآلامه ، وهي بالأساس هموم شعب بكامله ، فالشاعر ينقل المشاهد بطريقة الأنا الفردية ( الصاعدة )  من أجل تحقيق الأنا الجماعية والشاعر لا يبحث عن ذاته بقدر ما يبحث عن هموم شعبه ؛ لهذا هو يتحدث عن لسان الحال الشعب المظلوم ، فالرأس المرفوع يمثل رؤوس الشعب - لا محالة - ، وقد استفاد من توظيف يعض الثنائيات الضدية في نقل الهموم ، وللإشارة إلى المتناقضات في الحياة ، ومنها في تشكيل مفردات التضاد ( رفعت راسي // يعود راسي ، الموت // الميلاد ، الآتين // الماضين ، التفصيل // الإجمال ) ، بل راح يبحث في ذاته من أجل ذاته في سيرة الحياة المقيدة بسلاسل من موت ، فالأنا الصاعدة تتساوق مع الأنا الجماعية ، لهذا السبب لخص حضوره في سرد هموم الماضين والآتين ، وهو يستذكر دماء الأسلاف التي تسير في أوردته ، لطالما سالت على تربة وطنه وهو يراها ، وهو في هذا العمل لا يفصّل في كل الأخبار ، فلا يريد الشاعر بكل ما سيفصح عنهم الإجمال في سفر الحروب ، فالشاعر غير مطالب بنقل كلّ التفاصيل والحقائق والجزئيات بل يشير إليها إشارة ، وهذا ما أراده وعلى المتلقي فهم الجزئيات والأحداث والوقائع والفتن التي مرّت على العراق ، لهذا نراه ينفث هذه الأمور بشكل تنهدات انفعالية متصاعدة بقوله :

" أنا سيرةٌ للموتِ

والميلادِ

سلسلة تكبّلّ سلسلهْ

أنا حيرةُ الآتينَ

والماضينَ

معضلتي بأنَّي معضلَهْ

آمنتُ أنَّ دماءَ أسلافي في أوردتي

بدايةُ مشكلَهْ

وعرفتُ أنّ سلاسةَ للخوفِ

تستدعي النصيرَ

لتخذلَهْ

أنا آخرُ الخيباتِ

والنكباتِ

والقصصِ القصارِ المهملَهْ

لا أملكُ التفصيلَ

في سفرِ الحروبِ الآتياتِ

لأجملَهْ "

      إن استحضار الموروث الديني والتاريخي وتوظيفه توظيفاً عصرياً يمنح القصيدة بعداً حضارياً وحسّاً معاصراً ، اذ يشكل الموروث الديني أصلاَ خصباً من أصول الشاعر قاسم والي ، وقد اقتصر على المضمون الديني الإسلامي في هذه القصيدة في بؤرة الرمز لقطبين مختلفين :

الأول : قطب الشرّ الذي يدور حوله المجرمون في سفك دم الأبرياء على مر العصور في بلد العراق ، ويتمثل في البعد الجرمي عند ثلاثة شخصيات مهمة في التاريخ الإسلامي :

الشخصية الأولى : الحجاج بن عبيدة الثقفي الذي نصب والياً على الكوفة من قبل حكومة بني أمية في امتصاص الثورات التي خرجت على نظام الحكم الأموي ، وهو رمز لكل طاغية هيمن على تربة العراق ، وهذا ما أراده الشاعر في كل زمان .

الشخصية الثانية : الشمر بن ذي الجوشن ، وهو أبرز الموالين لحكومة بني أمية ، فكان أشرس جندي في جيش عمر بن سعد تحت إمارة عبيد الله بن زياد على الكوفة يوم واقعة الطف في كربلاء ، وقد أجرأ بحقده وحسده على قطع رأس الحسين ( عليه السلام ) سبط الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، وحمله الرأس الشريف من العراق إلى حكومة يزيد في الشام .

الشخصية الثانية : حرملة هي النسخة الثانية في الشراسة والحقد على آل الرسول إذ كانت سهامه نصب صدور أل الرسول يوم الطف ، وقد قتل طفل الإمام الحسين المعروف بـ( عبدالله الرضيع ) دون أن يسقوه شربة من الماء ، وضرب قلب الحسين بسهم ذي ثلاث شعب .

القطب الثاني : قطب الخير الذي يزوره المؤمنون من كل بقاع الأرض بقلوب والهة وعيون حرى وأرواح متعطشة المتمثل بالإمام الحسين ( عليه السلام ).

        وهنا الشاعر استأثر بهذين القطبين : ليخاطب الصوت الآخر الغائب بعد نجاتهم من سطوة الجبابرة بعد سقوط صنم بغداد ؛ لأنّ الظلم لا زال مستمراً ومستشرياً في الوطن ؛ ولأنّ الموت تجسد بمنجله الذي يحصد الأخضر واليابس ويختلف عن سابقه في استعمال المقصلة كآلة للقهر والظلم في إعدام الأبرياء .

       فالذبح والقتل والتفجير لا زال قائماً ، وقد استعمل الشاعر آلة جديدة ( المنجل ) لدلالة البشاعة الكبيرة في الانتقام لدى الظالم ، وهي تتناسب مع السيف والرمح في موقعة الطف ، وهذه الآلة لا تعمل إلا حين الحصاد أو في قطع سعف النخيل كما يعرف عند المزارعين في العراق .

       فالطلب المجازي من الناجين من سطوة الجبابرة في زمن الظلم أن يفرحوا فيه ، هو فرح يحمل معه مواطن السخرية ، وهذا ما انطوت عليه القصيدة في هذه المواضع من نقد ساخر ، لحالة الوضع الذي يمر به الوطن وفداحة الخطوب ،  فالدم لم يتوقف من النزف على تربة الوطن ، والموت هو الموت نفسه عاد من جديد بشخصيات تنكرية لرموز الشر العائمة في البلاد ، وعلى الرغم من أنّ الموت أبدل آلة القتل وسفك الدماء في مجازره الجديدة وعلى أيدي مرتزقة ملونة بعيدة عن الدين ، وفي ذلك نوع من حالة استذكار لسطوة الأشرار مرة أخرى ، وبأسلوب آخر، فرواية مقاتلنا الجديدة هي رواية لمقتل الحسين ( عليه السلام ) في واقعة الطف في كربلاء ، وهي إعادة لرواية موقف الحسين( عليه السلام ) الذي يمثل رمزاً للتضحية والفداء والشهادة من أجل أحياء دين جدّه المصطفى ( صلى الله عليه وآله ) ، وهنا يرمز الشاعر إلى صوت الحق بوجه الباطل ، فالبكاء على أنفسنا ، هو نفسه البكاء على الحسين  ( عليه السلام ) ؛ لأنّ الدموع المذروفة من عيون ممحلة مملوءة كوعاء اللبن ، فهي ليس دموع الفرح بلا شك ، كما يظن الآخر ، بل هي دموع الحزن المتغيرة كتغير اللبن الذي يذهب طعمه قليلاً .

      اذاً رواية الأحداث والمقاتل الكثيرة التي مرّت علينا هي سوف نستذكرها عندما نروي مقتل الحسين ( عليه السلام ) في شهر محرم الحرام في العاشر منه تلك الحادثة التي وقعت سنة 61هـ في كربلاء ، فرواية مقتل الحسين ( عليه السلام ) في كل سنة ، هي حالة استذكار للآلام والفتن لمقاتل العراق التي مرّت على أبنائه في التاريخ المعاصر ، فضلاً عن البكاء وذرف الدموع على ذلك المصاب ، وهي حالة من حالات تطهير النفس في استذكار المصاب القديم ، وربطه بما يتناسب مع المصائب الجديدة ، وقد برع الشاعر في نقل هذه الصورة الشعورية إذ شكلت عنده نقطة إبداع في مخاطبة الشعور على مستوى الخطاب النفسي ، فذرف العيون الممتلئة التي تتغير قليلاً ، فبدلاً من أن تذرف العيون الدموع  قامت بذرفنا إيّانا يقصد الشعب لمراودة المأساة حياتنا ، فأصبحنا نحن المانحين للعيون تلك الدموع ؛ لأنّها في واقع الحال مغازلة هزلية لما نحن فيه من كبر المأساة والخيبات والنكبات  ، وها نحن نروي مقاتلنا في تزامن معاً مع مقتل الحسين عليه السلام من أجل ظاهرة التطهير النفسي التي أشار إليها الشاعر في خطابه النفسي  كما في قوله :

" فليفرح الناجون في وطني

لأنَّ الموتَ أبدل منجلَهْ

في كلّ يومٍ

نبصرُ الحجّاجَ

والشمرَ اللعينَ

وحرملَهْ

نروي مقاتلنا

إذا نروي الحسينَ بكربلاء

ومقتلَهْ

نبكي علينا

حين نبكيه

فتذرفنا العيونَ الممحلَهْ

راودت مأساتي

لأمنحَها الدموعَ

فغازلتني المهزلَهْ "

        بعد ذلك تحولت نبرة الشاعر من الشحنة الخبرية في رواية الأحداث إلى الشحنة الإنشائية ، ولم يكتف بالنقلة السريعة المفاجئة ، بل راح يسجل مشهدا ًبما يعرف حسن التخلص من غرض إلى آخر ، ومن أسلوب إلى آخر ، إذ سجل حضوراً في سلم الإبداع مرة أخرى متفاخراً بامتلاكه النص بكامله ، فهو يستطيع أن يتنقل في القصيدة حيث ما شاء ، هو يغادر إذا أراد المغادرة ، ويترك المعنى مترنحاً بباب أصوات القلقلة ، فثورة التمرد والإباء لدى الشعراء قائمة منذ زمن بعيد ، لهذا شاعرنا قاسم والي يفتخر بشاعريته عندما يصبّ قوالبه في استجلاب المعاني ، وهو يغادر روح النص حيث يتمايل المعنى بين يديه على حروف تمثل رمزاً للاضطراب والحركة والتوهج والغليان حتى قيل في البلاغة العربية إنّ المعاني أرواح الألفاظ ؛ لأن اللفظ جسد والمعنى روحه ، فالشاعر يمتلك زمام ناصية الشعر في استعماله مفرداتها وأساليبها وتراكيبها ، وهو يستطيع أن يتلاعب في أجناس الشعر كما تتلاعب وتتحرك الأصوات اللغوية المعروفة مثل أصوات القلقة ، وقد ذكر الجزء وأراد الكل ، لما لها من أهمية في العناصر اللغوية ، ولم يكتف بذلك بل يراهن على أن يكسر قالب اللغة العربية في عروضها وقوانينها الإيقاعية وحتى شكل القصيدة العمودية ، بل تحدى قانون شكل القصيدة العمودي ، ويطلب من النقاد أن يضعوا الأمثلة على ذلك في ليلهم  وقد وصف مهنتهم كحالة الفلاح المضنية في أيام الاحتطاب .

        وقد ناسب في التعامل بين سطوة الظالم في حقده في استعماله آلة القتل ( المنجل ) وهي آلة خشنة في الاستعمال مع الأشياء تشبه المناشير في القطع ، وبحث النقاد في الحصول على الأمثلة في ليل سهراتهم ، وكأنّ مهنتهم تتطلب العمل الجاد مثل مهنة الفلاح في الاحتطاب وجلب الحطب من سعف النخيل وغيره من مكان بعيد ، لقد استعار من الفلاح مهنته في تثقيف وتشذيب أمثلة النقاد المناسبة ؛ لما قام به الشاعر في كسر شكل القصيدة ، انظر إلى قوله :

" غادرتُ روحَ النصِّ

حين ترنَّح المعنى

ببابِ القلقلَهْ

أنا أكسر المعيارَ

والنقادُ يحتطبون ليلَ الأمثلَهْ "

        ويمكن أن ندرج بعض الملاحظات الفنية على بناء هذه القصيدة التي تمثل ظواهر تمرد في شكل القصيدة تشكل ملمحاً أسلوبياً في شعرية قاسم والي على مستوى شكل القصيدة  المعاصرة منها :

•1-     تحويل نمط كتابة القصيدة العمودية على نمط الشعر الحر يعدّ تمرداً على رسم نظام الشطرين وجعل القصيدة على نظام الشطر الواحد على الرغم من اختيار الشاعر الإيقاع الداخلي على  بحر الكامل ( متفاعلن ، متفاعلن ، متفاعلن = متفاعلن ، متفاعلن ، متفاعلن )  .

•2-              بناء القصيدة على تقفية موحّدة في البيت الأول دليل التزام الشاعر بالنمط الإيقاعي للقصيدة العمودية .

حُمِّلْتُ ما لا أستطيعُ ( تَحَمُّلَهْ )   فرميتُ أجوبتي  بوجهِ (الأسئلة ْْ )

 

•3-     التزام الشاعر بقافية واحدة مع روي واحد ( حرف الروي اللام مع هاء السكت )  دليل التزامه بالإيقاع الخارجي للقصيدة العمودية إذ لا يستطيع التخلص منه أبداً .

•4-     كسر القالب العروضي في أبيات القصيدة العمودية كلِّها بالاعتماد على خمس التفعيلات ما عدا بيتين حافظ عليهما بست تفعيلات في :

حملت ما / لا استطي / ع تحمله       فرميت أج / وبتي بوج / هـ الأسئله

مُتْفاعِلُنْ  / مُتْفاعِلُنْ   / مُتَفَاعِلُنْ       مُتَفَاعِلُنْ    / مُتَفَاعِلُنْ   / مُتَْفاعِلُنْ

........................................................

لم نكمل ال / آيات   حن / جرتي فقد     ماتت على / شَفَتيَّ با  / ء البسمله

مُتْفَاعِلُنْ    / مُتْفَاعِلِنْ    /  مُتَفَاعِلُن     مُتْفَاعِلُنْ    / مَتَفَاعِلُنْ   / مُتْفَاعِلُنْ

وبقية الأبيات كلّها على خمسة أبيات ، حتى قيل عنه إنّ (( الشاعر مغرم بكسر الرتابة وصناعة حالة الاستفزاز وصناعة المفاجأة كلّ هذا لا يمكن أن يتمّ عبر تراكم الهدوء وعبر تسلسل الأحداث حتى أنّه يشعرك وأنت تقرأ له إنّه لا ينفعل مع القصيدة بقدر ما يتماهى مع تركيبتها لما تفرضه من تأثيرات موضوعية تتداخل لتشكل ضربة شعرية انسرحت بتكثيفة عاليةومتأنية حيث يقف أمام وحدة شعرية متكاملة مهما امتدت مساحة الكلمات )) .

•5-     جميع أبيات القصيدة مدورة باستثناء البيت الأول بمعنى لا تستطيع قراءة البيت على نمط هذه الكتابة على نمط الشعر الحر دون الاسترسال في لحق التالي عليه ، فالمعنى لا يكتمل بدونه ، وهذا من نمط القصيدة العمودية مما جعل الأبيات تدور في حلقة مغلقة فلا يقدر القاريء التوقف حتى الشاعر نفسه أثناء القراءة ، فالبيت المدور يحتاج إلى نفس طويلة .

في ضوء هذه النقاط يمكن أن نرجح تجربة قاسم والي بالمزج بين النظامين العمودي والحر، وقد يستحسن عند بعض الشعراء المعاصرين وبعض النقاد ، وربما يعدّ عيباً عند الآخرين المتمسكين بالقالب العمودي كتابة وبناء وإيقاعاً ، فكلّ ما أقوله هو اتجاه في بناء شكل القصيدة العمودية تفرّد به الشاعر قاسم والي دون أن يعدم وحدة الموضوع ؛ لأسباب فنية منها تمطيط القصيدة العمودية لدى المتلقي القاريء على شكل قصيدة التفعيلة ( الحر) ومناسبة المتلقي ببصره لا بإذنه بعدما كان المتلقي سامعاً من قبل ، وهنا تشير هذه الظاهرة إلى انعدام حاسة السمع في قراءة النصوص ، كما كانت تلقى القصائد في المحافل والأسواق الأدبية ، وقد ساعد النص العنكبوتي في صفحات المواقع الالكترونية على إبراز الظاهرة في نمطية الكتابة ، إذ وجدتها عند بعض الشعراء الشباب المعاصرين .

        وعوداً على بدأ كانت الأبيات الأخيرة تشكل نقطة التحول وحسن التخلص من الأسلوب الخبري في سرد الإحداث والتتابع في نقل الحقيقة إلى الأسلوب الإنشائي ، ويسجل للشاعر حضور الشروع بالفعل المتمثل بالجمل الإنشائية ، وقد أشار إليه من قبل حين استدعى صيغ إنشائية متعددة منها :

•1-     أسلوب الأمر : وهو طلب مجازي هنا ، وليس حقيقياً ؛ لأنّ الأمر الحقيقي يمثل خطاباً بين اثنين من الأعلى إلى الأدنى ، إلا أنّ الطلب هنا يستدعي الالتماس ، والإنشاء هنا صادر من الذات والصوت الآخر الجماعي ( الغائب ) ، وهي مرحلة من مراحل الـتأهب والاستعداد والتنبيه ؛ لأنّ الموت سار لا محالة ،  وقد أبدل الشخوص المنفذين والآلة فقط  ؛ لأنّ الموت واحد على الرغم من تعدد الأسباب ،  فما دام ولادة الأشرار مستمرة في البلاد في صور مشابهة ، فالحجّاج والشمر وحرملة قد جاءوا بوجوه جديدة ، انظر إلى قوله :

" فليفرح الناجون في وطني

لأنّ الموت أبدل منجلَهْ "

•2-     أسلوب النداء والتمني : فكلاهما تحولا إلى مناجاة إلهية بذلك المتمنّى الذي لا يتحقق في أسلوب التمني المستحيل في تحققه ، لكن تواجد النداء معه شكّل منعطفاً في المناجاة القلبية الخفية في قوله :

" رباه .. ليت القلب يقبل صيغة للشوك

مثل قرنفله "

•3-     أسلوب الاستفهام : الذي انطوى على استفهام مجازي استنكاري ، فهو يلتمس الشخص الذي يمحو مراحله الأولى التي عاشها في التيه والتشرد ليبدأ مرحلة جديدة ، ولكن لا يحصل عليه ، فلا يوجد ذلك الشخص المطلوب في تلك المناجاة ، فالأجوبة التي رماها بوجه الأسئلة هي الثقل الأكبر الذي استطاع تحمله ؛ لأنها تشكل البحث عن طوي ومحو صفحات الماضي ليبدأ مرحلة جديدة ، ولكن ليت تلك لم تتحقق ، فالقلب لم يقبل بتلك الصيغة ( صيغة الشوك ) التي لا زالت تدميه وتؤلمه ؛ لتشكل نوعاً من التنهد مع الحسرة والحيرة مشبوبة بعطر القرنفل ، لهذا يقول :

حُملت مالا استطيع تحملَهْ

فرميت  أجوبتي بوجه الأسئلَهْ

..............................

رباه .. ليت القلب يقبلُ صيغةً للشوكِ

مثلُ قرنفلَهْ !!!

من لي بمن يمحو

لأبدل مراحل تيهي الأولى ؟ "

     ثم يختم الشاعر قصيدته بهاجس الخوف الذي وصل إلى حالة الخشية الخاصة المقرون بمعرفة نتيجة الحيرة الكبيرة بعدما كانت سلالة للخوف العام هي المهيمنة من أمر مجهول ، لهذا السبب أصبحت معضلة من تراكم دماء الأسلاف وخذلان الناصر وكثرة الخيبات والنكبات والإهمال والحروب والموت الذي أبدل آلة الحرب بآلة الذبح ، وهي المنجل لأنّها رمز للأسلحة البيضاء أو ما يعرف بالسلاح الأبيض في قطع الرؤوس الأبرياء بلا ذنب ، فكل ذلك ينتاب الشاعر رغم السيل المتدفق الذي سوف تحوله إلى حالة الخوف المسستر ، لكي يصبح قنبلة مفاجئة في دحر العدو المبطن ، بعدما يعود الرأس الذي قطعوه في حالة الاستياء حاملاً أرجله في الدفاع عن نفسه في حالة الالتحام مرة أخرى ، ولم يقصد الشاعر رأسه نفسه تماماً وإنما أراد من جسد الوطن المقطوع رأسه منذ زمن ليس ببعيد ، وربما يقصد تعبيراً رمزياً عن الأبرياء التي قطعت رؤوسهم بسبب الحروب والفتن بلا جدوى وفي أماكن الإعدام ، وهي صورة في غاية الإبداع والمبالغة الفنية على مستوى تشكيل الصورة الفنية كما في قوله :

" أخشي

إذا أنهيت سيلَ تدفقي هذا

سأصبح قنبلَهْ

ويعودُ رأسي بعدما قطعوه مستاءً

ليحمل أرجلََهْ "

وهي صورة متخيلة أشبه بالصورة الحلمية ، قد انطوت على الغلو والإغراق والمبالغة في التصوير ، وهذه من سمات الشاعر في ابتكار المعاني الجديدة  .

       ويضاف إلى ذلك لا بد من الإشادة إلى قدرة الشاعر على الاستفادة من توظيف المجاز الاستعاري ؛ لغايات تبعث على حيوية النص وتجدده ، فالخوف له عمق متجذر كسلالة الآدمين في النسب ، وكذلك العيون كأنّها الوعاء المملوءة باللبن المتغير لفترة معينة ، وكذلك مراودة المأساة ومنحه الدموع ؛ لما قامت به العيون من ذرفه ، وأيضاً مغازلة تلك الحالة المأساوية ، وكأنها مهزلة لما تحمل من سخرية المراودة امتد إلى مغادرة روح النص بعد تجسيمه ، والاحتطاب ليل الأمثلة ، فكل ذلك يستدعي أنسنة الأشياء غير العاقلة وجعلها مجسمة تمتلك الإحساس والشعور والتفاعل مع عمق الشاعر وتجربته الشعرية .

       وفي مسك الختام يذكرنا الشاعر قاسم والي بشعراء حركة التجديد في العراق في الأدب الحديث أمثال السياب ونازك والبياتي ، كيف استثمروا ثقافتهم المتنوعة في توظيف الموروث الديني والتاريخي والشعبي في بناء قصائدهم من أجل إحياء شعرهم بالصور الرمزية المعاصرة ، وتوثيق قصائدهم بمعجم شعري منفرد  يعتبر سجلاً عاماً لكل الأجيال ، فضلاً عن أن هدفه السامي مخاطبة العام دون  الخاص ، ولهذا السبب جاءت هذه القصيدة في البحث عن الذات الجماعية بوساطة الأنا الفردية الصاعدة .

  

روافد المقالة :

•·        تراتيل أوروك ، قاسم والي ، دار الينابيع ، سورية ، ط1 ، 2010م

•·   عندما تتشظى التراتيل- قراءة لمجموعة قاسم والي ( تراتيل أوروك ) ، عبد الكاظم حسوني  .       www.alsamawa.byethost3.com/?p=485

•·        قاسم والي في مواجهة المطر  - مدونة نجم الجابري  ، حوار صحفي مع الشاعر قاسم والي .                       aljabeire.blogspot.com/2011/05/blog-post_1597.html

متن القصيدة :

سلالة ُ الخوف  -   قاسم والي

حُمِّلْتُ ما لا أستطيعُ تَحَمُّلَهْ     

 فرميتُ أجوبتي   بوجهِ  الأسئلة ْْ

ورفعتُ رأسي بعدما أنـهتْ

مهمــّـتها عليهِ المقصلة ْ

لمْ تُكملِ    الآياتِ حنجرتي    

فقدْ ماتتْ على شفتيَّ باءُ البسملة

أنا سيرة ٌ للموتِ

والميلادِ

سلسلةٌ تكبِّلُّ سلسلة ْ

أنا حيرة ُ الآتين

والماضين

معضلتي بأنّيَ معضلة ْ

آمنتُ أنَّ دماءَ أسلافي بأوردتي

بداية ُ مشكلة ْ

وعرفتُ أنَّ سلالة ً للخوفِ

تستدعي النصيـرَ

لتخذلَهْ

أنا آخرُ الخيباتِ

والنكباتِ

والقصصِ القصارِ المهملة ْ

لا أملكُ التفصيلَ

في سفرِ الحروبِ الآتياتِ

لأُجملهْ

فليفرح الناجونَ في وطني

لأنَّ الموتَ أبدلَ منجلهْ

في كلِّ يومٍ

نبصرُ الحجّاجَ

والشـمرَ اللعينَ

وحرملة ْ

نروي مقاتلـَنا

إذا نروي الحسينَ  بكربلاءَ

ومقتلهْ

نبكي علينا

حينَ نبكيهِ

فتذرفنا العيونُ المُمْحلة ْ

راودتُ مأساتي

لأمنحَها الدموع

فغازلتني المهزلة ْ

غادرتُ روحَ النصِّ

حينَ ترنَّحَ المعنـى

بـبابِ القلقلة ْ

أنا أكسرُ المعيارَ

والنقـّادُ يحتطـبون

ليلَ الأمثلة ْ

ربّاه .. ليت القلبَ يقبلُ صيغة ً للشـوكِ

مثلَ قرنفلة ْ !!!

منْ لي بمنْ يمحو

مراحلَ تيهيَ الأولى

لأبدأَ مرحلة ْ ؟

أخشى

إذا أنهيتُ سيل تدفقي هذا

سأصـبحُ قنبلة ْ

ويعودُ رأسي بعدما قطعوهُ مُستاءً

ليحملَ أرجله ْ !!!

 

   قاسم والي

 

 

 

 

د. مرتضى الشاوي


التعليقات

الاسم: فراس حمودي الحربي
التاريخ: 2011-08-06 06:26:04
د. مرتضى الشاوي

---------------- /// رائع ما خطت الانامل لك الرقي وسلمت نيرا

شكرا دمتم سالمين ياابناء النور

تحياتي الفراس الى الابد سفير النور للنوايا الحسنة




5000