..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


جون كيتس ( 1795ـ 1821) الشاعر الرومانسي الذي لم يعش رومانسيته

د. وفاء رفعت العزي

شهد الشعر الإنكليزي تطورات كثيرة في مضامينه وفي أشكاله الفنية ، وقد ساهم العديد من الشعراء في تطويره نذكر من هؤلاء الشاعر جون كيتس  John Keats وهو أحد شعراء الحركة الإبداعية (الرومانسية) في الشعر الإنكليزي. ولد الشاعر عام 1795في لندن ومن أبرز ما جاء في  سيرته الذاتية هو أنه من عائلة فقيرة وكان أكبر أخوته، وتوفي والده وهو في سن التاسعة، فتزوجت أمه من جديد وعهدت بأولادها لجدتهم، إلا أنها  عادت إليهم عند طلاقها، وأصيبت بمرض السل فقام كيتس على العناية بها حتى وفاتها عام 1810. تعلم في مدرسة بلدة إنفيلد Enfield القريبة من  لندن، ثم تتلمذ على يد جراح، ودخل في عام 1815 مشفى غاي Guy في سَذرك Southwark لدراسة الطب. توفي أحد أخوته أيضاً بمرض السل عام  1818، وأصابته العدوى هو الآخر من جراء عنايته به. عانى المرض كثيراً فنصحه الأطباء بتغيير الجو الإنكليزي إلى جو أكثر دفئاً فرحل إلى إيطاليا، إلا أن إقامته فيها لم تدم سوى بضعة أشهر توفي بعدها في روما عام  1821م وهو في الخامسة والعشرين، ودفن في مقبرتها البروتستنتية.

على الرغم من دراسة كيتس العمليـة فقد كان الشعر هاجسه، وكان أول إنجـاز له في هذا المجال سونيتة «إلى الوحدة» To Solitude التي نشرها الشاعر لي هَنت L.Hunt في دوريته «إكزامنر» The Examiner عام 1816. وفي صيف ذلك العام، بعد قراءته أعمال هوميروس بترجمة جورج تشابمان G.Chapman، كتب كيتس سونيتة «نظرة أولى إلى هوميروس تشابمان» On First Looking into Chapman's Homer التي نشرت أيضاً في «إكزامنر» ضمن مقالة هَنت «شعراء شباب» Young Poets مدح فيها كلاً من شِلي وكيتس؛ ما حدا بالأخير إلى ترك دراسة الطب والتحول كلياً نحو الشعر. نشر في العام التالي ديوان «قصائد» Poems، وبدأ كتابة أول قصيدة طويلة أطلق عليها تسمية «إندِميون» Endymion عام 1818، وهي ملحمة شعرية لم يقابلها النقـاد بأي حماسة تذكر؛ فشرع بكتابة «هايبريـون» Hyperion التي صدرت لاحقـاً بعنوان «سقوط هايبريون: رؤيا» The Fall of Hyperion: A Dream وظلت غير مكتملة.

كان عام 1819 معطاءً إذ كتب كيتس في أثنائه أفضل شعره، مثل القصيدة الغنائية «حسناء بلا رحمة» La Belle Dame Sans Merci وقصائد الأود المميزة، مثل «أود إلى بسيشِه» Ode to Psyche و«أود إلى عندليب» Ode to a Nightingale و«أود حول مزهرية إغريقية» Ode on a Grecian Urn، التي تعد في أفضل الشعر الإنكليزي. وكان عام 1820 آخر سني حياته، إذ توفي في أوائل العام التالي، ونشر فيه آخر مجموعة شعرية بعنوان «ليميا، إيزابيلا، مساء عيد القديسة آغنِس، وقصائد أخرى» Lamia, Isabella, The Eve of St.Agnes, and Other Poems لاقت نجاحاً كبيراً. وتكشف رسائله عن نظرة ناضجة إلى الحياة والفن، وعن شخصية جذابة آسرة تركت كبير الأثر في من تلاه من الشعراء.

 

    وعلى الرغم من أن حياة  جون كيتس كانت قصيرة ولم يمارس كتابة الشعر إلا خمسة أعوام، ومع ذلك فقد خلد اسمه على صفحة التاريخ بصفته واحدا من أهم الشعراء الانجليز على مرّ العصور. وهو في هذه الناحية يشبه الشاعر (رامبو) الفرنسي. وكان قد كرس نفسه منذ البداية لعبادة الجمال. وقد أعجب بحياة الإغريق وشعرهم الملحمي وأساطيرهم ، مع أنه لم يتعرف عليهم إلا من خلال الترجمات ولكنه عرف كيف يبعث أساطيرهم حية في شعره.وفيما بعد أصبح جون ميلتون نموذجه الذي يحتذي به وفي قصائده الملحمية الطويلة يصل كيتس إلى مرحلة من الإتقان الشعري قل نظيرها ، فيما عدا شكسبير المبدع الكبير .

   لم ينال كيس عناية النقاد ، بل حظي بالتجاهل والاحتقار من قبل النقاد والشعراء الآخرين. لكنه استطاع بمقدرته الإبداعية أن يسيطر على النظم في تلك الفترة بسبب ما امتاز به من نضج في أفكاره وآرائه للشعر ورسائله التي نظر فيها للشعر وخصائصه ، مما جعله أن يكون ظاهرة فريدة من نوعها في تاريخ الأدب الانكليزي  ،فقد كرس حياته على قصرها وما فيها من معاناة وتراجيديا وألم وحزن تراكم عليه بسبب الفقر وموت أعزائه ومعاناته مع المرض ، كل هذا لم يمنعه من أن ينطلق بقصائده الرومانسية بشكل يغاير ويختلف عن غيره من الشعراء الرومانسيين الكبار من أمثال وروزورث وكوليبرغ وبايرون فهم ينحدرون من الطبقة البرجوازية الارستقراطية ، في حال ميسورة هيأت لهم الدراسة في أحسن المدارس الانجليزية في كمبردج وأكسفورد ، أما جون كيتس كان ينتمي إلى الطبقات الشعبية الفقيرة في لندن كما قلنا، إما هما فقد وفدا إلى العاصمة من الأرياف والأقاليم ولم يكن هناك إي شيء يدفعه لكتابة الشعر أو يهيئه لذلك  .

وقد كان كيتس حساسا جدا بل والى حد المرض كما يقول العارفون به. ولم يعد يثق بالحياة ونوائبها، وأصبح يعاني من القلق الوجودي. فكان شعره هو الملاذ والفضاء الرحب ليعزي به نفسه ويتنفس من خلاله الصعداء وينظلق بعواطفه إلى أجوائه الرومانسية ليحلق إزائها كطائر لا تكل جناحيه من التحليق بعيدا متناسياً مآسيه ، فالشعر لدى كيتس كما وصفه شيلي في كتابه المعروف ( دفاعاً عن الشعر) :

 ((ان الشعر ينقذنا من الانحطاط او قل انه ينقذ أسمى ما في الإنسان من الانحطاط والانحلال ، وإما كيتس فكان يرى في الشعر شيئا عظيما وباهتا في ذات الوقت.)) وهذا الرأي المتناقض لديه لم يمنعه من أن يؤمن بالقدرات الهائلة للشعر الخالد وكان يقول بأنه لا يستطيع أن يعيش بدون الشعر وأحيانا أخرى كان يعبر عن تشككه بقدرات الشعر على إنقاذنا من الورطة التي وقعنا فيها.أحب في حياته امرأة تدعى فاني براون التي ألهمته قصائد رائعة كتبها عنها وعن أيامه معها ، وكانت هذه القصائد المؤلمة من أروع قصائده التي تضمنت صور من مآسيه مع الحياة ومع خصومه من النقاد والشعراء الذين ازدروا به ،وكان من الممكن أن يقتلوا رغبة الشعر فيه، ولكن نقدهم قوى عزيمته مثلما فعلت المصائب والمحن ، وظل يكتب الشعر حتى وفاته في أوج شبابه وعنفوانه ، فهو لم يعش حياته كغيره بسبب صراعه مع الفقر والمرض ولم يعش رومانسيته الجميلة التي احتلت مكاناً كبيراً من عقله وعواطفه التي غالباً ما امتزجت بالحزن والألم بسبب المأساة التي أثقلت كاهله وأتعبت كيانه لينطفئ دون أحلامه وآماله الجميلة .

    وكما هو معروف أن الرومانسية حركة أدبية فنية نشأت في القرن الثامن عشر ونادت بإعلاء شأن العاطفة القوية والخيال الخصب والتحرر من ضوابط الشكل في الأدب الكلاسيكي والثورة على القيم والأعراف الاجتماعية السائدة.
انتشر التوجه الرومانسي في عدة أعمال في الأدب والفن والنقد والرسم والموسيقى في الثقافة الغربية منذ بداية القرن الثامن عشر حتى منتصف القرن التاسع عشر.
يمكن وصف الرومانسية بأنها رفض لكل الضوابط والنظم والسكون والانسجام والتوازن والمثالية والعقلانية التي تميز بها الاتجاه الكلاسيكي، ومن جهة أخرى كانت ردة فعل ضد حركة التنوير والمذهب العقلي والمادي للقرن الثامن عشر.أيدت الرومانسية الفردي والذاتي واللاعقلي والخيالي والوجداني والتلقائي والعاطفي والغيبي والحالم.. تمجيد جمال الطبيعة وتمجيد العاطفة فوق العقل والإحساس فوق الفكر الاتجاه نحو الذات ودراسة عميقة للنفس البشرية بأمزجتها وطاقاتها الفكرية التركيز على الشخصية العبقرية والمتميزة والتركيز على مشاعرها وصراعاتها الداخلية الاهتمام بطاقة الفنان الإبداعية أكثر من الالتزام بالقواعد الشكلية التأكيد على الخيال كبوابة للتجارب الغيبية والوصول للحقيقة الروحية إعادة إحياء التراث القديم وفترة العصور الوسطى والاهتمام بكل غريب وبعيد وغامض وعجيب وسحري ووحشي وحتى الشيطاني.

   كان وليم وردزورث وصمويل تايلور كولريدج أول شاعرين مشهورين في الشعر الرومانسي الإنجليزي؛ وقد ألفا معًا مجلدًا من الشعر يُدعى) القصائد القصصية الغنائية (1798م). تعتبر مقدمة وردزورث للطبعة الثانية من الكتاب (1800م تقريبًا) دليلاً للشعر الرومانسي. بين في هذه المقدمة لماذا استخدم اللغة العادية بدلاً من اللغة الشعرية العالية التي استخدمها الكتاب السابقون مثل درايدن وبوب. كما بين أيضا سبب رغبته في الكتابة عن مواضيع مـتداولة وعادية، خاصة تلك التي تتعلق بالريف. عاش وردزورث وكولريدج في مقاطعة البحيرة الجميلة التي تقع في شمال غربي إنجلترا وكتبا بصورة مؤثرة عن جمال الطبيعة. يتميز العديد من قصائدهما المرسلة بأسلوب يحاكي الحياة العادية.

ثم أتى اللورد بايرون ببطل يشبهه شخصيًا إلى حد ما في قصائد مطولة مثل حجة تشايلد هارولد (1812- 1818) وقصيدة دون جوان غير المكتملة (1819- البطل المزيف لأنه تعاطف مع الثوار 1824،يمكن اعتبار بايرون مبتكر شخصية والخارجين على القانون وأنماط أخرى من الشخصيات التي طالما احتقرها المجتمع.

كان بيرسي بيش شيللي مثاليًا في فلسفته؛ كما كان مصلحًا اجتماعيًا. امتدح في برومثيوس حراً وهي قصيدة الطويلة،(1820الفرد الذي يقاوم السلطة الظالمة.  .

وكتب جون كيتس قصائد قوية مفعمة بالحيوية تتناول في معظمها موضوع الجمال وزواله المحتم. من بين أشهر أعماله: قصيدة الجرّة الإغريقية (1819م) وقصيدة دعاء الى كروان يقول فيها:

ما لقلبي يتنزى سقما

ولحسي بات يرعى الألما

أتراني فد شربت الموت سما

أو رشفت الخمر نارا حمما

لحظة مرت فاذ بي .. قد نسيت الكون طرا

ومضت في عالم الأحلام بي الدنيا !!

لست والله أعاني غيرة

من نعيم أنت فيه سابح

بل أنا نشوان واتاك حظ

فملأت الكون شدوا وصياحا

هائما كالروح ما بين الغصون

أو كسر.. راحت الأشجار تفشيه الى الظل نجاء

صادحا بالصيف تلقاه على الأفق غناء

   *        *        *

هاتها كأسا روية

عتقوها من  رحيق سلسل عذب  فرات

تسكب البهجة فيها مرحا

ضربتها الشمس بالنار شعاعا

سكبت فيها عصارات معين قرمزي

حبب كالعقد فيها .. راح يرنو غامزا للشفة

علقت فيها بقايا من فم حلو الرضاب

روني منها وطف بي ساعة  .. عن عالم الدنيا بعيدا

آه  !! لو أسطيع أن أنسى الوجودا !!

تائها مثلك في الغابات عمرا

          *        *         *

تائها طيلة عمري.. بين آفاق بعاد

أو على الريح هباء  .. ذاب في الجو فناء

ناسيا دنيا وجود

لم تذق منها الذي ذقناه

من حمى هموم وملال وسأم

ها هنا نقبع في دنيا البشر

نسمع الآهات من قلب لقلب

يرعش اليأس بنا بعض بقايا

يائسات من شعيرات المشيب

وبنا دنيا الشباب

مسخت لونا ووجها فاستحالت

بعض دنيا من طيوف ..  كالحات  .. ضامرات

للردى نمضي خفافا

كلما شطت بنا الأفكار أو شط الخيال

كلما شطت بنا الأحزان والهم العضال

يملأ اليأس بنا الأحداق ومضا وبريقا

والجمال الغض فينا

بعض برق لم يكد يومض حتى ينطفي

وصبابات الهوى

بعض خفق لم يكد ينبض حتى ينتهي

    *         *         *

فامض عنا في سماواتك بعدا

انني ماض بجنح الشعر

- لا بالخمر مخدوعا - اليك

لا أبالي ان عصاني الفكر ..  أو ضعضع مني

ها أنا ألقاك في الليل الرقيق

ربما نلقى سويا

ذلك البدر على عرش الفضا متكئا

     *        *         *

ها أنا أصغي اليك

ولكم يجتاحني للموت همس من حنين

صغته بالشعر ألحانا عذابا

ورجوت الموت  أن يحمل روحي

  بين أنفاس الأثير

فهنا يحلو لنفسي

في هدوء الليل أن تنفث روحي

بينما تنفث منك الروح - يا صداح -

فوق الأفق

     *           *             *

أنت لم تخلق لموت أيهاذا الغرد

أنت باق أبدا

ربما لاقاك عبر الزمن

سغب  .. كنت له صيدا ثمينا

لم تهن في عينه

فمضى يطوي على الجوع حشاه

وبقيت الدهر تشدو وتغني

ان هذا الصوت أصغي لغناه

كم سعى يصغي اليه الناس جيلا بعد جيل

ربما نفس الأغاني

من قديم داعبت "راعوث" في أحزانها

حينما لجت بها الأشواق نحو الوطن

فمضت تبكي حنينا وسط حقل

شط عن دار و أهل

ربما نفس الأغاني

داعبت أذنا زمانا

خلف شباك سفين  يمخر البحر عبابا

بين أوطان بعاد نائيات .. نائيات !!

يالهذا الجرس لحنا عاد بي توا لنفسي

فوداعا !!

لم يطوف بي خيالي شططا

حدا بعيدا .. مثلما  قد  أرجفوا

ياله من ساحر !

جد لعوب خادع

فوداعا ..  ووداعا !! أيها الغريد

هو ذا شدوك عبر الجدول الرقراق

أو عبر سفح التل  ..أو عبر البراري

يتلاشى نغما عذبا حزينا

راقدا بين الأخاديد العميقة

ليت شعري هل تهاويمي رؤى يقظان

أم حلم بجفن ناعس ؟!

أين ضاعت هذه الأنغام والشدو الرقيق ؟!

وأنا ماذا دهاني ؟!

صحوة قد عشتها أم بعض أحلام أعاني

 

   ومن قصائده الطويلة ( نشيد إلى الخريف ) يقول فيها :

فصل الضباب والعذوبة الوافرة

أخ الشمس التي تصفر كالذهب يتآمر معها

من اجل إثقال شجرة الكرامة بالعناقيد

التي تنتشر على ظهر العرائش،

من اجل إن تنحني أغصان شجرة التفاح

حول البيوت الريفية المحاطة بالطلمب.

لكي تنضج جميع الثمار حتى العظم...

ثم يقول فيما بعد

أين هي أغاني الربيع أين هي؟ وأصفاه أين هي؟

لا تفكر بها بعد الآن، فأنت لك أيضاً تناغمك،

هذا في حين أن الغيوم المخططة تلون الانحدار المتدرج للنهار.

وتلون بشيء من الحمرة الوردية أرياف السهول،

وعندئذ تسمع في جوقة واحدة أصوات الذبابات الصغيرة،

وهي تتباكى حول صفصاف النهر تصعد في الجو،

أو تنزل بحسب تقلبات النسمات الخفيفة التي تهب أو تموت.

بالطبع فإن سمات الشعر الرومانطيقي واضحة في هذه القصيدة ويمكن ان نقارن بينها وبين القصائد التي خصصها الشاعر الفرنسي لامارتين للخريف أيضا.

فهناك دائما نفس الإطار انه الطبيعة التي تموت تدريجيا في الخريف بعد ان كانت بهيجة ومليئة بالحياة إثناء الربيع والصيف. وهذا الموت ينعكس على روح الشاعر التي تموت مئة مرة عندما ترى الأوراق تصفر أو تتساقط على الأرض.

هذا الشعر الرومانطيقي المليء بالكآبة والحزن إن لم نقل بالنواح الداخلي والبكاء فالرومانطيقية هي جوهر الشعر، أنها لا تموت.

  لكي نتعرف على حياة كيتس الحميمة ينبغي إن نقرأ رسائله الشخصية، إنها تشكل أغنى وأجمل المراسلات التي خلفها كيتس في القرن التاسع في انكلترا ، فهذه الرسائل تظهر لنا نمو شعر كيتس وفكره تدريجيا ومن المعلوم انه نضج بسرعة وبشكل مذهل حقا. فهل يمكن لكاتب لم يعش أكثر من ستة وعشرين عاما إن يكون ناضجا إلى مثل هذا الحد؟ وفي هذه الرسائل آرائه حول معنى الشعر وجوهره أكثر مما يتحدث عن نفسه ولكن في الفترات الأخيرة من حياته وعندما أحس بقرب الموت منه أخذ يطلق صرخات الألم والحنين، وأصبحت رسائله مليئة باللوعة القاتلة والأنين.  وهو من أجل نصرة المذهب الرومانسي يدعو الشعراء على الانفتاح على الطبيعة والعالم الخارجي ويتعايش معهما بكل أحاسيسه وعلى الشاعر أن يكتب انطباعاته وأحاسيسه حولهما ، ومن آرائه أيضاً : إن الشاعر الحقيقي ليس له أي هوية إنه لاشيء وكل شيء في آنٍ معاً  .

  كان يرى أن  الشاعر هو من يمتلك مقدرة سلبية وهذه المقدرة هي الرهبة التي منحها الله له. إنها مقدرة السفر في المجاهيل والإسرار والشكوك دون الاهتمام بالعقل أو المنطق الذي يتحكم بالناس العاديين ، فالشاعر يعتمد أساساًعلى الحدس الخلاق ويركب أفاق الخيال المجنح الذي لا علاقة له بالعقل وإلا فإنه سيكتب شعرا منطقيا مزعجا ومملا. لان الشعر له مجاله والفلسفة لها مجالها ولا يمكن الخلط بينهما. .

 ففي شعر كيتس فكر عميق وشخصي ،وقد عاش الحلم الرومانسي كسفر حالم نحو بلاد الإغريق التي لم يرها في حياته أبداً وكان يعتبرها ارض الجمال أرض الأساطير الرائعة التي تبعث الحياة في الطبيعة وتجعلها تتكلم وتنطق. ولم ينزع النزعة الدينية في رؤيته للأساطير والآلهة اليونانية كما أنه كان شديد الإحساس بمآسي العالم وبؤس الوضع البشري كيف لا وهو الذي عاش حياته القصيرة في المآسي والفواجع ولم يستطع إن يتزوج المرأة التي أحبها حتى درجة الجنون؟ لقد حرمت الحياة كيتس من كل شيء ما عدا شيئا واحدا هو الشعر ، ففي عام 1819 ينشر كيتس قصيدته الرائعة « الحسناءُ التي لا تعرفُ الرحمة » وفيها يتحسر ويتفجع على المرأة التي أحبها والتي لا يستطيع إن يتحد معها بسبب المرض والموت الوشيك حقا لقد دعا كيتس للرومانسية لكن الموت منعه أن يعيش رومانسيته بشكل أطول ،  فكرة القصيدة القصصية التي تتماشى كثيراً مع أفكار وجماليات الفترة الرومانسية ساعدت على إعادة رسم مشاهد مستوحاة من تلك القصيدة مراراً. القصة تأتي على لسان الشاعر عندما يقابل فارساً على ضفاف بحيرة في غابة ما. الوقت أواخر الخريف والفارس يبدو قد أنفق مدة طويلة هناك، تائه، مريض ويحتضر. قابل الشاعر حسناء وحشية المظهر في مرج ما، قضى وقتاً معها، وأغرقها بالزهور، زينها بالأكاليل وما كانت تتكلم، كانت تحدق فقط، تحدق طويلاً وتتنهد وكأنها تعشقه. أعطاها حصانه لتركب ومشى بجانبها. لم يرى شيئاً سواها، كانت تميل عليه، تغطي وجهه وتغني بموسيقى غامضة. كانت تتحدث بلغة غير مفهومة، لكنه كان واثقاً بأنها قالت أنها تهواه. قبلها حتى غفت ثم نام بجوارها. ثم رأى في منامه بلد مكتظ بالملوك، الأمراء والمحاربين، كانوا شاحبين حد الموت. يصرخون به، يحذرونه عن أمر رهيب. كانوا كلهم عبيد المرأة تلك. والآن صار هو الآخر عبداً لها أيضاً. عندما استيقظ من منامه كانت الحسناء قد اختفت، تركته وحيداً على التلة الباردة.. يقول كيتس في هذه القصيدة :

آهٍ.. ما الذي أسقمكَ أيها المخلوقُ البائسُ
و جعلكَ تتوهُ وحيداً ومن دونِ روحْ؟
حشائشُ السعادى جفَّت من البحيرة
و لا أطيارَ تنوحْ.

* * *
آهٍ.. ما الذي أسقمكَ أيها المخلوقُ البائسُ
و ترككَ مرهقاً جداً، و مسلوبَ الدهشةِ جداً؟
بيتُ السنجابِ ممتلئٌ بغلتهِ
و الحصادُ انتهى.

* * *
أرى زنبقةً فوقَ جبينكَ
مبللةً باللوعةِ و عرقِ الحمّى
و على خدّكَ وردةٌ أخذت تتلاشى
تجفُ بسرعةٍ هيَ الأخرى.
* * *
قابلتُ سيدةً في الأحراش
مكتملةَ الجمالِ - طفلةَ لجنّية
شعرُها كانَ فاحماً، قدمُها كانت رقيقةً
أما عيونها فقد كانت وحشيّة.
* * *

وضعتُها على صهوةِ جوادي وأخذتُ أمشي
و لم أرَ غيرَها طوالَ اليوم
كانت هيَ تنحني للجانبِ وتغني
أغنيةً للجِنْ.
* * *
صنعتُ لها إكليلَ زهورٍ يطوّقُ رأسَها
و أسوارَ كذلكَ، و حِزاماً من الزهرْ
أخذتْ تحدقُ فيني كما لو أنها تعشقني
و أطلقت تنهيدةَ عميقةْ.
* * *
هيَ التي جعلتني أجدُ جذورَ الحلاوةِ
و سخونةَ العسلِ، و طلَ المنِّ
و بلغةٍ غريبةٍ قالت لي - من دونِ شكْ-::
''
أحبكَ بِصدقْ''
* * *

أخذتني إلى مغارتِها السحرية
و هناكَ أخذت تحدق، وتتنهدُ بعمقْ
أقفلتُ لها هناكَ عينيها الوحشيتين
و قبلتهما إلى أن سرى فيهما النومْ

* * *
و هناكَ استغرقنا بالنومِ فوقَ الطحالبِ
وحلمتُ هناكَ- آهٍ من دهشتي الآسرةْ
قد كانَ آخرَ حلمٍ حلمتهُ
على حافةِ الهضبةِ الباردة.
* * *
شاهدتُ ملوكاً شاحبينَ، شاهدتُ أمراءَ أيضاً
و كذلك المقاتلين، كلهُم شحبوا كالموتْ
صرخوا قائلين: "الحسناءُ التي لا تعرفُ الرحمة
جعلتْ منكَ عبداً"
* * *
شاهدتُ شفاههم المتعطشة وسطَ العتمةِ
و قد تجمّدت منفرجةً عن تحاذيرِهم المرعبة
و لقد استيقظتُ، ووجدتُ نفسي ها هنا
على حافةِ الهضبةِ الباردة.
* * *
ولِهذا السبب أنا أقبعُ هنا
وحيداً ومن دونِ روحْ
رغمَ أنَّ حشائشُ السعادى جفَّت من البحيرة
و لا أطيارَ تنوحْ.

  

* * *
لا تدمعي لا تدمعي
ستُزهر الزهور من جديد
فهذه البراعم الصغيرة
تنام في البذور للفجر الوليد
لتمسحي عينيك
فإنني في جنّتي الكبيرة
اعتدتُ أن أريح بالغناء أضلعي
لا تدمعي !
ألقي لأعلى نظرةً
بين الزهور البضّةِ .. الحمراء
هاك انظري !
فإنني محلقٌ في هذه السماء
مرفرفٌ على الغصون الحلوة الخجول
هاك انظري !
فإنني بذلك المنقار
أشفي جراح الناس بالأشعار
لا تدمعي .. لا تدمعي
ستزهر الزهور من جديد
إلى اللقاء يا حبيبتي ..
أنا أطير
مغيّباً في زرقة السماء
إلى اللقاء يا حبيبتي

  وفي قصيدته (كفاك دمعاً ونحيبْ) يصف برومانسية خلابة دموع المرأة ونحيبها ممتزج حزنه بالطبيعة التي لا يغادرها أبداً ، يقول فيها :

كفاك َ دمعاً ونحيب ْ
بالله يكفى
فالوردُ سيزهرُ في العام القادم ْ
إن كنت َ تدري
كفاك َ بكاء ً وعويل ْ
بالله يكفي
فالبراعم ُ الصغيرة ُُ نائمة ٌ
في قلبِ الجذرِ الفضي
تحلم ُ بربيع ٍ وردى
جفف دموعك جففها
لأني تعلمت ُ في الجنة
شدوَ نغمى الشجي
الذي يخفف ُ حزنَ الإنسان
كفاك َ دموعا ً ونحيب
بالله يكفي !
.
أنظر هناك َ تراني
على الغصن ِ الأبيض
على الغصن ِ الأحمر
أنظر أعلى لتراني
على الفرع ِ المثمر
تتراقصُ ألحاني
منظومة من سحرِ بياني
تخفف ُ حزنَ الإنسان ْ
كفاك َ دمعا ً ونحيب
بالله يكفى
فالوردُ سيزهرُ في العام ِ القادم
إن كنت َ تدرى
احلق ُ بعيداً بعيد ْ
وداعاً وداع ْ
أتوارى في السحبِ الزرقاء
وداعاً وداعْ !

  وهكذا ودع جون كيتس حياته مبكراً دون أن يكتفي من رومانسيته الحالمة أبداً بجمال الطبيعة الممزوجة بألوان مآسيه التي أطاحت به باكراً

      

د. وفاء رفعت العزي


التعليقات

الاسم: احمد الشريفي
التاريخ: 04/03/2019 01:15:24
شكرا لجودكم
لكن قرأت القصيده لكاتب آخر أرى ان الترجمة والكلمات تختلف

الاسم: دنيا
التاريخ: 26/11/2015 20:20:01
طبعا المقال روعة كنت بحاجة كدا معلومات

الاسم: د.وفاء العزي
التاريخ: 30/11/2014 21:04:57
شكرا للجميع

الاسم: د.وفاء العزي
التاريخ: 18/11/2014 13:01:22

السلام عليكم
السبب لانه مات وهو في عز شبابه

الاسم: mahmood albdri
التاريخ: 12/11/2014 11:20:23
وشكرا جزيلا

الاسم: mahmood albdri
التاريخ: 12/11/2014 11:19:47
من زمن بعيد قرات لهذا العبقري --- ولكن اسئل صاحبة المقال - لماذا لم ينل شهرة كما نالها ( وليم شكسير ) مع انه قبله؟؟؟؟؟؟؟؟؟

الاسم: taha
التاريخ: 28/11/2013 13:00:08
شكرا

الاسم: angel
التاريخ: 12/06/2013 21:14:21
شكرااااااا جزيلا معلومات قيمة




5000