هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


من أجل إدارة أفضل لتنفيذ عقود النفط - ثالثا

حمزة الجواهري

ملف "الصحة والسلامة والبيئة"

مثال صارخ على الإدارة السيئة لما تضمنته العقود

فكما يقولون دائما ""السلامة أولا""، ووفق هذا المبدأ أيضا أبدأ بنقد سريع لتطبيقات هذا الملف كما أراه على أرض الواقع.

لعل هذا الملف يعتبر من أخطر الملفات التي يجب التعامل معها بمنتهى الصرامة والدقة، حيث أن ملف الصحة والسلامة والبيئة يعيره العالم المتحضر  بالغ الأهمية، قد تفوق أي موضوع آخر، فهو المعيار الحقيقي لمدى تطور الصناعة، أي صناعة كانت، بل هو المعيار لمستوى تطور البلد بكل  مؤسساته، هذا فضلا عن ملف ضمان النوعية الذي يأتي بنفس الدرجة من الأهمية، لوجود الترابط الموضوعي بين الملفين، حتى أن بعض الشركات  تدمج هذين الملفين بإدارة واحدة، فعلى سبيل المثال شركة هاليبرتون، التي تعمل حاليا في العراق وتقدم خدماتها في مجال تطوير الحقول، نجدها تدمج هذين الملفين بملف واحد، وتسميه الشركة بHSEQMS، لأن حين يمنح تصريح العمل ، لأداء عمل ما مهما كان بيسطا، يجب أن يعتمد التصريح على وجود شهادات النوعية والكفائة للأجهزة والمعدات المتعلقة بذلك العمل، وحتى الطرق القياسية النوعية للعمل نفسه يجب أن تكون معتمدة من قبل هيئات السيطرة النوعية وهيئات الصحة واسلامة والبيئة، بحيث تكون سارية المفعول، لذا من الطبيعي توفر كل هذه الوثائق المعتمدة في ساحة العمل مرفقة مع تصريح العملPTW الذي تشترك بإصداره عدة جهات ذات علاقة.

بتفصيل أكثر يجب أن تكون جميع المنشآة والمعدات والأجهزة مضمونة النوعية وبرخصة سارية المفعمل صادرة من شركة سيطرة نوعية معتمدة عالميا ومحليا للفترة الزمنية التي يتم العمل خلالها، أضف إلى ذلك يجب أن يكون هناك دليل للسلامة والصحة والبيئة معتمدا أيضا من جهة عالمية كطرف ثالث، إضافة إلى دليل معتمد لخطوات العمل، كل هذا يدار وفق نطام إدارة يعرف ب"" نظام إدارة الصحة والسلامة والبيئةHSEMS" فضلا عن نظام إدارة النوعية إذا كانت الإدارتين منفصلة عن بعضها البعض كما هو الحال في أغلب الشركات رغم الترابط الموضوعي بينهما.

هذه الأنظمة الإدارية والدليل والطرق القياسية تعتبر من أهم المعايير لمنح أي شركة شهادة النوعية أو ما تسمى بشهادة الISO، وهي أنطمة ضخمة وإدارات ضخمة أيضا، كلها تكاد أن تكون غير موحودة، أو موجودة ولا أحد يعمل بها، هذا فضلا عن تخلفها، حيث بالأمس وكما نشر التقرير النفطي العراقيIraqi Oil Report، سارع العراق إلى طلب قانون حماية البيئة ودليل البيئة من دولة الإمارات، بالطبع هذا القانون والدليل بحاجة إلى تعديلات وإضافات كثيرة جدا ليكون صالحا للعراق، لأن وكما نعرف أن بيئة العراق تختلف كثيرا عن بيئة الإمارات، وهذا يعني أمامنا شهورا عدة لكي يكون قابلا للتطبيق، لكن لن يكون فاعلا إلا بعد عرضه على البرلمان والمصادقة عليه، ومن ثم مصادقة الرئاسة عليه، وبعدها يتم نشره بالصحف الرسمية، خلال هذه الفترة ولحين تطبيقه بالكامل، يعني استمرار الإساءة للبيئة في مناطق التطوير بدون قانون يحاسب المسيء، وتستمر الإسائة لحين تكامل منظومات العمل المتعلق بهذا الملف، وهكذا أرى إن البيئة العراقية ستكون أعظم مزبلة في العالم، لحين إتمام كل المتعلقات ذات الصلة بحماية البيئة، التي قد تطول لأكثر من سنتين.

وهذا ما نعتبره أحد أوسع أوجه التقصير بعمل الوزارة والشركات والمؤسسات التابعة لها.

لنبدأ مع البيئة:

البيئة العراقية مازالت آخر الإهتمامت بالنسبة إلى المسؤوليين العراقيين بشكل عام، بما فيها وزارة البيئة العراقية.

لنأخذ مجلس محافظة بغداد مثلا، فهذا المجلس الموقر والمنتخب من قبل الشعب، ترك جبال الزبالة والأنقاض، والبنى التحتية المهدمة التي من المفترض أن تنقذ البيئة، وترك الواجهات الرثة التي تلوث الذوق العام، وترك العابثين يستبيحون الشوارع والطرقات ويتجاوزون عليها بكل أنواع التجاوز ومنها التجاوز المسيء للبيئة، وترك الضجيج الذي يلوث الأسماع، وترك ما ترك من واجباته التي تم انتخابه من أجلها وعلى رأسها الاهتمام بالبيئة، تركها وراح يطارد المثقفين وكل ما هو جميل ومشرق ضمن عاصمة العراق المنكوبة بكل المقاييس، وراح يطارد الحريات التي ضمنها الدستور ليستبيحها وهو المكلف بما هو مختلف تماما، السبب بذلك هو أن المجلس لحد هذه اللحظة لا يعرف بالضبط المهمات الملقاة على عاتقه، وهي بإختصار تتلخص بضمان بيئة صحية لسكان العاصمة.

الثقافة البيئية مازالت بعيدة عن تصور وإهتمام المجتمع العراقي والمسؤولين بشكل خاص، لذا يجب أن لا نلوم وزارة النفط ومؤسساتها على جهلهم التام بشؤون البيئة، لكن يجب علينا توجيه اللوم أولا للشركات العاملة كونها دخلت العراق بعقود ألزمت نفسها بها، ومن ضمنها حماية البيئة، لكن لم تعمل من أجلها شيئا على الإطلاق، في حين كان يفترض أن تقدم المثال الراقي لحماية البيئة، وتعلم العراقيين كيفية حمايتها، وأن تتولى أمرها بنفسها وتدفع الوزارة، بل والحكومة، لتوجيه الاهتمام اللائق بالبيئة.

على حد علمي، لم تقوم الشركات لحد الآن بحفر آبار لتكون مكبات للمياه المالحة أو السوائل الصناعية المختلفة، حيث من أسوأ الملوثات للبيئة في الحقول النفطية المنتجة هي إنتاج الماء المشبع بالأملاح مع النفط، وعليه يجب التخلص من هذه السوائل ذات السمية العالية بطريقة فعالة، ومن أهم وسائل التخلص من الماء المشبع بالأملاح تتمثل بإعادة ضخه في الطبقات المنتجة، وهذا الأمر يعني وجود نظام لتدوير الماء المنتج يتضمن منشآة لمعالجتة ونظام آخر لضخه في آبار الضخ، وفي الواقع لا يوجد أي شيء من هذه الأنظمة حاليا على حد علمي المتواضع، كما وليس هناك آبار لبزل المياه في طبقات أرضية تعتبر غير ذات جدوى اقتصادية وقابلة لتلقي هذه المياه المالحة جدا، كطبقات السمسمة وأم الرضومة والدمام.

إن مسألة التخلص من هذه المياه غاية بالأهمية، ذلك لأن اللتر الواحد من الماء المالح الذي ينتج مع النفط يحتوي على ما يقرب من مئتي ألف مليغرام من الأملاح، وهذا يعني أن هذا اللتر من الماء لو ذهب للمياه الجوفية فإنه سيلوث حوالي ألف لتر من الماء الصالح للشرب أو الزراعة، فلو عرفنا أن هناك الكثير من الآبار النفطية سوف تنتج الماء في القريب العاجل، وربما سيصل إنتاجها خلال بضع سنوات إلى أكثر من مليون برميل ماء مشبع يوميا. هذه الكميات من الماء لو تم إطلاقها فوق المياه الجوفية الصالحة للزراعة أو الشرب، فإنها ستلوث يوميا مليار برميل من المياه الجوفية، أي ما يزيد على تدفق الفرات في أعالية بخمسة مرات، على اعتبار أن سرعة تدفق الماء في أعالي الفرات بحدود400 متر مكعب بالثانية.

فإذا لم تعمل الشركات من الآن على إعادة تدوير هذه المياه للطبقات المنتجة للنفط وضخ الذي لم تستطع تدويره في آبار البزل، فإن المياه الجوفية في مناطق التطوير سوف تتلوث تماما بضرف سنتين أو ثلاثة ولم تعد صالحة لشيء على الإطلاق، وإلى الأبد.

يوجد هناك سوائل أخرى كثيرة ملوثة للبيئة، كل هذه السوائل يجب أن يتم ضخها في آبار البزل، كما ويجد أيضا ملوثات صلبة هي الأخرى يجب أن تطمر أو يتم الاستفادة منها بإعادة تدويرها. لكل هذه الحالات لابد من وجود أنظمة جاهزة من الآن وتعمل على مدار الساعة، لكن مع الأسف الشديد هذه الأنظمة غير موجودة ولم أرها بل ولم أسمع بوجودها في العراق على الإطلاق.

هناك أيضا الغاز الذي يحرق وكان من المفروض أن تبدأ الشركات من الآن بإحتواءه واستغلاله بدلا من حرقه كما نصت على ذلك العقود، وهذا ما سنأتي عليه في حلقة قادمة من هذه الدراسة، لكن للأسف الشيد لم أجد لحد الآن ذلك الإهتمام الكافي بهذا الملف الذي يعتبر في غاية الخطورة والأهمية.

للحق أقول إن معظم الحقول النفطية أو الغازية تقع في مناطق صحراوية وليس فيها حقول زراعية، لكن أيضا، وكما يعرف الجميع، أن أرض العراق تختزن كميات هائلة من المياه الجوفية، وهناك الكثير من الحقول الزراعية تتستفيد من هذه المياه لسقي المزروعات، كما ويوجد العديد من الحقول ضمن أراض زراعية أصلا، وتسقي مزروعاتها من مياه دجلة أو الفرات، كل هذه الحقول يجب أن لا تتأثر بعمل الشركات بأي حال من الأحوال، لا باستقطاع أراضي واسعة منها ولا بالإساءة للمياه الجوفية أو مياه الأنهار.

إن قضية من هذا النوع لو كانت في بلد غير العراق لمنعت الشركات من استغلال الحقول مهما كان إنتاحها ما لم تلتزم بالمعايير العالمية لحماية البيئة، وهي معروفة للشركات، لكن يبدو أنها تحاول تجاهل تلك الضوابط ولا يهمها مستقبل البلد أو مستقبل المزارعين الذين يعملون في تلك الأراضي مادامت الوزارة جاهلة تماما بمدى خطورة الملوثات التي تنتج عن الصناعة النفطية.

لعلنا سمعنا عن تظاهرات الفلاحين في تلك المناطق، والتي وصل أمر البعض منها إلى مواجهات مسلحة مع الشركات أو من يقوم بحمايتها، وهذا يعني أيضا أنها قد استباحت أراض زراعية واسائت للبيئة ما دفع المزارعين للوقوف بوجه الشركات.

يستطيع المرء أن يرى بكل وضوح عند مروره بالقرب من الحقول النفطية أن يرى حرائق كبيرة، هي في الواقع عبارة عن نفط يحرق كنتيجة للعمليات التي تجري على الآبار، مثل الإنعاش وتنظيف الآبار بعد الحفر وما إلى ذلك من عمليات تخصصية. على حد علمي لا يوجد اليوم بلد يحترم البيئة ويهتم بمصادر مياهه أن تبقى تظيفة وهواءه أن يبقى نقيا، يترك الشركات أن تسيء للبيئة وتفعل ما تفعله في الحقول حاليا بمنهى الحرية، ولا ندري إلى متى سيستمر الحال على هذا المنوال؟

كما ويستطيع المرء أن يرى بوضوح أيضا كل أنواع المخلفات الصلبة الضارة بالبيئة تغطي تلك المناطق دون أن يكترث لها أحد، حيث أنها ليست مجرد أنقاض أو أزبال، لكن هناك الكثير من مكوناتها ضارة بشكل كبير للبيئة والإنسان.

فلو استمرت الشركات، أو سوء إدارة العمليات النفطية بشكل عام على هذا المنوال من التردي والإساءة للبيئة، فإن الحقول ستتحول بضرف سنوات قليلة إلى مناطق يستحيل العيش أو العمل أو الزراعة فيها.

الصحة والسلامة:

لنأخذ مثلا على إهمال الشركات العاملة لموضوع الصحة والسلامة والبيئة:

كنت شخصيا في أحد الحقول النفط الجنوبية، أوائل شهر تشرين الأول من عام2010، يومها أخبرني أحد المسؤولين أن هناك حادث موت مأساوي في صباح ذلك اليوم، حيث سقط العامل العراقي من فوق الخزان الذي يتم بناءه في الحقل على كومة من الحديد كانت في المكان الذي سقط فيه ليموت في الحال.

انه ليس مجرد حادث مؤسف، لأن ما أعرفه عن أنظمة السلامة لا تسمح بأي حال من الأحوال بحادث كهذا، للأسباب التالية:

•·         سقوط عامل من فوق الخزان الذي تحت البناء يعني أنه لم يستخدم حزام سلامة مربوط في مكان متين، ولا يوجد سقالة متينة يقف عليها، وسقوطه في مكان يحتوي على بقايا حديد كانت تحته يعني مخالفة كبيرة وفق دليل السلامة الصناعية، بل يمكن اعتبار أن ليس هناك دليل سلامة معمول به أصلا، ولا نظام لحماية البيئة لتخليصها من الأنقاض أو النفايات الصلبة، ولم يكن هناك تحليل للمخاطر المحتملة عند منح تصريح العملPTW، لذا كان السقوط قاتلا، لأنه سقط فوق الحديد الخردة المتروك على الأرض.

•·         يعني أيضا، أن ليس هناك مسؤول عن ساحة العمل التي يعمل بها، أي مسؤول من شركته وفق أي نظام سلامة معمول عالميا، وإن وجد فإنه لم يكن يعرف شيئا عن السلامة الصناعية، بل وحتى أولياتها، ويعني أيضا أن ليس هناك مسؤول عن المنشأة التي يتم بناء الخزان بها، وإلا لكان أوقف العمل في الحال قبل سقوط الرجل، بل كان يرفض المصادقة على تصريح العملPTW. وربما لم يكن هناك وثيقة من هذا النوع على الإطلاق.

•·         كما ويعني عدم وجود ظابط للسلامة الصناعية في ساحة العمل، وهو موظف تابع لدائرة السلامة، وعدم وجوده ربما يعني عدم وجود إدارة للسلامة الصناعية ولا إدارة لحماية البيئة، أو في أحسن الأحوال يعني إهمال تام لكل ما يتعلق بالسلامة الصناعية من قبل الشركة العاملة.

•·         ويعني أيضا، وهنا مربط الفرس، أن ليس هناك ما يسمى بنظام إدارة الصحة والسلامة والبيئةHSEMS، وليس هناك دليل للسلامة، الذي يسمى بالSafety Manual.

لو حدث أمر كهذا في دولة أخرى لتدخلت الشرطة الجنائية والسلطات القضائية في الحال، وتم على إثر ذلك إيقاف جميع المسؤولين عن هذا العمل وتحويلهم للقضاء لينالوا الجزاء العادل بسبب إهمالهم بتأدية واجباتهم الوظيفية التي تسببت بهذا الحادث الجلل. ولكان سببا قويا بفقدان الشركة مصداقيتها في الأماكن الأخرى، وربما تسحب رخصة العمل منها في الحال من قبل السلطات في ذلك البلد. لكن مع الأسف عندنا استمرت بالعمل، واستمر المسؤولين بالعمل وكأن شيئا لم يحدث، وسمعت من بعضهم بعد مدة أن الموضوع تم السكوت عليه واعتبر سقوط العامل "قضاءا وقدرا"، وربما لم يستلم ورثته تعويضات عن التسبب بموته.

ما تقدم يعني باختصار أن الوزارة لم تفعل شيئا لحد الآن بصدد هذا الموضوع الذي يعتبر الأكثر الأهمية من أي موضوع آخر، فالوزارة بحاجة إلى دليل السلامةSafety Manual، قد يصل عدد مجلداته إلى أكثر من عشرة مجلدات ضخمة، ونظام لإدارة الصحة والسلامة والبيئةHSEMS، حيث هناك أكثر من نظام للإدارة هذا الملف، وأكثر من مدرسة.

كما ونحن بحاجة إلى قوانين يجب أن تشرعها الدولة تتعلق بحماية البيئة، وقوانين تتعلق بحوادث العمل، ونحتاج إلى مؤسسات أخرى مختصة بهذا الموضوع كشركات التأمين، وشركات ضمان النوعية، وشركات التجهيز لأجهزة السلامة وحماية البيئة، ونحتاج إلى محاكم مختصة بمثل هذه المواضيع، ونحن بحاجة أيضا إلى جهات تحري وتحقيق تابعة للدولة وأخرى قطاع خاص على شكل مكاتب استشارية، حيث هي التي تقوم بالتحري عن الحوادث من هذا النوع كطرق ثالث محايد.

أما الموضوع الآخر الذي يجب العمل على تأسيسه ألا وهو الصحة المهنية، حيث تكون هي المرجع لصحة الأفراد ومدى تأثرهم بضروف العمل، وهذا يعني تأسيس أقسام للصحة المهنية في كل شركة. هذه الموسسات تكون هي المسؤولة عن متابعة الحالة الصحية لجميع العاملين وفق معايير دولية معترف بها، وتعتبر المرجعية بتحديد التعويضات التي يستحقها الشخص العامل ضمن أي بيئة عمل في حال تعرضه لحادث مؤسف.

بإختصار، نستطيع القول إن الصحة المهنية غير موجودة مع الأسف الشديد، وإن وجدت فهي غير فاعلة، أو لا تزيد عن مستوصفات تعالج الزكام وتمنح الإجازات المرضية للمتمارضين.

الترتيب والنظافة من مكملات السلامة، ولعلي لا أكون مجانبا الحقيقة لو قلت أن مجرد إلقاء نظرة واحدة على واقع الحقول، نجد أن كل شيئ يسيء للذوق العام، فالأبنية مجرد أطلال، وما بداخلها من محتويات لا يصلح لشيء سوى إلقاءه بالقمامة. الطرق هي الأخرى في وضع أبعد ما تكون عن الطرق التي نعرفها من ناحية التنظيم أو التخطيط، أما الورش وساحات العمل تشيء بما هو أكثر، ففي إحدى الساحات تم إلقاء عشرات المضخات الغاطسة في تلك الساحة، والساحات المجاورة لها، تبين لي فيما بعد أن هناك بالجوار خمسة أبنية حديثة أعدت أصلا كمخازن لمثل هذه المضخات غالية الثمن، لكن المخازن بقيت فارغة والمضخات بقيت أيضا ملقات في الساحات تعبث بها الريح والغبار وتشوه المشهد بكل أنواع الضجيج البصري المقرف، فإذا كان التعامل مع معدات تقدر قيمة الواحدة منها بمليون دولار بهذه الطريقة، فما هي طريقة التعامل مع المعدات الأخرى الأقل ثمنا؟ وحين سألت عن الجهة التي تقوم بصيانة هذه المضخات، قيل أن ليس هناك جهة ما، فالمضخة التي يصيبها عطل ما، أو بالأحرى تخرج من أحد الآبار، تلقى هنا وكأنها حديد خردة، إذ ليس هناك عقود للصيانة والفحص مع الشركات المصنعة لها، بل وليس هناك وجود للشركات أصلا في العراق، فهي تستورد وتترك بعد نصبها مرة واحدة فقط، حتى لو بقيت ليوم واحد في البئر.

إن مثل هذا النوع من الإهمال الموروث من الإدارات السابقة للإدارة الحالية يعتبر أحد أهم أشكال سوء الإدارة وهدر المال العام.

حقيقة إن هذا المشهد غير موجود في أي مكان آخر في العالم، الأمر والأدهى من ذلك، هو أن أقسام الشركة تعاني من نقص فادح بالأجهزة والمعدات الضرورية كما تعاني من أشكال الفوضى التي نعرفها ولا نعرفها. حقيقة إنه أمر مؤسف للغاية، وقد استمر هذا الوضع حتى بعد منح عقود التراخيص ودخول الشركات العالمية التي يبدو أن عدوى الجرب قد أصابتها هي الأخرى، فلا تجد من يكترث لشيء خطأ على الإطلاق، وربما المثال الذي أوردناه عن حادث العمل الذي تسبب بموت العامل يعد خير دليل على ما نقول، كونه حدث في ساحة عمل تابعة لشركة تعتبر من أعرق شركات النفط في العالم.

إن موضوع السلامة، الذي جرنا للحديث عن هكذا نوع من الإهانة للصناعة النفطية أينما وجدت، قد تراجع للخلف ولم تعد "السلامة الصناعية" من الأولويات كما يفترض أن تكون، أي "السلامة أولا"، وهو شعار عالمي تتمسك به أي مؤسسة حتى لو كان عملها مكتبيا فقط.

وأخيرا من البديهي للطبيب أو الممرض حين يعالج جرح ما إن يبدأ أولا بتنظيف الجرح وتعقيم المكان قبل أن يشرع بعلاجه، لأن علاج الجرح القذر أمرا مستحيلا بدون تنظيف، وهذا هو شأن الحقول العراقية مع النظافة والترتيب والسلامة العامة والصحة والبيئة، فشوارعها قذرة تملؤها الأزبال والأوحال والأنقاض هوائها ملوث بكل أنواع الغازات السامة، والسوائل الصناعية ذات السمية العالية تبزل فوق المياه الجوفية، باختصار تجد هناك كل ما هو ملوث للبيئة وضار بسلامة وصحة الإنسان.

مرة أخرى أقول، ربما تكون أنظمة السلامة والصحة والبيئة والكيانات التي تتدبر أمرها موجودة، ولكن على أرض الواقع نجد أنها غير فاعلة ومتخلفة، لذا يترتب على الوزارة الضغط على الشركات العاملة أن تأتي بأنظمتها المتطورة التي تعمل بها في بلدانها.

كما ويترتب على الوزارة أيضا أن تختار من بين الأنظمة العالمية المعمول بها نظاما واحدا وتفرضه على الشركات لتطبقه في عملها، وهكذا سيكون لدى الوزارة نظاما واحدا معتمدا، ويجب أن يكون مرفقا مع أي عقد تبرمه الوزارة مع الشركات العالمية أو المحلية على حد سواء.

وأخيرا يجب أن تسعى الوزارة إلى تطبيق ما اعتمدته بمنتهى الصرامة والدقة وبأيد خبيرة.

في الحقيقة إن ما تقدم منصوص عليه في العقد المعياري لكن للأسف الشديد مازال ينتظر التطبيق، وقد يكون سبب التراخي عن تطبيقه هو الجهل، وربما شيئا آخر نترك تقديره للقارئ الكريم.

يتبع في الحلقة القادمة من الدراسة.........

 

حمزة الجواهري


التعليقات




5000