.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الحلة في مذكرات أحمد سوسه

د. سعد الحداد

     تفــوح الحــلة الفيحــاء منــه     بطيب الذكـر والفضل العميم   

  المذكرات ... هي شخص ، بيئة ، مجتمع ، امة ... وهي بيت ، زقاق ، محلة ، بلد ، دول ، عا

         والمذكرات ، تاريخ عام...و تاريخ سري حافل بالمتناقضات مليء بالمفاجئات وهي تاريخ ما أهمله التاريخ ... وهي أفكار ومشاريع كان لها أن تنمو ، وربما نمت في بعض أنساقها الطبيعية وربما زاغت في بعضها فلم تثمر وحسناتها أنها صدرت عن رأي وعقل ، أريد لها مصيراً فجاءت مثلما أريد لها أو تعاكست معه .

         والمذكرات هي أشبه بحلول لعُقد مرّ بها كاتبها في فترات سابقة ، منشأ هذه العُقد يعود لأسباب يقف في مقدمتها ارتباك العصر واضطراب الأحداث التي عاشها ، كذلك الرواسب المتراكمة التي تتجلى بالتبصرة ومحاسبة النفس فتنبذ فوق الورق ، بنفثات مصدور أو هموم مغرم ..

         والمذكرات سجل حافل ومرآة صافية تعكس ما يعتمل في الذهن والوجدان من مشاعر وأفكار، أما مذكرات المرحوم د.احمد سوسة الحلي فهي سجل حافل استمد قوته من صراحته واكتسب انجذاب النفوس إليه من سهولة طرح دون تفلسف ، وامتاز ببساطته من واقعيته ، فهو سجل خالد من سجلات الخالدين وصفحات مشرقة من أيام سيرة إنسان مجاهد وطًًّن نفسه على تحمل الصعاب من أجل إعلاء اسم بلده .

         ومذكراته تختلف عن غيرها من المذكرات لما للرجل من مواقف كبيرة خالدة كشف من خلالها عن مغالطات زائفة حين سبر أغوار التاريخ وأماط اللثام عن حقائق كادت تدرس لولا شجاعته في الكشف والإعلان عنها .

          في مذكراته مدن ... مدن كثيرة ... لكل مدينة طابعها وخصائصها وأبعادها المؤثرة وأناسها وعالمها الخاص ، مدن تفاعل في أجوائها حتى كونت منه رجلاً ودونّ هو فيها تأريخاً لا معاً .

          والمدن مكان ، والمكان هو ارتباط (روحي ومادي ) وهو وحدة متجانسة مع كينونة الإنسان يحملان معاً هاجس التفاعل

 (ايجاباً أو سلباً )

والتمحور الذاتي العاطفي ، خاصة في المراحل الأولى من حياة الإنسان ... ومهما بلغ تقادم الإنسان في الزمن تبقى عرى التجاذب الروحي قوية في نفسه ، مؤثرة في اتجاهاته وميوله وسلوكه ...

         والمدن كالشجر فيها الجذر والساق والغصن والثمر ... والجذر أصل والحلة جذر ، لذا كانت لنا وقفة مع الجذر في مذكرات لذا كانت لنا وقفة مع الجذر في مذكرات د. احمد سوسة ...فقد اتصف المرحوم بدور الشاهد على تاريخ يُصنع في مدينة ، وصفة الشاهد توحي بأهمية المعاينة والمعايشة لا النقل والرواية مما يعطي زخماً معبراً صادقاً للحدث بعين لاقطة موثقة عما يدور حوله من أحداث ومشاهد مؤثرة دون التدخل في برمجة الخبر أو إضفاء هالة من التشويق أو التهويل . وهذا يعني أن ما مدوًن مُشاهدٌ حقيقة وحاصل فعلاً ، فعليه أن الاعتماد عليه يعد مصدراً مهماً من المصادر التاريخية .

        ولو أفرزنا السطور المبثوثة في كتاب (حياتي في نصف قرن) للمرحوم بما يتعلق بالحلة حصراً أو ما جاورها كبابل ، لخرجنا بجهد طيب يؤرخ للمدينة بقلم صاحبه وعلى الرغم من قصر الفقرات وقلتها فأنها تعطي صوراً من زوايا مختلفة عاشتها الحلة في العقدين الأول والثاني من القرن العشرين .

         يبدأ المرحوم سوسة بسرد تفاصيل انتقال أسرته الى الحلة محدثاً : " وقد سكن والدي بغداد فكانت له الخبرة في الشؤون الزراعية والإدارية ما حمل آل دانيال ، وهم من كبار الملاكين المشهورين في العراق ، أن يعهدوا إليه بإدارة هذه المقاطعات ، وبحكم عمله هذا انتقلت الأسرة الى بلدة الحلة التي اتخذت مركزاً رئيساً لإدارة هذه المقاطعات الزراعية . وفي هذه البلدة الريفية الجميلة كانت ولادتي سنة 1900 ميلادية . والذي أفطنه جيداً أن جدنا الأخير توفي ودفن في الحلة وأنا لم أتجاوز السابعة من العمر

* (صفحة 70).

         ويهمش حديثه بهامش مهم عن الحلة أو جز فيه جغرافية الحلة وتأريخها . منه ان الحلة كانت في العقد الأخير من القرن التاسع عشر مركزاً للمتصرفية التي كانت تشمل الديوانية والدغارة . ويكرر هذه المعلومة في الصفحة 108 عند الحديث عن والده وسفراته المتكررة الى الديوانية.

            وفي مكان آخر يصف مكان ولادته فيقول : " رأيت النور لأول مرة في دار بسيطة في احد شوارع الضيقة في بلدة الحلة الفيحاء "

. (ص 107) .

           والحلة كما يصفها سوسة " كانت ... مذخر العراق وأنبار البلاد تجهز الحبوب للاستهلاك والتصدير، وكان معظم أسرها يتعاطون الزراعة وتجارة الحبوب ، إذ كانت هذه الحبوب مصدر معظم المعاملات التجارية فلأرتفاع أسعارها أو هبوطها الشأن المبين في تكييف حياة أكثرية سكان البلدة كلٌ  بنسبته 

 (ص 107) .

             بهذا الوصف حدد سوسة الطبيعة الاقتصادية للحلة وعلاقتها التجارية مسترسلاً في وصفه الى جوانب أخرى عن مجتمع ومدينة ، عادات وتقاليد وحياة اجتماعية لم يعد لبعضها وجود مظاهر في عصرنا الحاضر مما يمكن عدّها وثيقة تاريخية ...

" وتقع الحلة قرب بابل في محيط الفرات الأسفل في وسط محيط ريفي زراعي ، كانت بحكم موقعها هذا منزوية عن العالم الخارجي ، محافظة على العادات والتقاليد الموروثة ، وكان يتجلى فيها مظهر البساطة والسكون بأجلى بيان – وفي كل وقت ومكان – ذلك المظهر الذي يجمع بين البداوة والمدينة فيكون من امتزاج العنصرين واحتكاكهما حياة تعاون وتآزر تنطوي على تبادل في الآراء والأفكار واشتراك في العواطف والميول ... وإذا ما خرج المرء من داره في الصباح وسار في أزقة المدينة وأجال نظره فيها فكأنه يشاهد مسرحاً اجتمع عليه الأفندي بطربوشه والفلاح بكوفيته ، والشيخ البدوي بعقاله ، والحضرية المحجبة والبدوية السافرة ، والفارس على ظهر فرسه والراجل المتأمل والتاجر والعامل : الكل في حركة فطرية لا يشوبها اصطناع ولا زخرف ، واهم ما  يسترعي النظر قوافل الجمال ترى فيها الإبل تتهادى في مشيتها في الأزقة والشوارع بين هذه الجموع دائبة في نقل الأطعمة فلا يعيقها نهار قائض ولا يروعها ليل دامس ، حركة اجتمع فيها العمل والهدوء والسكينة في آن واحد فكان فيها من آيات القناعة والاطمئنان ما جعل الجميع يحمدون ربهم على نعمه وخيراته "

 . (ص107) .

            هذا ما حدثنا به المرحوم سوسة ونردف ما يؤكده في صفحة أخرى وكيف قضى أيام طفولته وصباه قي هذه المدينة الغناء التي ما انفك يصفها بـ (الفيحاء) فيقول : " ها هو الوسط  الذي عشته وترعرت في أحضانه ، بين المدينة والريف ، فقضيت فيه أسعد أيام حياة الصبا مترعرعاً بين أحضان الطبيعة متلازماً برداء البساطة والفطرة ، محباً للانسانية ، ذلك ما جعلني أُحب ما أحبه العرب ، وأميل الى حيث اتجهت ميولهم ورغباتهم وأمانيهم في الحياة

 (ص 108) .

             من هذا النص نستجلي القيم الفاضلة والأخلاق الحميدة في المجتمع الحلي من خلال فرد من أفراده استطاع أن يوجز  لنا في سطرين عشرات الأوراق في علم الاجتماع ... فما البساطة والفطرة إلا رداء المجتمع ، وما الإنسانية غير امتياز لأهل هذه الحاضرة . مما يستدعي التذكر لمئات الأسماء من علماء وأدباء وفقهاء هاجروا الى الحلة وسنكوا فيها حتى أوصوا أن يدفنوا في ثراها ، وتلك قبورهم شاهدة ناطقة على إنسانية هذه المدينة المحبة للخير . وما العرب إلا أهل الحلة وميولهم ورغباتهم وأمانيهم مبعثها ما تقدم من البساطة والفطرة ممثلة بفضيلة الحب الإنساني العظيم دون تفريق في لون أو جنس أو دين .

                  تلك هي النشأة ... ومن النشأة نستخلص ملامح  تأريخية واجتماعية كثيرة سجلها يراع المرحوم سوسة كذكريات ويقيناً أنها تفيد الباحثين المختصين فــهي معلومات ، بالرغم من مرورها العابر غير أنها مفيدة .. نلتقط منها لقطتين . الأولى ، يقول المرحوم سوسة " لم أكن اعرف شيئاً عن المسيحية "

(ص 71) ،

ويهمش بقوله : " مع انه كانت في الحلة عائلة مسيحية كان رجالها وكلاء لجهات أجنبية يخمنون عرق السوس ويشحنونه للاستعمال في صنع العقاقير في الخارج " .

             وصورة أخرى عن المدرسة الاليانس ، إذ يسرد معلومات تأريخية مهمة وهي أن هذه المدرسة أهلية تقوم بإدارة شؤونها الجمعية الاسرائلية الفرنسية في الحلة ، تُدرس فيها الفرنسية والعبرية والتوراة للطلاب اليهود . والفرنسية هي اللغة الأساسية للتدريس وقليل من العربية والتركية . وفي هذه المدرسة كان عدد قليل من الطلاب المسلمين. يقول سوسة ... "  كان ميلي الى مخالطتهم أمراً طبيعياً " ، وقد افتتحت هذه المدرسة عام 1907 م وكان عدد طلابها سنة 1910 م (175) طالباً .

           وللمهتمين بأوائل الأشياء نذكر أن المرحوم سوسة في سنة 1919 م انتهز فرصة استيراد سيارة أهلية (من صنع فورد) من الهند ، وكانت أول  سيارة أهلية تدخل مدينة الحلة مما حدا به الى هجر فرسه

 (المعنكية) .

 

أيام الرعب

              كتابة التاريخ وتدوين الأحداث من مهام المؤرخ والباحث في التاريخ . أما المذكرات فهي صفحات مشاعة من التاريخ المعلن وغير المعلن تكشف في طياتها أسراراً وخفايا كثيرة .

               ومن التاريخ  القريب الذي مرّ فيه المؤرخون مروراً سريعاً دون تحليل للأسباب والدوافع للعثمانيين في إشعال فتيل الدمار والقتل في مدينة آمنة ؛ ذنب أهلها أنهم رفضوا الذل والتسلط الأهوج . لمدينة لا ينبغي لأبنائها على تقادم الأيام أن ينسوا ما حدث في العقد الثاني من القرن العشرين من قمع وتشريد وإرهاب ... يوم استباح القائد العثماني (عاكف بك ) المدينة مروعاً أهلها .

             واذا كانت الكتب التي أشارت الى الواقعة لم تتوسع في بحثها فعلّة ذلك قلّة المصادر المؤرخة للواقعة وعدم التوثيق الآني يومها بالشكل الذي يؤمن بقاء الحدث متواتراً في الأذهان والعقول. لقد أحسن صنعا  المرحوم سوسةً وهو يصفها بـ (أيام الرعب) ، فتلك الأيام شاهد حيّ على وحشية المستعمرين ، أما أهمية ما كتبه سوسة فيندرج في إثبات تأريخية الواقعة كشاهد عيان أحس بمرارة ظروفها حتى صورها بالمرعبة وما أدراك مالرعب !

موثقاً كتاباته بإحصائية مهمة عن عدد الشهداء الذين ضرجوا بدمائهم الزكية ممن  أُعدم او قتل ، وهي احصائية جديدة لم ترد في كتاب سابق إذ أورد أن عدد من شُنق (137) فرداً اما القتلى فكان عددهم (500) قتيل ، وصور مشهد الناس وكأنه يوم الحشر مستعرضا قساوة العثمانيين ومعاملتهم السيئة لأهالي الحلة ...

أقول لقد استطاع المرحوم ان يهيئ للباحثين مصدراً موثوقاً به كشاهد على حقبة مريرة من تاريخ الحلة أوائل القرن العشرين على الرغم من عدم تطرقه إلى ذكر أسماء من كان لهم دور في ذلك من قادة أو علماء أو أهالي ...

لا أريد أن انقل النص كاملاً فهو طويل ، وسأكتفي بذكر بعض الأسطر مما كتبه المرحوم سوسة:

" جاء عاكف بك قائد الحملة مشبعاً بروح الغدر والفتك كالاسد الكاسر الجائع الذي يواجه فريسته ، جاء هذا الوحش المفترس وأخذ يسوق رجالات البلد الرعيل بعد الرعيل الى المشنقة فشنق بصورة علنية في اليوم الأول 28 شخصاً من شخصيات البلد ، وكذا في اليوم الثاني والثالث والرابع الى مدة شهرين شنق خلالهما (مئة وسبعة وثلاثين) شخصاً ، وقتل ما يقرب من (500) شخص حاولوا فك الحصار الذي فرضه على المدينة للحيلولة دون الدخول اليها او الخروج منها . ولم يكتف بذلك بل تصدى الى الأعراض وسبي النساء والأطفال والشيوخ دونما عطف ولا شفقة ونفاهم عن بيوتهم الى تركيا ... " ومنها " خرج الناس وكأنهم في يوم الحشر فكانوا يتدافعون وتسابقون بينهم شيوخ مقعدون  يحملهم أهلهم على ظهورهم للنجاة بهم وأطفال يركضون وراء آبائهم وأمهاتهم وقد اخذ البكاء والهلع منهم مأخذه ونساء محجبات يصعد عويلهن الى عنان السماء ... عويل الاستغاثة وطلب الرحمة ... ولكن أين الرحمة من قلوب الطغاة ! "

 (ص 186 – 187 )

الاحتلال والثورة

أما عن الاحتلال البريطاني ثم اندلاع ثورة العراق الكبرى سنة 1920 م ، فان المرحوم سوسة اقتصر على ذكر الخبر بعجالة بالرغم مما قال بأنه قدر له ان يعيش في وسط أحداث الثورة العراقية وما انطوت عليه من تضحيات وبطولات أبناء الفرات في سبيل الحرية والاستقلال ولم يدون في مذكراته شيئاً غير ما تقدم علماً أن الحلة كانت مسرحاً مهما إبان اندلاع الثورة . ولعل المرحوم دوّن في أوراق أخرى بعض مشاهداته وذكرياته .

       ما تقدم كان ايجازاً يخص مرحلتي الطفولة والشباب – ليبدأ تاريخُ يسجل لسوسة أولى خطواته على طريق تحصيل العلم ... وهناك في بيروت يحط رحاله في الجامعة الامريكية ثم يبحر بعدها الى أمريكا ليبدأ تاريخاً جديداً يُسجل له كل عنفوانه .

من هذا التاريخ نستقرئ ما دونه عن الحلة ... حيث الحنين الجارف والذكريات المليئة بالاحداث والحديث بعقلية المتعلم بعد تجربة حياتية حافلة بالنشاط العلمي والمعرفي .

يقول المرحوم سوسة " مرت في حياتي في عهد الصبا حوادثُ ثلاث كان لكل منا أثر كبير في تكوين شخصيتي الثقافية بشكل خاص تمخض عنها نتاح علمي مفيد "

(ص 28)

والحوداث بإيجاز شديد هي :

الحدث الاول : اعتناق عمه شاؤل للإسلام

الحدث الثاني : مشروع ري سدة الهندية .

الحدث الثالث : الولع بالآثار والتاريخ .

 

ومن هذه الحوادث يظهر جلياً  ما للحلة من تأثير كبير مبكر في نشأته وتكوين شخصيته الثقافية . فاعتناق عمه للإسلام هيأ اعتناقه للإسلام في فترة لاحقه من حياته ، ومشروع ري سده الهندية الذي عايش افتتاحه عن كثب مع أهالي الحلة أيام صباه

(سنة 191م)

قُدر ان يكون مسؤولاً عن إدارة شؤونه . اما ولعه بالآثار والتاريخ فذلك سببه قرب مسقط رأسه من المعالم الاثرية في بابل وكيش مما سهل انجذاب الفتى لهذا العالم الرحب . وهو القائل : " قرب بابل خلقت . وعلى ضفاف الفرات نشأت وفي وسط أحاطت به عظمة اجتذبت أفرنج أوربا لما حوته من آثار هي أس معجزات حضارتنا "

. (ص 185)

ويجمع ما ذهبنا اليه من قوله " أحببت فيحائي وحقولها فهي مسقط رأسي ومنبت ذكريات خالدة وكعبة الأماني . كم شربت من آبارها وهي محرومة من ماء الفرات العذب ثم بفضل مشروع سدة الهندية ارتوينا كما ارتوت ارض بابل العطشى  " ....

" أحببت وتعدت محبتي ما يحيط بمزارع الفرات ومن عاشها ... أحببت رفاقي وبجلت كبار فيحائي ومشايخها " .

 (ص 186)

هذه النصوص المقتطفة من مذكراته تلهب حماس الروح لما فيها من طاقة كامنة لا يعرفها الا الأوفياء من المحبين لمدنهم ، فانعقاد الصلة منوط للذين لم تفارق المدينة مخيلتهم ولم تمحها الايام من مذكراتهم . اينما كانوا وحلّوا تتراءى لهم بكل بهائها ومجدها وعظمتها .. للذين لهم قلوب صافية لا ينكرون أفضال ما قدمت لهم ويجحدون ما أنعمت عليهم من عطائها الثر ...

يقول المرحوم سوسة : " تلك هي ليالي تقرأ تاريخها على صفحات قلبي ، هي ايام صباي وضعتْ حجر الزاوية لأساس حياتي ، مبدأي ، ومعتقدي ، زملتني برداءة الفطرة البدوية العربية ووضعت على جيدي طوقاً بالروح العربية مرصّع .. ايام ولياليها مضت ولكن ذكراها في نفسي خالدة ، وصورها في جوف قلبي مرتسمة .. سعيد وربي من عاش بين ترع الرافدين وزروعها " .

 (ص 187)

نعم إنها الحلة ...

 وحين يفارقها يشهر بالغربة والألم فيثار فيه الحنين اليها ، نعم انها الحلة بل العراق ... " وما أصعب الفراق ! فودعت الرفاق ومدمعي ملء الدموع قاصداً بلاداً غريبة تاركاً ورائي العزيز في الحياة من رفيق ونسيب صديق وقريب ، بلاد وديار .. " رحلت ، وقد سجلت دموعي  وعداً هو دين عليّ فبالوفاء بالوعد أًبحت تدور آمالي وأحلامي " .

(ص 188).

نعم سمّه ما شئت .. غير أني اسميه الحنين ... تلك الكلمات الشفافة المعبرة عن حالة سوسة في القرية تترجمها كلماته المدونة في مفكرته في يوم الاثنين 20 نيسان 1925 : " ذهبت هذا اليوم الى الحلة الفيحاء مسقط رأسي وموطن صباي فصار قلبي يخفق حنيناً وشوقاً وأنا اجتاز الشوارع في طريقي الى دارنا . "

 (ص 159)

وهل بعد هذه المشاعر من حديث ؟ فالعودة الى الجذر وسر عظمة ما رأى في الغربة من تطور كبير حالتان متناقضتان ... لكنه كان قد أدرك سر وجوده وكانت صحوته اكبر من دهشته وانبهاره بما رأى وهو الذي رأى كل شيء ... فالحنين اكبر من التأقلم مهما كانت المغريات . وها هو يقول : فما أجفى حياة المرء في ديار الغربة حتى مع اسعد و أوفر الظروف المعاشية المادية

(ص25)

ولله دره وهو القائل : " إن حبي لوادي الرافدين معجون بدمي

" (ص 73 )

وقديماً قال الشاعر :

كم منزل في الأرض يألفه الفتى

                                         وحنينه أبدا لأول منـــزل

 

 

 (*)  شاعر ومحقق، له العديد من الاصدارات، محافظة بابل

د. سعد الحداد


التعليقات

الاسم: دسعدالحداد
التاريخ: 2011-04-28 12:10:33
الاخ العزيزسعدالمظفر شكرا على مرورك وشكرا لذكرياتك المؤرشفة لفعل مأساوي كفانا الله شره .

الاسم: سعد المظفر
التاريخ: 2011-04-28 10:39:56
لذكريات الحلة سلامي الف تحية لك د.سعد الحداد




في الذاكرة

المكان/أمن الحلة/الزمان1998/5/الساعة الثانية بعد منتصف الليل حتى الفجر/الاسم/أيمان/ألمهنه/طالبه في كلية الحقوق جامعة بابل مرحلة ثانيه/ضابط التحقيق /نقيب ثائر من أهالي القاسم

عيناكِ مذبوحة الندى
على المشانق
أرجوحة
طفلة ليس أوان العرس
على المهرة الخشبية الحمراء
عيونهم الخزفية تزفك
ويفرجون ساقيك بكعوب بنادقهم
التهمة
تعشقين تقاسيم الوطن
حين جلدوني
كانت العصي عكاكيز أيديهم العمياء
لها في جسدي مأرباً كثيرة
وفي جسدكِ
وكنت تبحرين بالنزيف
نهداك.. سيفين يقاتلان الذكورة
أي سبورة للحلم والضوء أنتي
ولكن هيهات
من عميت قلوبهم
لا ترتد أيديهم بصيرة




5000