..........

د.علاء الجوادي 
......... 
..............  

..........
............
  


....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور الثامن
 

يحيى السماوي  

 

 

 

 

ملف مهرجان النور السابع

 .....................

فيلم عن
الدكتور عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 

 ملف

مهرجان النور السادس

.

 ملف

مهرجان النور الخامس

 

.

تغطية قناة آشور الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ والاهوار

.

تغطية قناة الديار الفضائية 

تغطية الفضائية السومرية

تغطية قناة الفيحاء في بابل 

 

ملف مهرجان النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة الرشيد الفضائية
لمهرجان النور الرابع للابداع

.

تغطية قناة آشور الفضائية
لمهرجان النور الرابع للابداع

 

تغطية قناة الفيحاء
لمهرجان النور في بابل

 

ملف مهرجان النور

الثالث للابداع 2008

 

 

 

ملف مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


تداعيات الجنابي وتساؤلات الخالدي ومائدة قنبر

زمن عبد زيد

إن العناصر التي تكون المادة الإبداعية تبرز في هيئتها الأخيرة بعد أن تجتاز المختبر الإبداعي المعرفي لمنجزها سواء كانت مستويات معالجته معقدة أو  مبسطة ومن هذه العناصر الصانعة للنص:  وسطه الثقافي ومدى تهيؤ هذا الوسط لاستقبال أو فهم النص وتراث المبدع وارثه الاجتماعي والمعرفي ثم  درجة نضجه ووعيه في تبني قضية ما أو قضايا والتعبير عنها في مشروعه الإبداعي وبذلك يكون النص بصمة لمبدعه نعرف من خلالها آراءه ومتبنياته  الفكرية  وحالاته النفسية وليس القصد من وراء هذه بيان مرجعيات أو تقديم تأويلات أو وصول إلى استنتاجات خاصة بالكاتب بقدر ما هي خاصة بالنص ودرجة اقترابه من خط  الإبداع ،وبرأيي انه كلما كان الكاتب يحمل هما ويكتب عن حاجة كلما كان النص يحمل جوازه الإبداعي وبهذه الورقة النقدية أقدم ثلاث بصمات إبداعية، البصمة الأولى هي قصيدة (تداعيات) للشاعر عبدالله الجنابي والبصمة الثانية ( يا يوسف) للشاعر محمد ألخالدي والثالثة (على مائدة الرب) للشاعر سعيد قنبر كاشفا عن ملامح وتكونات هذه البصمات عبر فك نوع من أنواع التوظيف مستخدما آلية تبيين التناص في إنتاج معنى النص باعتبار ( الانطلاق من نص .... قديم محدّد الكاتب والهوية وعبر الحوار أو التفاعل النصي يتم تقديم نص  ... جديد وإنتاج  دلالة جديدة لها صلة بالزمن الجديد الذي ظهر فيه النص )1  وقبل الولوج في  هذه النصوص لابد من التعريف بالتناص وتاريخ نشأته 

  

التناص تعريفا و نشأة:

  

التناص لغة منحوت من كلمتين inter  أي (داخل) و textual أي (نصي)  هو ينتمي إلى ما بعد البنيوية والنص المتناص هو  تداخل النصوص المختزنة في الذاكرة القرائية  القديمة أو الحديثة مع النص الأصلي بحيث تكون هذه النصوص  منسجمة وموظفة وتدل على الفكرة التي يطرحها المبدع وقد تكون مصادر هذه النصوص دينية أو تاريخية أو أسطورية أو أدبية وهنا يتداخل اللاشعري في تكوين الشعري ،أما نشأة التناص  
فيقول عبدالله الغذامي في (مقالات في النقد والنظرية) (وإذا ما انتقلنا إلى مفهوم التناص ونشأته في الأدب العربي نجد أن مفهوم التناص هو مصطلح جديد لظاهرة أدبية ونقدية قديمة فـ "ظاهرة تداخل النصوص هي سمة جوهرية في الثقافة العربية حيث تتشكل العوالم الثقافية في ذاكرة الإنسان العربي ممتزجة ومتداخلة في تشابك عجيب ومذهل) فعند تتبع المتن النقدي العربي القديم نكتشف صور التناص ، وقد  تتبع كثير من الباحثين المعاصرين أثر التناص في النصوص القديمة فوجدوه بأشكال مختلفة من المصطلح الحديث للتناص، وقد وجدوا ذلك في علاقة النص بغيره من النصوص منذ الجاهلية متناولين المقدمة الطللية باعتبارها  تتطلب التقليد من حيث الوقوف والبكاء ووجدوا في ذلك أوليات على التفاعل النصي، والتناص في الأدب العربي مر ببدايات حملت  مسميات نقدية تناسب العصر القديم ثم ظهر من جديد متأثرا باللسانية الغربية كمصطلح بارز، فظهر مفهوم التناص في الدراسات العربية الحديثة نتيجة تفاعلها مع  الدراسات النقدية الغربية وحينما أقول ظهر متأثرا باللسانيات الغربية كون المصطلح كان يرد ضمن الدراسات اللسانية كما يقول  شربل داغر، ويؤكد  ميخائيل باختين أن التفاعل بين النصوص في استعادتها أو محاكاتها لنصوص أخرى هو ابرز صور التناص وان كان المصطلح قد وضح أكثر علي يد  تلميذته جوليا كرستيفا عبر تطبيقاتها وإجراءاتها في دراساتها مؤكدة أن التناص هو التفاعل النصي في نص بعينه

  

التناص في( تداعيات)2 للشاعر عبدالله الجنابي:

  

       يوظف الشاعر عبدالله الجنابي الموروث القرآني والتاريخي في إنتاجية معنى النص وقبل أن نوضح ذلك لابد من التأسيس إلى أننا سنتجاوز حدود النص إلى ما هو خارج النص لفهم مرجعيات توليد ذلك النص كـ (زمكانه) والتكوين النفسي والاجتماعي آنذاك  لنفهم المسار المولد للمعنى  ولن نذهب بعيدا إذا ما تطرقنا إلى ما هو خارج النص لان هناك الموقف الانطولوجي الجديد الذي أشار إليه  فونتانيل اذ اعتقد بوجود خارج النص إذ لابد من ربط اللحظة التي يتكون فيها النص لفهم معناه وبغير ذلك سيكون من الصعب فهم نوع التزاوج في تناص هذا النص، كون أن النص texteهو المعنى المولد نتيجة  تناصه مع النص المتداخل intertxte  على أساس فهمنا أن النص هو نسيج متشابك من العلاقات المتداخلة ( علاقات الجدلية بين الحضور و الغياب)3 حضور الكاتب بنصه الجديد  ولذلك نقول أن مكان النص العراق وزمانه عام 1991 بعد اجتياح الكويت وما ترتب على العراق من المجتمع الدولي من حصار ومعاناة  .  يتكون النص من (سبعة) مقاطع اعتمد الشاعر في ترتيبها على السياق التاريخي الذي ورد في النص المتداخل قرانا أو موروثا تاريخيا  ليوهم المتلقي بأنه يستهدف النص الموروث مباشرة دون قصدية إنتاج معنى جديد  فيبدأ المقطع الأول بآدم والثاني بنوح والثالث بسليمان والرابع بموسى والخامس بيزيد والسادس بالمعتصم والسابع بالسلطان العثماني وهؤلاء هم المعادل الموضوعي الذي استخدمه الشاعر يقول في المقطع الأول  :

  

أخرجنا ادم من جنتنا

افقدنا النعمة والراحة

ادم يسكن - في الوقت الحاضر-  في الجنة

نقتل يوميا

بالتفصيل

لماذا؟

أكل السيد ادم تفاحة

  

      نلاحظ أن الشاعر عمد بوعي إلى توظيف قصة ادم التي وردت في القران وخروجه من الجنة حينما أكل ثمرة حرمها الله عليه مستفيدا من هذه القصة فلو عقدنا مقارنة بين اصل القصة في القران واصل القصة في النص الشعري لوجدنا أن ادم حرمت عليه سلطة عليا أكل الثمرة والسلطة العليا هي الله  إلا انه أكلها بإغراء من الشيطان وبذلك خسر ادم الجنة التي كان ينعم بها كعقوبة له وخسر أبنائه ذلك النعيم  ،يستفيد عبدالله الجنابي من ادم كمعادل موضوعي لصدام- ليتجاوز الشاعر بطش السلطة آنذاك- حينما دخل الكويت في 1991 وقد كان محرما عليه دخولها من سلطة عليا هي المجتمع الدولي مستفيدا من رمز التفاحة للإشارة إلى الكويت وحينما دخلها عوقب بما عوقب به من هذا المجتمع فكان سببا في خروج العراقيين من جنتهم وتعرضهم للإذلال والتجويع بسبب ما فرض عليهم من حصار ،نلاحظ أن التشكل الثقافي للنص اعتمد في  مرجعيته على الإرث الإسلامي فعقد تناصا وتفاوضا  بين النصين لإنتاج المعنى الذي ذهبنا إليه    ثم يكمل الشاعر فكرته ليؤكد علاقة النص المتداخل مع واقع الشاعر خوفا من ابتعاد الخطاب الشعري عن دلالته وقصديته الزمكانية فيقول :

  

ويحار الكلب أمام قمامتنا

أكياس لا تحمل إلا أوجاعا

والهرة حلفت

أن لا تدخل مطبخنا

ومناد قذر بالنفس

ينادي

أن نخرج

نذبح حتى أبناء العم

لنشبع معدتنا

ادم يسكن بخطيئته الجنة

ونحن حفاة

نكدح كالنمل

نناضل

كي نبني في الأخر قبرا

يحكي أسفار بطولتنا

  

     فالكلب يقف حائرا أمام أكياس القمامة الفارغة والهرة تقسم ألا تدخل المطبخ ثانيا لخلوه من الطعام والنفس الأمارة بالسوء توسوس بقتل اقرب الناس  للحصول على ما تملأ به المعدة في حين أن صاحب الخطيئة - الطاغية - مرمزا يسكن بالجنة  ثم يعود الشاعر للذات الجمعية لعصره  فيذكر انه وأبناء شعبه  يكدحون ويناضلون ليُقتلوا بشرف وموتهم يحكي بطولة مواجهتهم  ، أما في المقطع الثاني فانه يتناول نوح كمعادل موضوعي ليولد معنى اخر هو مقاومة الشعب العراقي للطاغية إذ يقول:

  

 اغرق نوح  أهلي في الطوفان

لم يعصمني جبل

 حين رفضت الحل

 وأعلنت العصيان

  

   فأهل الشاعر - شعبه - غرقى بأفعال الطاغية وانه حين قاوم لم يعصمه شيء من أن يناله الطاغية وبذلك يتنقل الشاعر بعرض صور عذابات شعبه معتمدا  على تقنية إلغاء الحدود بين النصوص أو الأحداث أو الشخصيات التي تناولها حيث جاءت موظفة ومذابة في النص الأصلي حتى صارت نقطة اِلتقاء لأكثر من زمن   ففتحت  معنى جديدا وان استخدام الشاعر لقصص ورموز دينية جاء نتيجة الإرث الثقافي للشاعر، تتنامى الصور الشعرية دراميا لتعطي تصورا كاملا عما أراد أن يبوح به الشاعر فيكمل في نفس المقطع مستثمرا شخصية أخرى يولد بها التصاعد النفسي الحاد ، سليمان كاسم مصرح ومرمز به ليشير إلى جبروت الطاغية وطمعه ثم يرمز للشعب العراقي بشخصية بلقيس  :

  

وسليمان

اخرج بلقيسا من جنتها

 لم تشبعه كنوز الأرض

وبلاد

ما خالفه فيها

انس أو جان 

يتوعد فيها

 حتى الهدهد

النملة

    ولكن التصعيد الدرامي للمنتج في نتاجه أعطاه زخما ثوريا ليعلن أن الثورة على الطاغية آتية ، وللاستمرار بالفضاء اللفظي المستخدم في النص يستخدم مفردة (يؤذن) :

  

اسمع صوت الهدهد

في الليل

يؤذن:

تأتي الحرية

يوم يموت سليمان 

أما المقطع الثالث  فيخصصه الشاعر لتحريض الشعب عبر استفزازه بقرار موسى بان :

  

أعلن موسى

أن التيه قرار عادل

أن ندخل في نار الصحراء

نعصر حبات الرمل

  

      ونلاحظ في المقطع السابق بعض الإشارات الأقل ترميزا والأقرب للتصريح بالمعنى الدفين للنص حين يذكر ( ندخل نار الصحراء) - متوجهين للكويت - ، يستمر الشاعر بالتحريض عبر إبراز صفة من  صفات الشعب - آثرنا السلم -  يظهرها بسخرية لعل الشعب ينتفض عليها ويحمل سلاحه:

  

لانا

آثرنا السلم

وقررنا

أن لا نحمل رمحا ونقاتل

  

     ينتقل الشاعر عبر رموزه المرتبة تاريخيا في الموروث ولكن هذه المرة يكون أكثر وضوحا وسخرية وهذه نتيجة طبيعية لتصاعد خطاب النص ولتصاعد الدلالة فيتناول يزيد وطبيعة إنفاقه لخيرات بلده ولهاثه خلف الحروب فيقول:

  

ويزيد يجمع كل الفتيان

ينفق كل خراج الأرض

يدق طبول الحرب

يفتح فينا الأمصار

  

    ويستمر في هذا المقطع ليظهر نتائج الحروب البائسة وسخريته من يزيد المرمز:

  

ويضيع ربيع العمر

نقاتل جيش الافرنجة

ويزيد من وقع النصر

يشعر بالغثيان

  

     أما المقطع السادس  فقد تناول المعتصم واستجابته لاستغاثة شعوب أخرى في حين أن شعبه يستغيث منه فيقول:

وامعتصماه ...

ينهض من غفوته

يرسلنا نزحف من سامرا

نفتح عمورية

فالأمر خطير

وامرأة ظلمت

لكنا

كنا نسمع في سامرا

صيحة ألف امرأة علوية !!!!

  

     ثم نصل إلى المقطع السابع و نهاية النص وخاتمة التصاعد الدرامي بهجوم الأمريكان - غير مصرح بهم - إلى الكويت وإخراج الطاغية منها ووقوف الجيش مكتوف اليدين مستفيدا من الموروث التاريخي الذي يروي عدم مساندة الشعب العراقي  للوالي العثماني فترة احتلال العراق من قبل الدولة العثمانية  حين هجم البريطانيون على العراق  وغضب السلطان على الشعب الذي لم يسانده بصد الغزو فيقول:

  

يشتاط السلطان من الغيض

كيف وقفنا عن بعد

نرقب جيش الحلفاء

يقلب طربوش الوالي

  

    ثم يبين الشاعر موقفا ذاتيا يظهر به الموقف الجمعي للشعب عبر ذكره رأي والده- الشعب  :

  

وأبي...

في كل صلاة  يشتم

لعن الله الأول والتالي

  

التناص في (يا يوسف)4 للشاعر محمد ألخالدي:

  

       يستند المبدع إلى حاضنة أو رحم في تكوين حركية نصوصه الإبداعية  وليس بالضرورة أن يكون  النص المنجز متطابقا مع النص المتداخل، بل قد يأتي متمردا عليه ومختلفا عنه لأنه (يتصل بعمليات الامتصاص والتحويل الجذري لعديد من النصوص الممتدة بالقبول أو الرفض في نسيج النص الأدبي المحدد)5وقد يحدث ذلك  بوعي وإدراك المبدع أو باللاوعي المعرفي،ينتج  رؤاه وأفكاره ،وقد قيل  أن التناص لامناص منه  ولكن على المبدع أن ينتج نصا يحفر عميقا بمتبنياته المعرفية، فالنص الداخل الذي وضفه الشاعر محمد ألخالدي مشدود الى ثوابت الموروث إلا أن الشاعر حاول أن يبدي رأيه عبر إنتاجه معنى جديدا يعبر به عن رؤيا عاطفية تجتاح المنتج لحظة الإنتاج  وتقترب  من العصر والواقع المعاصر  معتمدا على مرجعياته المعرفية وثقافته وبيئته ،فالنموذج الأول للتناص عنده هو عنوان القصيدة (يا يوسف) فالاسم يحيلنا لقصة الموروث فكأن بالشاعر أراد أن يؤسس للتناص من عتبة النص  معلنا مناداة هذا العصر لذاك العصر عبر حلقة الوصل يوسف معتمدا على مشتركات إنسانية بين العصرين - الحب - إلا أن هذا المشترك وان انطبق بالمعنى  إلا انه اختلف بالسلوك نتيجة اختلاف مرجعيات (الابيسستمولوجية ) لكل من المخاطَب والمخاطِب يشرع الشاعر بمخاطبة يوسف قائلا :

 

إنّا أعطيناكَ مدادَ الحب ِ..

فأكتبْ ما شئتَ ..

أو قلْ ما شئتَ..

وأطلقْ لعنانِ الشهوةِ

خيلَ الآثام ...

دعْ قلبكَ ..

يستقبلُ عرسَ الضوء..

  دعْ ..روحكَ تتنفسُ من رئةِ الوجد..

  

     فالشاعر في نصه يتناص مع القصة الموظفة ولكن بانقلاب بالمعنى والفكرة لرفض الشاعر باللاوعي المعرفي الصورة الذكورية للنص الداخل التي ترسخت في الذاكرة القرائية عبر انتقالها من منظومة الموروثات العربية  والتي أفادت عفة الرجل وابتذال المرأة وعلى الرغم من مخاطبة الشاعر والحث على مخالفة المنظومة الأخلاقية المنتجة النص إلا انه سقط وبلا وعي  تحت طائلتها هو الأخر وذلك بقوله:

    

وأطلقْ لعنانِ الشهوةِ

خيلَ الآثام ..

  

    لأنه يصف طلبه   بـ ( الإثم) وان كان قد عاد ليحسن ذلك الوصف بأوصاف أخرى مثل الضوء ،، ثم يناديه ثانيا :

  

يا يوسفُ..

 أزرعْ قُبلا ً..

أرسمْ  للقمح ِِ أناملَ حب ٍ

تتناسلُ عاطفةً خضراء..

  

    مستفيدا من قصة الموروث - النص الداخل -   ومسالة  توزيع القمح فيوظف ذلك في النص الأصلي  ليخدم الزخم العاطفي الذي يكتنز به النص وسرعان ما يعود النص الأصلي بثورة  على شكل توصيات فيطلب من بطل النص الداخل أن يبعد عنه خوفه  :

يا يوسفُ..

يا يقظةَ َ أحلامِ زليخا.. ِ

أبعدْ عنكَ قميصَ الروعِ ..

  

    لم يكتف الشاعر بالتناص مع القصة الموروثة فحسب وإنما افاد أيضا من المصطلح واللفظ لينتج ما أراد إنتاجه فيتصاعد التوجيه لإنتاج معنى  مغاير فيذكر تلاوة الفاتحة والسجود والتسبيح

(وأتلُ فاتحةً للشبق ِ) (أمامكَ ساجدةً) ( والصبحُ يسبّحُ )

     ولا يتأخر المنتج في إبراز ملامح مخالفته للنص بوضوح ودون اختباء خلف أقنعة الترميز التي تمكنه من إخفاء كامل جسد المعنى فهو يطلب من المخاطَب أن يترك الشك ويظهر رغبته ملبيا ما أرادته منه المرأة معلنا تعاطفا كبيرا معها معبرا عنها بالغابات  :

  

دعْ عنكَ..

صهيلَ الشكِ  ..

وعواءَ القلقِ المجنون..

غاباتُ الفجرِ ..

أمامكَ ساجدةً .. تتأملُ منكَ ربيعاً يأتي

  

    يستمر الشاعر بالاستفادة من كامل الموروث إلا انه يختم نصه بالمرأة وبتعاطفه الكبير معها فكأنها خاتمة الفكرة وكمال النص :

  

والصبحُ يسبّحُ ..

باسم الشفتينِ المفعمتينِ ..

برضاب ِ القبلاتِ الحرى..

ها أنتَ تسامرُ صوتَ الربّ ِ ..

وبقربكَ داوود يغني:

ها أنتَ ......

فأقربْ ..وادنُ  ..

والق ِ بسناكَ على الماء ِ ..

تتفجّر أنثى من دفء  ..

  

   

  

التناص في قصيدة (على مائدة الرب )6 للشاعر سعيد قنبر:

     يهتم الشاعر سعيد قنبر بالتأسيس لفكرته ابتدءا من عتبة النص وعندما نستكنه نصوصه نكتشف انه قد وظف  رصيده وارثه المعرفي في نصوصه وأشار ببوصلة واضحة الدقة نحو أصل ذلك الإرث الذي توزع مابين الذاكرة القرائية  القديمة المتمثلة بالموروث الديني والذاكرة القرائية  الحديثة المتمثلة بالرواية الغربية ، فعنوانه يجعل المتلقي يدور في أجواء الموروث الديني الذي  استطاع بلاوعيه المعرفي أن يحيلنا إلى العشاء الأخير وغذى الجو الديني الذي يريد للمتلقي أن يدور في فلكه في مقطعه الأول حين قال:

  

باسم الرّب ... أولد ُ

وباسم الرّب ... أحيا

وباسم الرّب ...

                  أجوع واقتل

والرّب في كل الأطوار...

                       بريء  اعزل

     وبعد اشتغاله على التناص في العنوان بصورة خجولة عاد ليعلن تناصه مع رواية ( في الساعة الخامسة والعشرين) للكاتب لكونستانتو جورجيو ليعلن انه خارج الوقت كما سبق وأعلنها جورجيو فلا ساعة بعد الأربع والعشرين ساعة إنما هي إشارة لإعلام المتلقي بالخروج خارج إطار الزمن إذ قال:

  

في الساعة الخامسة والعشرين

  

    لم يكتف الشاعر بهذا التناص ليوصل ما أراد، فراح يؤكد خروجه خارج الزمن، كأنه خشي أن لا يفهم المتلقي تلك الإشارة فأضاف بقوله:

  

من اليوم الثامن في أسبوع المحنة...

  

     وكما نعرف أن الأسبوع ليس فيه يوما ثامنا،فكأنه أراد أن يقول إن التقاء الزمن الماضي بالحاضر بلحظة هي خارج إطار الزمن ثم عاد ليؤكد تناصه مع الموروث الديني مستفيدا من قصة يوسف  إلا انه أنتج بهذا الاشتغال توليد معنى أراد أن يوصله للمتلقي وهو الربط بين ماضي الموروث اللفظي وواقع حياة الشاعر  حين قال:

  

.... ليس سبعا منها

بل كل السنين عجاف

  

     لم يخفِ سعيد قنبر تناصه مع القران لأنه أراد وبصورة معلنة أن يقول أن اشتغالاته الفكرية وتوهجاته الروحية تدور حول مركز ارثه المعرفي ، وقد أراد أن  يحيل التصورات الذهنية للمتلقي مابين إشارة لذكر الرب ومابين إشارة لذكر القران إلى ذلك الإرث  فجعل من القران مركزا للنص فقال:

  

فوجدت الرّب ...

  ... يجهش بالبكاء

وكذلك قوله:

ويتمتم قرانا حزينا

  

     وبعد تمكنه من خلق مركزية الجذب للموروث الديني و اشتغاله على أفكار ذلك الموروث تحول للاشتغال على مفرداته فعمد إلى تبديل مفردة مكان مفردة لينتج معنى يخدم نواة فكرة القصيدة فقد أبدل الشاعر كلمة (رحمتي) التي جاءت بالقران بكلمة( دمعتي) ليؤكد انه بهذا التوظيف وهذا التناص لم يخرج عن  الوحدة الموضوعية للنص فضلا عن قدرته على تطويع المفردة من النص  المتداخل  لتنسجم مع نسيج النص الأصلي فضلا عن وضع النص بين قوسين موهما المتلقي بأنه اقتبس الجملة دون تغيير  فقد قال:

  

( دمعتي وَسِعَت كُلًّ شيء... ............)

  

     إن سعيد قنبر كان متمكنا في تنويع طرق إفادته من الموروث باختلاف طرق تناصه معه فمرة نجد التناص متطابقا في الشكل مختلفا بالمعنى ومرة مختلفا شكلا ومعنى إلا أن الشاعر  هذه المرة عمد إلى التناص مع أسلوبية الموروث مستفيدا من قصة الموروث ، فقد عمد الشاعر إلى مخاطبة الله وإجراء حوار كما حدث لموسى بمخاطبته الرب وان كان في الخطابين  اختلاف في  اللفظ والمعنى  إلا إنهما تناصا في الجو العام وهذا أمر وارد لان الخطاب في النص يخدم أفكار المنتج  فقد قال الشاعر:

  

وفي سرِّ الليل الحالك بالحزن

... سالتُ الله النصحَ

قال يا ولدي ... لا تهجو السلطان

وقوله:

ربي ... مازلت اطمع بالنصحِ

... دعني أدنو منك

  

     ثم يشير الشاعر في وسط هذا المقطع إلى علاقته الصوفية بالله إذ قال:

  

يا ولدي .. أنت فيَّ ... وأنا فيك

لا تشرك معي بقلبك أحدا

  

     ولان الشاعر ممسك بخيوط النص عاد لينسج تلك الخيوط بصورة متناغمة مع عتبة النص قائلا:

وسأمطر أغانٍ ورغيفا

فأدنو مني جميعا...

هذي...

... مائدةُ الرّب...

  

    ويمكننا القول إن هذا التنوع في التناص الذي اشتغل عليه الشاعر لم يشتته عما أراده من إنتاج معنى أراده النص الأصلي لا النص المتداخل .

    وخلاصة القول إن الشعراء الثلاثة أفادوا كثيرا من الموروث قصة ولفظا ليكونوا منتجهم الإبداعي عبر التقاء نصوصهم بالنصوص الداخلة في نقطة الزمن الحاضرة لكل منهم لحظة إنتاجهم النص ..

   ______________

1- سعيد يقطين: الرواية والتراث السردي ، من اجل وعي جديد بالتراث ،المركز الثقافي العربي - المغرب- ط1 ،1992 ،ص5

2- من مجموعة (صدى الأسئلة )

3- كمال أبو ديب : في الشعرية : مؤسسة الأبحاث العربية :بيروت - لبنان،ط1 ،1987 ،ص107

 4- من مجموعة (مرفأ الهذيان)

5- صلاح فضل : بلاغة الخطاب وعلم النص،ص240

6- من مجموعة (على مائدة الرب)

                                                           

زمن عبد زيد


التعليقات

الاسم: حيدر جليل خلف
التاريخ: 16/09/2012 23:54:11
زمن يازمن ليش
راح تبقه السنبلة ومحمد الخالدي
واحنه هم راح نبقه
يعني ماراح اشوف اسمك بعد بالسنبلة
ولا راح اشوف قصه

لاحول ولاقوة الا بالله

الاسم: زمن عبد زيد الكرعاوي
التاريخ: 04/03/2011 21:21:41
المبدع المتالق يحيى السماوي
شكرا لكرم مرورك ولعبير حروفك كلماتك اضاءت صفحتي واضافتك قيمة

الاسم: علي العبودي
التاريخ: 04/03/2011 11:21:56
بوركت صديقي وحبيبي زمن عبد زيد

واتمنى لك الاستمرارية في الابداع والتالق


الاسم: علي حسين الخباز
التاريخ: 03/03/2011 22:03:20
العزيز زمن .. لاشك ان عالم التناص عالم كبير والخوض فيه بمثل اقتدارك يشكل ميزة مع وجود اشكال تناصية توافقية وتعارضية وهناك حوارية ايضا واقصد ملاحظة التناص الواعي والغير واعي وملاحظتي هنا وجدت في بعض الاستشهادات شغل يميل الى طريقة القناع ..وهي من اكثر اشتغالات التناصات نضجا الف شكر لك صديقي الرائع تقبل مودتي ودعائي

الاسم: سامي العامري
التاريخ: 01/03/2011 07:39:38
شكراً للأديب الناقد زمن عبد زيد
على هذا التعمق ..
ومن جهتي أميل أكثر إلى تجنب المصطلحات الذهنية
والبدء بكشف مواطن الجمال والقوة من خلال النص نفسه وما تتحكم به من قوانين روحية !!
الموضوع طويل ولذيذ في ذات الوقت ...
دمت بارعاً

الاسم: يحيى السماوي
التاريخ: 01/03/2011 07:19:26
عرفت الصديق زمن عبد زيد الكرعاوي من خلال قراءاتي قاصا قديرا مائزا في أسلوبه وصفاء لغته ... وعرفته ناقدا رصينا يسبر أغوار النص ... أما اليوم فعرفت فيه الناقد / الباحث في دراسته النقدية / البحثية هذه ..

لي ملاحظة : إن النقدة القدماء عرفوا التناص لكنهم أطلقوا عليه مسميات أخرى مثل " مآخذ الشعراء " و " سرقة المعنى " و " التضمين الخفي "أو " السلخ " بل ان بعضهم كالمرزباني وابن الأثير وابن جني عدوه سرقات أدبية " كقولهم عن بيت ابن الرومي :
تشكو المحب وتلفى الدهر شاكية
كالقوس تصمي الرمايا وهي مرنان

فقالوا إن البيت مسروق من المثل العربي :( يلدغ ويسيء ) ..

دراسة ثرة من أديب ثر ... فشكرا لأخي المبدع زمن .

الاسم: زمن عبد زيد الكرعاوي
التاريخ: 28/02/2011 20:41:54
المتالق صباح محسن كاظم
شكرا لمرورك ايها البهي الكريم

الاسم: زمن عبد زيد الكرعاوي
التاريخ: 28/02/2011 20:37:30
المتالقة شادية
شكرا لكلماتك الندية بعطر الياسمين وشكرا لمرورك البهي

الاسم: صباح محسن كاظم
التاريخ: 28/02/2011 15:08:57
الرائع زمن قراءة جميلة وتفحص واع وتحليل بهي لنصوص المبدعين الجنابي والخالدي وقنبر..دمت بألق

الاسم: شاديه حامد
التاريخ: 28/02/2011 14:11:54
الاديب القاص الناقد المبدع زمن عبد زيد...

استاذي...واقولها بفخر لانك اول من جذبني الى موقع النور....وعلمني مبادئ التواصل مع اهله....

شكرا لهذه الدراسه القيمه ولإضاءتك الجميله على التناص تعريفا ونشأه وتعريفه من منظور الباحثين الذين تتبعوه...
لا غرو فيما تحضر من ألق .... ما دمت والإبداع خطين متوازيين....لكن خطك يا سيدي قد يكون الاطول....
محبتي وتقديري

شادية




5000