.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


النص المفتوح بين الضرورة والأسباب

فارس الفايز

  مرّت القصيدة العربية أثناء مسيرتها الطويلة بتحولات كبيرة، و بزغت في سمائها نجوم كثيرة ،أضافت لفضائها أنواراً جديدة غطَّت على ما تحول من أنجمها السابقة إلى ثقوب سوداء، وملأتها أشعة برَّاقة، وتلاوين ساحرة، وكان ذلك على يد شعراء مبدعين، وموهوبين كبار، فكان أبو نؤاس صاحب الخطوة الأولى في التغيير حين قاد عملية التحديث في المطالع، و استعمل الألفاظ المدنية الرقيقة بدلاً من الألفاظ الوحشية البدوية، ثم تبعه أبو تمام بنقلة كبرى، حين ملأ أبياته بالاستعارات، والمجازات المكثفة، وصار الشعر على يديه مليئاً بالفكرة، والصورة، بعد أن كان لا يعدو التشبيه الساذج، و التقريرية المباشرة مروراً بالإحيائيين، ثم مدارس الديوان، والمهجر، و أبوللو، إلى أن جاء الحدث الكبير، الذي خرج بالقصيدة العربية من تحت عباءة شكلها التقليدي الكلاسيكي، إلى آفاق الحرية، و الحركة، بجهود السياب ونازك الملائكة، و أخذت شكلاً جديداً يعبر عن مضامين جديدة، ويتسع لمطالب كبرى     ((لكي تحقق للشاعر من نفسه، وذبذبات مشاعره و أعصابه، ما لم يكن الإطار القديم يسعف على تحقيقه، و القضية لا تقف عند مزاج الشاعر، و إنما تتعداه إلى أكثر من ذلك، فلم يكن الأمر استجابة لتطور شكلي، و إنما كان كذلك استجابة لبنية مضمونية تبحث عن متسع لها...في ضل انتشار ثقافات متعددة، فلم يعد الشعر موقوفاً على أغراض الغزل و المديح والهجاء، و إنما انفتح على قضايا العالم الجديد، لم يكن باستطاعة الشكل القديم استيعابها )) ([1]).

     لقد كان هذا المولود الجديد فتحاً كبيراً في الشعرية العربية، وقف بصلابة و جرأة كبيرة، وتحدّى مصاعب الرفض؛ إلى أن وقف على رجليه شامخاً، و كان يحمل في بطنه تحولاً ((من تحولات الشعر أوجدته الحداثة، ومحاولات التجريب الشعري، و التطور الحتمي للأدب ذلك هو ما أطلق علية قصيدة النثر ))([2])، ولم تقف المحاولات التجديدية عند هذا الحد بل لا زالت مستمرة و متدفقة، تأتي كل يوم برافد جديد يصب في نهر الشعرية العربية، و العالمية، و لازال التجريب ضرورة ملحّة من ضرورات الحياة التي غدت تنطلق في كل ميادينها، انطلاقات صاروخية، يضاف إلى ذلك أن التجريب صار مظهراً من مظاهر التمرد على التقاليد، و الأعراف القديمة في الأدب، وتحول إلى هاجس يحثُّ الأديب على استغلال مادة جديدة، ومجهولة وذات صمود أمامه مما يثير فضوله، و انفعاله ويغريه بالتجريب، أن يرغمه على أن يرفض باستمرار كل الأعراف و المعايير والطرائق التي تحول بينه وبين هذه المادة، مانعة إيّاه عن إدراك كنهها، ويدفعه كذلك التصور الجمالي الذي يقول بالتمرد ضد القواعد القائمة، فيتحرك باتجاه ما يتطلبه الفن العظيم، فلا يختلف الباحثون في أن الفن العظيم كان دائما وعبر كل العصور هو ذاك الذي يمثل خرقا للعادي اليومي من مألوف القيم ،والأشكال الجمالية المضمونية ،أو اللغوية، بل يمكن أن تنسب إلى الخرق للمألوف، والمستقر من القيم كل التطورات والإبداعات التي تشمل حقول الثقافة والأدب والفنون والعلوم([3]) ، لقد رافق هذه التطورات في الأدب و الشعر، وعلى مستوى العالم كله ،وليس فقط في الأدب العربي تنظيرات نقدية، و قراءات علمية، وصفت ما يحدث، و درسته بتركيز وأثرت وتوسَّعت بتوسعه، فطالعتنا إنجازات كبرى، حجمها بحجم المنجزات الجديدة، تقف على دقائق الأمور، وتضيء الزوايا البعيدة، وتطالع الأشياء بعيون فاحصة، و كان من بين إنجازات هذه الحركة النقدية، الوعي بتداخل الأجناس، و المناداة بموت الأنواع الأدبية، فتوصَّل النقد الحديث إلى إن الكتابة:(( نص قبل أن تكون جنسا أدبيا محدداً، و أنَّ كل نص يعد جيولوجيا كتابات، أي انه يتكون من مجموعة من النصوص التقت فيما بينها بكيفيات مختلفة )) ([4]).

    إذ ترى جوليا كريستيفا: إن النصوص تتفاعل فيما بينها، فالنص عندها عبارة عن تشكيلة فسيفسائية ممتصة، أو متحولة تنقل النص من نظام دلالي قديم إلى نظام دلالي جديد ([5])، فكان لمثل هذه الحركات الرصديِّة الواعية أثره في الكشف عن تداخل ما هو نثري بما هو شعري، إذ بدأت الحواجز تذوب بشكل كبير، وصار لتطور الرواية، و الإقبال عليها وكذلك لشيوع القصة القصيرة وغيرها من أشكال السرد، إسهام في مثل هذا التداخل، وترسخ للفهم بأن (( النثر والشعر وجهان لعملة واحدة، وكلاهما يعمل على إيصال الأفكار، وكلاهما يكتب بطريقة جميلة )) ([6]) .

     وبما أن القصيدة العربية خطت خطوات كبيرة إلى أن وصلت إلى حلقة القصيدة النثرية، أصبح من الطبيعي جداً أن يكون((الطريق  ممهداً لتداخل الشعري والسردي))([7])، على الرغم من أن الشعر العربي كان قد أنطوى على ذاتية غنائية لم يخرج منها إلى الآن إلاّ بشكل ضئيل، (( كان الشعر العربي منصرفاً منذ الأزل في الأعم الأغلب من حالاته إلى التفكير في نفسه،  في همومه، في أفراحه و أتراحه الشخصية، مما جعل الغنائية تطغى، فقلَّ فيه بسبب من ذلك القصص، وخلا الحوار، فافتقدنا فيه الملحمة الطويلة التي تضاهي الياذة هوميروس، أو تحاكي المهبارتا الهندية، أو تضارع الشاهنامة الفارسية، وذلك لأن مناخ الحضارة العربية ضلَّ موضوعي النزعة، وموضوعيته هذه كانت تصدُّ أبناءه عن الإغراق في الخيال، والوهم المبتدع))([8])  .

     كان هذا حال الشعر العربي في القديم أما بعد الفتوحات الكبيرة التي بدأت على أيدي رواد الحداثة من شعراء التفعيلة وقصيدة النثر، واستجابة للتطورات الكبيرة في التكنولوجيا، والتغيرات الممتدة في كل زوايا الكون، وتماهيا مع الهزّات الفكرية المترتبة على الأحداث الكبرى في العالم أخذت الشعرية العربية يحثّها هاجسها في الانفتاح على الأدب العالمي، تتمظهر بتمظهرات جديدة، متأثرة بما جاورها، و نابعة من أصالة مبدعيها الذين وعوا تراثهم العظيم، وطوعوا لغتهم الخالدة في تكوينات إبداعية جديدة تعبِّر عن روح وثابة للانصهار في بوتقة التغيرات المتلاحقة، فكان    (( النص المفتوح )) واحداً من هذه التكوينات التي يمكن أن يقال عنها إلى حد هذه اللحظة بأنها لا تزال في طور الجنينية الساعية نحو تكوين الملامح الواضحة، فلا يزال هذا النمط الإبداعي محدود الانتشار، عصيّاً على التعريفات الدقيقة، مع الاعتراف بأنه ضرورة مرحلية لا بد منها بحكم هذا التداخل الإنساني على جميع المستويات.

     وللتعرف على هذا الكائن الجديد، نحاول أن نستقصي مجموعة من الدراسات التي سلَّطت الضوء عليه، ولعل من بين أهم الذين تكلموا عن النص المفتوح الدكتور( خزعل الماجدي)، فهو يقدم لنا رؤية جديرة بالعناية، إذ كتب تحت عنوان (قصيدة النثر العراقية وجذورها القديمة): إن الشعر السومري كان قصائد نثر استعاض عن الموسيقى العروضية بتقنيات التكرار، و المقابلة، و الوصف، و التشبيه([9])، وحين جاء الشعر البابلي فأنه كان (( موزوناً، وتنتظمه تفعيلات مفتوحة، أو حرة، و لكنه لا يلتزم القافية في نظام ثابت، فالقافية مرة فيه معدومة تماماً، ومرة كما في الشعر الحر، ومرة عمودية،  فهو مثل  ما أطلقنا علية في عصرنا الحاضر بقصيدة الشعر الحر ))([10]) ، وبعد ذلك ظهر في العراق الشعر العمودي، وقد رجح الماجدي كونه ناشئا من احتمال انتظام الشعر البابلي في قافية صدر وعجز، أو قافية بيت كامل تتكرر بانتظام، ثم أصبح العراق موطن الشعر العربي العمودي في العصر العباسي، وهكذا تبدأ العودة إلى صميم التراث([11]) (( بتحطيم بنية الشعر العمودي، ونشر تفعيلاته مع ترك الحرية لترتيب القوافي حسب مقتضيات القصيدة، وحاجة الشاعر إلى ذلك، وبعد هذه الثورة الشعرية بدأ التفكير بالتخلي عن الوزن والقافية))([12]) ،إن هذه العودة كما يراها الماجدي، (( تعني عودة الحرية، فبعد أن تعسفت الموسيقى كجنس فني خارج الشعر في تكبيل الشعر، وحولته إلى شعر تفعيلة، وبعد أن تعسفت الهندسة عن طريق التناظر، فخلقت من شعر التفعيلة شعراً عمودياً جاءت ثورة الشعر الحديث؛ لتزيل تعسف الهندسة أولاً، ثم تعسف    الموسيقى ))([13]) ،إن هذه الدورة تعني (( رحلة الشعر خارج ذاته، وعودته إليها مخصباً )) ([14]) ،لقد مارس الماجدي (النص  المفتوح)، كتابة وتنظيراً، ومن تنظيراته فيه بعد أن يؤكد: (( بأن النص المفتوح  لا يزال غير قاد على منافسة قصيدتي التفعيلة و النثر، وهو نمط ذوقي تكتبه نخبة خاصة تتصف بقدر كبير من المثابرة و الصبر )) ([15])، ثم يستمر واصفاً شخصية القادر على ممارسة هذا النمط من الكتابة (( إن النص المفتوح يحتاج إلى قدر كبير من شخصية السارد الملحمي والمعرفي، إنّه جنس شعري يتخذ من الكتابة فعلا شعريا مغامرا يقف بوجه متون السرد، والدراما والمعرفة الحديثة، منافسا لها قدر انطلاقه من أرض الشعر أنه مصالحة الشعر مع المتون، ثم تطويقها أو تفخيخها بنيران الشعر ))([16])، ويمرُّ الماجدي  بإيجاز كبير على المسيرة التاريخية للنص المفتوح في الغرب، وعند العرب والذي يهمّنا من هذه المسيرة البدايات العربية، إذ يقرر الماجدي أن" مفرد بصيغة الجمع " لأدو نيس 1977 تمثل بداية أولية لهذا النمط([17])، ومن أهم النقاط التي يترسمها الماجدي في النص المفتوح :

1.   النص المفتوح انقطاع شامل عن مفهوم القصيدة، أو شكل القصيدة، وإعلان عن نهاية تاريخ القصيدة ، وبداية نمط جديد هو شعر النص، أو نص الشعر الذي نسميه ( بالنص المفتوح )، وهو يتبنى كتابة الشعر عن طريق النثر بوسيلتين هما: إلقاء الإيقاع الوزني، وتبني شكل النثر وقوانين بنائه .

2.   يعتمد على البذخ اللغوي، ويسعى لتفجير اللغة، وشحنها وتصادمها، وهو نص لغوي بالدرجة الأولى، ويستخدم السرد، والدراما وغيرهما، ويكون هذا الاستخدام جزءاً أساساً من أسلوبية النص المفتوح ([18]).  

     ومن الباحثين الذين تناولوا هذا النمط الكتابي الدكتور ثائر العذاري الذي يعد  تعريفه للنص المفتوح من أهم التعريفات حيث يقول: (( النص المفتوح ببساطة عمل أدبي يستخدم تقنيات السرد للغة شعرية تمتاز بأعلى درجات الكثافة، وهو يختلف عن قصيدة النثر في عدم التزامه بنمط السطر الشعري، وبدلا من ذلك يتخذ شكل لغة السرد المتدفقة من غير وقفات فيزياوية إجبارية، على أن هذا الشكل لا يعطي كاتبه الحرية المطلقة في البناء كما قد يظن، بل على الضد من ذلك يدخل كاتب النص المفتوح عالما يفرض عليه السير على خطوط الحدود الفاصلة بين الأجناس؛ لأنه ما أن يحيد عن خط الحدود حتى يكتسب جنسية المنطقة التي حاد إليها، ويفقد صفة الانفتاح ))([19]).  

     وعلى نفس الموقع تطالعنا مقالة أخرى في نفس الشأن بالقول : (( يمثل النص المفتوح برأينا شكلا شعريا جديدا، ومظهرا آخر لجوهر الشعر، أو جسدا حديثا لروح الشعر، ويمثل أيضا تجليا طبيعيا لفحوى الشعر، فالشعر الآن يمر بمرحلة الفيض الفارابية، وهذا الفيض أنتج لنا الآن، وسينتج لنا أيضا بشكل اكبر مستقبلا: شكل النص المفتوح،  وأشكالا شعرية أخرى لا نعرفها؛ لذا يجب أن لا ننظر بمسألة اللجوء إلى النص المفتوح على أنها تقع في سياق التجريب والمغامرة               فقط ))([20]) ،ويرى الكاتب نفسه أنَّ السمة الأهم للنص المفتوح هي الطول؛ لكونه يتنفس من رئتي الشعر والنثر معاً، وأنه ثورة في وجه قصيدة النثر، كما كانت هي ثورة في وجه قصيدة التفعيلة، وكما كانت قصيدة التفعيلة كذلك ثورة في وجه قصيدة العمود.

      وفي جريدة البينة الجديدة نقرأ عن النص المفتوح : (( هو النص الذي يستفيد من كل تقنيات الأجناس الأدبية والفنية، ويستفيد من أي ومضة أو لمحة من ومضات التفكير، و يستفيد ايضاً من الواقع، ومن متغيراته، وذلك أن هذا النص هو وريث التطورات، و المنجزات في مجال الأدب والثقافة ))([21]) ،وفي السياق نفسه يؤكد الباحث بأن من (( يكتب النص المفتوح هو مثقف مدرك بما ينفتح عليه، ويتفاعل معه، وأن يكون خبيراً عارفا متمرساً يضع الشيء في موقعه المناسب )) ([22]) ، ويؤكد بأننا (( بحاجة إلى مثل هذا النص لكي نستوعب ونجسد ما ورثنا من انجازات أدبية وفنيه في نصوصنا المعاصرة، ولكي يحضر فيها تراثنا الأدبي و الفني، ولكي نتيح لمنجزات العصور السابقة حضورها في عصرنا الراهن، وهذا ما نطمح أليه )) ([23])، و للكاتب محمود النمر رأي في الموضوع إذ يقول : (( النص المفتوح هو جنس أدبي متطور في الرؤى و الأفكار، وهو كتابة تزحزح الرتابة التي هيمنت على الأجناس الأدبية، وتخترق الأرواح الصدئة، ولا تستيقظ على كلمات عرجاء ، أخذت فرصتها على مر القرون من الزمن الغابر إذ هي عملية خلق منفلت جاءت نتيجة حتمية في تطور الجنس الأدبي ......، فالنص المفتوح : جنس غير محدد، وهو قفزة على جميع الأجناس الشعرية و السردية من دون أن تمنح نفسها لهذه الأجناس)) ([24]) .

      من هنا يمكن لي أن أصف الشعراء الذين أقدموا على كتابة هذا الشكل الجديد بنفس الصفة التي تمثل بها الرواد في التجديد الشعري العربي، (( أن الشعر عندهم هو تلك ( المادة الخفية ) ( الجوهر الفكري ) الذي يسكن تراكيب اللغة؛ ليقدم ما هو مثير للقارئ، مذهل وغريب، وأن الموسيقى ما هي إلا ( العارض ) وغير الجوهري للفكرة الشعرية))([25])، و لعل أبرز ما يتمثل به النص المفتوح، هو ذلك التداخل بين الشعر والفنون الأخرى، وقد حفل الشعر العراقي الحديث بنماذج كثيرة من هذا التداخل، وإن قصرت به عن الولوج في ظاهرة النص المفتوح بشكله الخاضع للدراسة الحالية، (( لقد حفلت الشعرية العراقية الحديثة ببروز ظواهر فنية متعددة، و لعل تداخل البنى السردية مع البناء الفني للقصيدة أشدَّها إثارة للانتباه، وقد تجسّد ذلك بناءً واستثماراً للعناصر والتقنيات بصفة تكاد أن تكون تكاملية، على أن وجود عنصر واحد أو أكثر من عناصر السرد في النص الشعري ليس دليلاً كافياً على تبني النص تداخلا سرديا ضمن مقاصده ))([26])، وفي مكان آخر نقرأ: (( أن احتمالات انفتاح النص الحديث لم تكن محدودة أو رهينة محال دون آخر، على الرغم من وجود التفاوت بين مستوى وطبيعة التداخلات رؤية وبناءاً، مما يجعل النص مرنا في احتواء الثيمات و الأشكال المختلفة، وإعادة إنتاجها في ضوء رؤيتها في ما يتساوق وطبيعة بنائه ))( [27]).

      و أعود من جديد لأخذ بعض الرؤى في النص المفتوح الذي يتسم كما في نظر أحد الباحثين (( باللاشكل، أي أنه يجمع في تكوينه بنى شعرية وسردية، وينفتح على المعرفي والتشكيلي، كما يلتحم فيه الملحمي داخل المسرحي، و الأسطوري بالواقعي، و الفنتازي  بالطبيعي، و السيرة الذاتية بالغيرية، والخاص بالعام، و السلطوي بالشعبي ))([28])، في جدل كتابي يسعى لتوليد: نص جديد (( يتنكر لأصوله، أو يغيبها كمزايا فنية ))([29])،ولكننا نتساءل هل هذا يؤهله لأن يستقل بوصفه جنساً أدبيا، أم تبقى الغلبة للمهيمن الاجناسي في النص المكتوب، إننا نميل مع الباحث إلى هذا الرأي مع إقرارنا معه(( بأن التداخل الاجناسي _ يغير بالضرورة بنيه النص، ويفضي به إلى شكل شعري جديد، لتكن تسميته الكتابة، أو النص أو اللاشكل الشعري))([30])، فليس ذلك يكون بذي قيمة كبيرة بحسب رأيه، وإن كنا(( لا نلمس شكلا بنائيا محدودا يتيح لنا دراسته وتهيئة ملامحه الدالة، فأن هذا لا يعني إقصاءه عن متن الدراسة )) ([31]).

    يخرج هذا الباحث بعد ذلك بمقولة مفادها: (( أن النص المفتوح بنية هلامية تتحد في زمن كتابة، ولا يمكن تشخيصها بدقة إلا من خلال معطيات الكتابة المتفاوتة أصلا في مستوياتها، وتجربتها من شاعر إلى آخر، بل عند الشاعر                 نفسه ))([32]) ،وأستطيع القول من خلال هذه الجولة: أنّ النص المفتوح لا يزال يقع في أرض يحيط بها الضباب، أو أن الذين مارسوا كتابته أرادوا له أن يبقى هكذا عصياً على الدخول تحت المقاسات السنتمترية، فهو لم يتخذ شكلاً محدداً، بل على العكس هو ثورة اللاشكل، وهو لا يزال في منطقة التجريب على القصة والرواية والقصيدة، ويلاقي معارضة من هنا وهناك شأنه شأن كل جديد، ولعل أفضل تفسير للأمر: هو أن هذا الشكل الإبداعي قد يكون جاء مضافا إلى التفسيرات المتقدمة، متساوقاً مع الفوضى التي اجتاحت الفكر الإنساني بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي تقوم على الكفر بالكثير من الثوابت بما في ذلك: الثوابت اللغوية، والأدبية، وعناصر التعبير الإبداعي .

 

الهوامش

 [1]- قصيدة النثر و تحولات الشعرية العربية ، د.محمود إبراهيم الضبع ، الشركة الدولية للطباعة ، مصر ، ط 1 ، سنة 2003 . ص 121-122 .

[2]- قصيدة النثر و تحولات الشعرية العربية ، ص 121-122

[3]- التجريب في القصة العراقية القصيرة ، حسين عيال عبد علي ، دار الشؤون الثقافية ، ط 1 ، سنة 2008 . ص 15

[4]- التجريب في القصة العراقية القصيرة ص 76

[5]- ينظر التجريب في القصة العراقية القصيرة ص 77

[6]- الموسوعة الثقافية ، التجربة الشعرية ، دراسات و نماذج ، ترجمة فضيلة يزل ، دار الشؤون الثقافية ،20

[7]- النص المفتوح (( أساليب السرد في قصيدة ، الصليب والثعبان و يوميات شاعر )) ، م . م خالد علي    ياسين ، مجلة جامعة واسط للعلوم الإنسانية ،ص160

[8]- تنافس الأجناس الأدبية بين الإخضاع  والإقناع ، موسى زناد سهيل ، مجلة الأقلام، العدد الرابع ، تموز / آب ، سنة 2008  ،ص45

[9]-  ينظرالعقل الشعري ، خزعل الماجدي ، ج 2 ، دار الشؤون الثقافية ، ط 1 ، سنة 2004 . ص 180

[10] - م.ن ،ص180

[11] - ينظر المكان نفسه

[12]- العقل الشعري ، ج 2 ، ص 180-181

[13] -م.ن،ص181

[14] الشعر العراقي الحديث بعد الستينات ، الرؤية و التحول ، د. علي متعب جاسم ، مكتبة مصر ودار المرتضى ، بغداد ، سنة 2009 . ص 142-143

[15] -العقل الشعري ، ج 2 ، ص 180-181

[16] - م.ن , ص 181

[17] - ينظر م.ن , ص 182

[18]- ينظر العقل الشعري ، ج 2  ص 182 , ص 188

[19]-  الواقعية الشعرية في النص المفتوح - إشارات أولية  -  د. ثائر العزاوي  - الحوار المتمدن

http :// he war . khayma.com / show,hred .phpt = 71622

[20]- النص المفتوح ، باسم الأنصار ، الحوار المتمدن  .  

http:// www.ahewar.org/depat/show.art.asp?aid=145724

 

[21] -الطوح والنص المفتو ح،رزاق حمادي،جريدة البينة,ع616

http://www.albayyna-new.com/archef/616/albayyna-new/pag6.html

 

[22]- م .ن

[23] -م .ن

[24]- فخاخ النص المفتوح ، محمود النمر ، جريدة الزمان ، العدد 3048 ، 16/7/2008ص5

[25] -تحولات الشجرة ، دراسة في موسيقى الشعر الجديد وتحولاتها ، د . محسن اطهيمش ، ص 147 .

[26]- تداخل الفنون في القصيدة العراقية الحديثة ، كريم شغيدل ، دار الشؤون الثقافية ، ط 1 ، 2007 ، ص 108 .

[27]- المصدر نفسه ص 234 .

[28] --الشعر العراقي الحديث-جيل ما بعد الستينيات -الرؤية والتحولات،ص409

[29] -المكان نفسه

[30]- الشعر العراقي الحديث-جيل ما بعد الستينيات -الرؤية والتحولات،ص409

-[31]م.ن, ص409

-[32] م .ن ،ص 423 .

 

  

 

فارس الفايز


التعليقات

الاسم: قتيبة العباسي
التاريخ: 2015-04-05 16:24:22
في نهاية ثمانينات القرن الماضي جاءت خزائيل للشاعر خزعل الماجدي اولى المحاولات للنص المفتوح وقد نشرت صحيفة الاديب البيان الشعري في ارساء انواع وشروط النص المفتوح ومنها نص المخطوطة والسيرة والريبورتاج والجنس واللعبة...شكرا لاضافتك

الاسم: ثمار كامل
التاريخ: 2011-04-30 13:45:49
احي جهودك اخ فارس في تقصي مفهوم هذا المكون الابداعي الاسفنجي الشكل الذي تقاسم الشعر والنثر في تكوينه...خطوات مباركة




5000