...........
د.علاء الجوادي
..................
  
.............

 

..........
............
  


....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور الثامن
 

يحيى السماوي  

 

 

 

 

ملف مهرجان النور السابع

 .....................

فيلم عن
الدكتور عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 

 ملف

مهرجان النور السادس

.

 ملف

مهرجان النور الخامس

 

.

تغطية قناة آشور الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ والاهوار

.

تغطية قناة الديار الفضائية 

تغطية الفضائية السومرية

تغطية قناة الفيحاء في بابل 

 

ملف مهرجان النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة الرشيد الفضائية
لمهرجان النور الرابع للابداع

.

تغطية قناة آشور الفضائية
لمهرجان النور الرابع للابداع

 

تغطية قناة الفيحاء
لمهرجان النور في بابل

 

ملف مهرجان النور

الثالث للابداع 2008

 

 

 

ملف مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الدكتور بلاسم محمد جسام : اللوحة وصدمة التاريخ

د. محمد العبيدي

من الصعوبة ايجاد تعريف واضح للرسم في نهايات الالفية الثانية وبداية الالفية الثالثة.. لقد صار ظاهرة شديدة التعقيد ومتناقضة المستويات حينما تظهر الرسم بتجليات مختلفة تتناقض في بعض الاحيان كليا بما سيق من تصنيفات ومدارس واتجاهات وحاجات وافتراضات سابقة في زمن ليس ببعيد. فلو نظرنا الى تاريخ الفنون البصرية بعد الحرب العالمية الثانية لوجدنا انه قصة سلسلة من الحركات الصغيرة التي امكن للنقد ومؤرخي الفن من ملاحقتها وتعيينها: الفن الشعبي (البوب) والفن البصري (الاوب) والفن الحركي والفن الذهنوي وفوق الواقعية والسوريالية والتعبيرية الجديدة.. ان هذه الحركات برمتها تمثل اعادة تغيير افكار كانت معروفة قبل الحرب، وعلى الرغم من ان الفن قد تأرجح من الشخصاني المتطرف الى اللاشخصاني تماما، فان مصطلحات الصراع كانت قائمة سلفا، وعموما فان معظم الانبعاثات الاسلوبية تختلف عن اصول ما قبل الحرب في انها تطور وتعظم الشكل المستعار في الوقت الذي تقلل من شأن الموضوع او تنبذه كليا.

هذه المقدمة نبدأ بها حوارنا مع الاستاذ الدكتور بلاسم محمد جسام .... الاستاذ في كلية الفنون الجميلة ... جامعة بغداد     

س: انت تتعامل مع المدارس الفنية بخطاب (( حركات هل لكونها حملت مجموعة خصائص عامة ؟ ام انها حملت خطاب غير منظور ولاسيما الحركات التي اسميتها بالظهور بعد الحرب العالمية الثانية؟

نعم انها  الحركات كونها اخذت مجالا واسعا من النقد والتحليل عندما كانت تقع تحت مسميات مدرسية في التصنيف.. لكن لا احد يستطيع اليوم عزل الاعمال الفنية وليس ممكنا متابعة الانقلابات الاسلوبية الحاصلة في معارض الفن على الصعيد العالمي.. وكل ما هو حاصل ان يصنف الانتاج الفني لكل فنان تحت عناوين المدارس المذكورة نظرا لعدم استطاعة النقد من متابعة المستجدات الكبرى التي طرأت على الرسم ، وعليه يحتاج الانتاج المعاصر الى اعادة تعريف لا للاسلوب وحده بل في انتاج الرسم ذاته وكيفيات التقابل بينه وبين العمارة التي اصبحت ميدان عرضه وسبب من اسباب انتاجه..  اضافة الى دخول المتغير التقني الهائل الذي مد الرسم بدماء وحياة لم يكن قد عرفها في تاريخه وتجاربه وصيرورته .

هكذا نأى الرسم بنفسه عن تاريخه وموضوعه وفي ضوء ذلك توجب اعادة النظر في قراءته النقدية ومناهجها لان ادوات البحث الفني والمناهج المعروفة قد لاتصلح كما هي عليها الان، لفك الشفرات الجمالية لفن اليوم، او هي عاجزة في الاقل من الامساك-بادواتها المعروفة- بما يحيط بالرسم من تحولات مضطردة بالحياة وازماتها وبالحركية الهائلة لهذا العصر الذي تحرك فيه الفن من مكانه الى جغرافيا لم تزل لم تكتشف بعد

 س: بحكم طبيعة دراستك الاكاديمية الم تجد هناك تداخل في المسارب النصية للرسم على نحو لايتحقق فيه نقاء الفن التشكيلي ولاسيما مصطلحات فن اللافن وغيرها؟

عندما نتكلم عن اسلوب عصر معين يمكن ان ندل به على معنيين مختلفين.. المعنى الاول كما قال (الفرد نورث ويتهيد): ذلك "الشكل العام للافكار" الذي نلمسه في انتاج عصر معين والمعنى الثاني ذلك التصنع الواعي الذي يمارسه بعض الفنانين ويعبر عن "وجهة نظرهم السائدة تجاه العالم المعاصر" اولئك الذين عاشوا التجارب الانسانية لازمانهم ونجحوا في التعبير عنها بشكل متناسب مع ماتضمنته تلك التجارب من افكار وعلم وتكنولوجيا  ان التعريف الاول للاسلوب لاينطبق على الحداثة لانها تمتاز بنزعتها التجريدية وببراعتها الواعية في دراسة الواقع وفي الثورة على التقاليد الشكلية واللغوية.. لقد اصبح للحداثة في الفن خاصة شخصيتها المتعارف عليها جماليا في مجال الفنون التخطيطية (Graphics) والعمارة والتصميم وهذا يعني اننا يمكن ان نلخص موقف الحداثة بانه الاقتحام والنفور من كل ما هو متواصل[1].

اما التعريف الثاني فانه يشير الى الفنانين اللذين يعبرون عن زبدة تجارب القرن العشرين وافكاره الفنية..مع ذلك فان كثيرا من فناني هذا القرن لايعترفون بما يسمى بـ"الحداثة" وما جاءت به من تجريد جمالي.. وهناك من يعتقد بانه تراث القرن جاء من تيارين متناقضين وان كانا يلتقيان مع بعضهما بين حين وآخر: " التيار الحديث" "والتيار المعاصر" يرى "ستيفن سيندر" في كتابه كفاح الحداثة "The struggle of the modern ) ان المعاصرة داخل الحداثة سمة بارزة من سمات الفن تكمن في كونها خير ما يمثل الفوضى الحضارية التي تعم حياتنا والتي جاءت بها الحرب العالمية الاولى.

لقد تغير عالمنا كثيرا.. الرأسمالية واستغلالها الصناعة.. تفسيرات "فرويد" و"دارون".. الوجودية ودعوتها الى العبث واللاجدوى.. ثم ادب التكنولوجيا.. وعدم اعتراف الفن بالامور الواقعية التقليدية وتحطيم تكامل الشخصية الفردية.. لذلك نكون امام فن التحديث والابتعاد الصارم عن المجتمع.. انها كما يعتقد الفنانون التعبيريون (فن اللافن) الذي يحطم الاطر التقليدية ويتبنى الرغبات الفوضوية للانسان. لقد ودعت الحداثة العوالم الواقعية والحضارية التي قام عليها فن القرن التاسع عشر واعتمد بدلا منها العوالم الغنائية الموغلة في الخيال والتهكم التي تمتلك القدرة عن الابداع والتحطيم في آن.

لقد تمثل الغرب الحداثة وعاشها كثورة تقدم على ان: العقل لايعترف بأي مكتسب من الماضي، بل على العكس يتخلص من المعتقدات واشكال التنظيم التي لاتؤسس على ادلة علمية

وخير مايمثل ذلك هو القرن العشرين القادم بمحاولة جديدة قطعا وتعديلا كليا في القيم المكتسبة، وجهدا لتوطيد الخلق التشكيلي على مباديء ثورية لم تزل مع السنين تظهر جراءة متزايدة في رفضه لا للافكار القديمة فحسب، بل ايضا للاشكال القديمة  وقد ظهر ذلك جليا في مضامين جاء بعضها من بروز ظاهرة علم الجمال الواعي الذي انتج فنا غير واقعي خاليا من المضامين الانسانية وهو يركز على القضايا الاسلوبية والتقنية والشكلية ممثلا بقول (نيتشه) "ان على الفنان ان لايحابي الواقع".. ان مهمة الفن تجاوز ما هو تقليدي ومتفق عليه.. ومثله (فلوبير): "الذي يقول كلما اريد ان افعله هو ان انتج كتابا جميلا حول لاشيء وغير مترابط الا مع نفسه وليس مع عالم خارجي يفرض نفسه بحكم قوة اسلوبه".

 ان تطلع (فلوبير) الى ذلك النوع من الفن الذي لاتربطه اي رابطة بالواقع الانساني المعاش فهو التطلع نفسه لمجموعة لايستهان بها من الفنانين المعاصرين اذ يمكننا ان نعد نتاجات فناني القرن العشرين تعكس بعض التطور الحاصل في الفن اللاهث وراء التجديد والاكتمال عندما صار للفن حرية التنوع في التقاط القضايا الجزئية

س: هنا اريد التوقف واطلب الامعان بقضية مهمة جدا هو انك تتقصى اغلب الصياغات واحالتها الى فنون العمارة . الم تكن هذه سابقة عند بلاسم محمد جسام..والابتعاد عن مناطق اشتغاله؟

ان اول انواع الثورة والتجديد ادى مباشرة الى العمارة الحديثة، حين حاز الالمان والهولنديون السبق في تهذيبها. وفي الرسم بدأ (بول كلي) عمله المميز.. وكان (كاندنسكي) يرسم صوره التجريدية الخالصة. فكانت النقلة الكبرى عام 1911 حين انتهى (موندريان) من صنع ثلاثة صور لشجرة كل صورة منها اكثر تجريدا من القبلها حتى وصوله الى رسم مربعات عمودية وافقية..  جعل فيها التكوين مادته التعبيرية واستطاع ان يرسب القوة التسطيحية الى اشكالها الاولية اللاشخصية  كما ترشحت مجموعة من الحركات الفنية من عصر الحداثة.. متأثرة بانجازات (الباوهاوس) بالمانيا والتي استخدمت معادل ميكانيكي لقوى السطوح مما انتج كلا من العمارة الحديثة والاشكال التجارية التي نلمسها في العصر الحديث المسؤولة عن ايجاد مخرج لكل انواع النقص في الخامات والتفاصيل والخيال والتصميم الحرفي.. هذا اضافة الى ان السرياليون 1924 قد خرجوا بشيء مثير حيث تجنبوا التكوين كموضوع لتعبيراتهم واستبدلوه بالصورة المزدوجة في اضعاف المعنى.. واستعملوا عناوين مثيرة لجذب اهتمام المتفرج مثل "العندليب يرعب الاطفال" (لماكس ارنست) او صورة "الحي الباقي" (لمارجريت) وهي صورة واقعية لسلاح ينزف دما.. في حين ابقى كل من (ماكس ارنست، ومارجريت) السطح المتعادل وطرق الارتجال.. وتأثر (دالي) بالطراز السائد قبل المدرسة الانطباعية.. حينما صور باسلوب مستمد من الطراز الذي استخدمه مصورو التمبرا الايطاليون قبل عهد روفائيل.

هكذا توالت الحركات الفنية الانطباعية والتكعيبية والمستقبلية والرومانتيكية الجديدة .

فكانت اعمال الصنع الفني لامكانات بهذا المقدار من التنوع يمكن التثبت منها في درس كيفية تكون ديوان الاشكال التي دخلت تدريجيا من الاستعمال العام الى الاستعمال الفني

س: موضوع استيعاب الحداثة والعثور على الذات جاء من خلال مرتكزات تماس او تقابل او تقاطع مع ما جاءت به مابعد الحداثة الم تعتبر هذا الخطاب هو تجذير لهذا الشيء ونعتبره إعادة صياغة؟

لقد ابقت الحداثة على الموضوع حين يتجلى واضحا في الصياغة الاسلوبية.. ومثالا فان المدرسة الواقعية الايطالية مثلا لم تعد تصور الواقع كما تراه العين بالرغم من تجلي الموضوع الاجتماعي.. لقد اوجدت معايير شكلية جمالية حديثة اشار لها بازين بالقول: "ان هناك شكلا جديدا للواقع، يفترض انه واقع مشتت، مبهم، اضماري، فاعل بوصفه كتلة.. وعليه لم يعد الواقع مصورا كما هو او منسوخا وانما مستهدفا  ان استهداف الاشكال والبحث في خباياها بات الامر الاكثر اهمية في حقبة ما سمي بالحداثة المتأخرة لكن هذه الافكار والمعتقدات ذاتها والاساليب الفنية قد وصلت نهايتها في زمن الحرب العالمية الثانية واصبح من المحتم ان يكون اهتزازا بهذه البيئة وانجازاتها.

لقد استعار الفنان الانكليزي جون واتكنز شابمان (John Watkins chapman) الاصل اللاتيني نفسه الذي استخدم في مصطلح الحديث (Modo) (الان) وهو مصطلح ما بعد الحداثة Post modern الذي يعني حرفيا بعد الان (after just). الاصل اللاتيني نفسه الذي استخدم في مصطلح

لم يكن هذا المصطلح (ما بعد الحداثة) مقبولا ولاحتى مفهوما على مدى واسع اليوم، ولعل مصدر بعض المقاومة له ينبع من غرابة الاعمال التي يغطيها في جميع انواع الفنون.. عندما تبنى التغريب في انجازاتا حتى وضع جمهور المتلقين امام فن لاينتمي للذاكرة الانسانية ومحمولاتها التاريخية سواء في طريقة الاخراج او الافكار لقد كانت اولى مهام هذا التوجه هو تحطيم الاشكال المسيطرة في فترة الحداثة التي اجتاحت الجامعة والمتحف والمعارض الفنية والمؤسسات كالتعبيرية المجردة والشعر الحداني لباوند واليوت والاسلوب الدولي لـ(وكوربوزية) وغيرها..

ان هذه المؤسسات كما يراها فرسان مابعد الحداثةيعدون هؤلاء فرسان ما بعد الحداثة خانقة لمميتة ومعمرة لذا يجب تدميرها

اما المهمة الاخرى لقائمة ما بعد الحداثة هي محو بعض الحدود او الفواصل، وابرزها محو التمييز القديم بين الثقافة العليا والثقافة الجماهيرية او الشعبية ولعل هذا من اكثر التطورات ازعاجا من وجهة النظر الاكاديمية التي شغلت نفسها دائما بحفظ مملكة ثقافة النخبة ضد ما يتفشى في البيئة المحيطة من اعمال هابطة.

ان هذا التحول في بؤرة الموضوع كان قد دفع فن مابعد الحداثة الى النظر في زوايا لم تكن الى حد قريب ذات قيمة فنية، وانتقل من فوقية الفن الى طبقات ومواضيع تداوليةمبهورة بالمنظر الشامل الذي يضم الاعلانات والكاريكاتير وعروض منتصف الليل وافلام هوليود التجارية ومايطلق عليه الادب المكافئ او الموازي الذي يشمل كتب الطبعات الشعبية بفروعها المختلفة والتي تعرض غالبا في صالات المطارات وتضم سلاسل الرعب والرومانسية والسيرة الذاتية والغموض والخيال العلمي وغيرها. ان كتاب ما بعد الحداثة مثلا لايقتبسون نصوصا معينة وانما يدخلون هذه النصوص في نسيج غريب في اعمالهم الى درجة اصبح تمييز الخط الفاصل بين الفن الراقي والتجاري شديد الصعوبة

لقد تشعبت هذه الاعمال وتمددت باتجاهات مختلفة تقسيمها منهجيا الى اتجاهين اساسين الاول: يشمل اعمال الرسم الذي يحافظ على استقلالية اللوحة ووجودها المتفرد ضمن السلسلة التاريخية التي صاغتها البشرية على مر الحقب.

والثاني: اعطاء الطابع المسرحي للعمل الفني الذي سعى الى تداخل الفنون الادائية مع الفنون التشكيلية والخلط بين المسرحة والتصوير.

"يرى كليمنت جرينبرج (Clement Grenberg) وهو من اهم دعاة الحداثية الامريكية ومنظريها. ان التصوير التجريدي في امريكا قد استمر بعد الحرب العالمية الثانية عبر النقد الذاتي المستمر في بلورة الخصائص الحداثية في الفن التشكيلي.. ويؤكد جرينبرج على اهمية التركة الفنية التي ورثها الفنانون الامريكيون من الرسامين الاوربيين انطلاقا بايمانه ان الاعمال الكبيرة والهامة في الفن لاتتحقق في الغالب الاعم دون استيعاب عميق للفترات الفنية السابقة وهضمها هضما كاملا.

" ان اعمال بعض الرسامين في الاربعينات والخمسينات- مثل اعمال (اشيل جوركي Ashille Gorky) وفيليم دوكونينج (Villem de kooning) وجاكسون بولوك (Jackson Pollock). قد استمر على طريق البحث عن الجوهر القابل للتطبيق في الفن التصويري التي تهتم باعمال الماضي واظهارها تحت السطح.. ثم جاءت التجريدات الشكلية الهادئة في لوحات فناني اواخر الخمسينات وحقبة الستينات لتوسع من نطاق عملية البحث هذه مرة اخرى وتضيف اسهامات هامة..  حين نبذ الرسامون من امثال (كينث نولاند Kenneth Noland )و (كليفور ستيل Clifford still) و (بارنيت نيومان Barnett Newman) و(موريس لويس Morris Louis) وغيرهم المذهب التعبيري التجريدي و تمكنوا من اثبات ان الجوهر الذي لايتحقق فن التصوير دونه يتكون من تقليدين او قاعدتين لاثالث لهما وهما: المسطحات وتخطيط حدود هذه المسطلحات..

وهذه الاعمال بالضرورة تقع تحت الاتجاه الاول لفنون ما بعد الحداثة الذي تكون بنيته الاساسية هي الالوان والخطوط.. وكذلك الاهتمام بالفصل التام بين الفنون المختلفة كشرط اساسي لان يحقق كل فن ذاته. ولم يكن فن الرسم فنا اذا خرج على التقليد العام لشكل اللوحة الفنية بمعزل عن مفردات التشكيل وصياغة الاسلوب الذي يتخذهما1.وكذا سعى النقد الى تأكيد هذه الخاصية المتفردة لفن الرسم، واطلق الاحكام في ضوء مقاربة مقاربة التقسيمات التي قام عليها الرسم في تاريخ استقلاله..

ففي مقال شهير بعنوان " الفن وكينونة الاشياء" (1967) قام الناقد الامريكي "مايكل فريد" بمعارضة الاشكال الفنية التي تسعى الى تدمير وافساد سعي الحداثة نحو اكتشاف العناصر الاساسية في الفن ووظف اراء (جرينبرج) وفرضياته بصورة موسعة.. ففي هذا المقال يهاجم " فريدFried" الاعمال النحتية التي تنتمي الى مذهب "الحد الادنى من الفن  والتي ازدهرت في الستينات كنوع من الاستجابة الخاصة للوحات التجريدية الهادئة التي ابتدعها الرسامون المعارضون للواقع والمدركات الحسية..

س: طيب دكتور هذا الهجوم لم يكن نوع من المحاورة او على اقل تقدير نوع من الاستنطاق لافكار قبلية استلبت من تنظيرات اخرى في فن التشكيل على وجه الخصوص؟

 وفي اطار هذا الهجوم يقارن (فريد) النقاء الذاتي المستقل التي تتمتع به الاعمال الحداثية التي تكتفي بذاتها عما حولهاو تحيلنا الى وجودها المادي ومحيطها الواقعي. ويرى ايضا ان هذا الوجود المادي في المحيط الواقعي- بكل ظروفه وملابساته- هو اتفه مظاهر وجوانب حياة العمل الفني واكثرها ابتذالا فهو يتكون من مجموعة من الحقائق المادية التي ينبغي على العمل الفني ان يسعى بالضرورة الى تجاوزها ودحضها وابطال فاعليتها الدلالية حتى يتحقق وجوده المعنوي في المطلق .

حين نتأمل الهجوم الذي شنه (فريد) على الطابع المسرحي في الفن التشكيلي يمكننا ان نحلل بصورة اوضح بعض المحاولات الفنية السابقة للانشقاق على نموذج العمل الفني (المستقل بذاته) وهي محاولة تكشف لنا عن بعض المعطيات التي ساهمت في تحول اللوحة الى مشهد..

لقد كانت البداية حين سعى (روبرت روشنبرج) (Robert Rauschenberg) و(جاسبر جونز) (Jasper Johns) في الخمسينات الى استلهام -بصورة واعية- الاعمال الاوربية الطليعية في فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية التي اعلنت لتوالد وتكاثر سريع لعدد من الاشكال والممارسات الفنية التي شدت الانتباه الى وجود المشاهد امام اللوحة واهتمت بالتلقي ثم ذهبت الى ابعد من ذلك فسعت الى تدمير الوجود المادي للعمل الفني ونقله الى مجال الفن التشكيلي الادائي (Performance)

س: اليوم نجد فنون مابعد الحداثة تنضوي ضمن منظومة من مقابلات تغلفها العديد من المصطلحات وبغية الوقوف عند ماهية هذا الموضوع الم يكن هناك عامل ضبط تسلسلي لها ؟ وهل جاء من خلال معيار زماني ام مكاني؟

تعد حركة (البوب) الفن الشعبي خير ما مثلت حركة ما بعد الحداثة وافكارها فقد انبثق من مصادر عدة، السريالية التي خاطبت اللاوعي قد استبدلت بالدادا، التي اولت اهتماما بتخوم الفن، لكن هذا لم يكن اختيارا فكريا محضا فهناك قوى داخل

التعبيرية التجريدية والفن اللاشكلي دفعت الفنانين نحو سياق جديد. وعلى سبيل المثال، ما ان بدأت التعبيرية التجريدية تستنفر حوافزها حتى ادى اهتمام الفنانين بنسيج اللوحة الى خوض تجارب اكثر جرأة مع المواد كان بعض هذه التجارب مع صبغة "الاكريليك".. وانتهى الى تجريد ما بعد الرسومية. وكانت معظم هذه التجارب يتضمن اعادة استكشاف للامكانات المتاحة للتلصيق.. (الكولاج).. وهو واحدا من الثورات الكبرى في الفن، عندما حول صناعة اللوحة من صفائها واستقلاليتها الى هجين يقطع اوصالها ويعيد تركيبها تحت فلسفة الكولاج التي تتحول -كما سنرى - الى آليات اكثر تعقيدا( المونتاج).

عتبة التجميع

في اللوحة كان النسيج الملفت للنظر يمثل شيئا خلقه (فنان) فعلا في حين ان اضافات الكولاج جاءت تسعى جاهزة الى الفنان نفسه.

ففكرة (مارسيل دوشامب) للشيء الجاهز كانت احد الابتكارات الرئيسية (للدادا).. رغم ان التكعيبيين قبلهم كانوا وظفوا الكولاج كوسيلة لاستكشاف الخلافات بين التشبيه والحقيقة. ووسع الدادائيون والسرياليون مداه كثيرا. ووجدوه يلبي نزعتهم العدائية في الفن  وحين وقع الكولاج في ايدي جيل ما بعد الحرب تطور الى فن التجميع؛ وهو وسيلة فنية لخلق اعمال موجودة مسبقا حيث تنحصر مساهمة الفنان باقامة حلقات اتصال فيما بين الاشياء بوضعها معا.. اكثر من صنع الاشياء.

كان التجميع تجاوزا (للبوب) وهو الذي حفز الى مراجعة جذرية للصيغ التي ينبغي على الفنون البصرية ان تسعى للعمل بمقتضاها.. فالتجميع مثلا اتاح نقطة انطلاق نحو مفهومين كانت اهميتهما تزداد اطرادا للفنانين وهما: البيئة والحدث

واذ كانت قصاصات الجرائد والاقمشة وحشو المقاعد والصفيح تشكل معجم الفنان التكعيبي، مثل (بيكاسو) (وبراك) فأن (دوشامب) فتح لاحقا العلبة التي انطلقت منها الافاعي وظهرت العواقب غير المتوقعة لاستخدامه للاشياء الجاهزة في اعماله

الفنية التي اصبحت فيما بعد ظاهرة لها اهميتها التي بلغت الذروة ونضجت بشكل تام في فياعماله اللاحقة مثل مطحنة البن ‘المبولة ، والمونليزا بتحريفاتها.

وبعد فن التجميع هذا ظهر فن جديد يعنى بالاستنساخ والمزج بين الاساليب السابقة، ووقف هذا الفن في مواجهة النظرة الشكلانية لفن الحداثة. التي تركز على تطهير الفن من غير عناصره الاساسية.. وباختصار نستطيع القول ان الفن قد تحول الى اللانقاء ومن التفرد الى التوليف وتحرك من الثبات على الجدران الى الفضاء.

لقد توسع الموضوع فاخذ يحلق بعيدا عن المألوفات التي تناولها الرسم، عبر تاريخه في تأكيده على الانسان ثم اثاثه، والطبيعة والتجريدات الهندسية.. وغيرها.

وقد يثار السؤال عن علاقة موضوع الرسم والفن، بدخول المشاركون في تظاهرة بيتا خاويا يدون مسامير الى منتصفها في جدران الغرف وارضيتها واسقفها ثم يغلق باب البيت الخارجي وينصرف المشاركون.. او يقوم مجموعة من المشاركين بعمل لوحة.. من خلال وضع الورق المقوى المغطى بالقار حول عدد كبير من السيارات في ساحة انتظار احد المتاجر الكبيرة ويثبتونه بالحبال..!

ان مواضيع كهذه تؤدي الى التركيز على الفعل التقني والمضموني من دون اعتبار لقيمة الشكل الفني وجماليات الفن التي نحتها عبر قرون.. لكن من الطبيعي جدا ان لمثل هذه الجمالية الجديدة فضاء ورؤية شكلت حساسية بصرية وذهنية خاصة فاذا كان المنظر الطبيعي والفن فيما مضى يعاشان فقد اصبحا الان ينشآن.. انهانهاية المتعة والعودة للحلول التقنية، فالمنظر الطبيعي لما بعد الحداثة اصبح مختصا بالمناطق الطبيعية المحروسة والفضاءات الخضراء، مبعدا من مركز حياتنا اليومية القابلة للتصوير والتنظير.. ويشكل صدى خادعا للثقافة التراثية وبما ان انتاجات العصر البصري تعتبر غير صالحة لتأثيث بيوتنا فان الفن ايضا تم تخصيصه للمتحف. اما لافن الذي ينشده الفنانون فهو الفن الخارق او ما يمكن تسميته مع (دوبريه) الفن التقني Techno-art.

ان التصورات آنفة الذكر قد عمقت الهوة بين الرسم والافكار.. (الموضوعات) فاصبح الرسم شكلا من اشكال الموضوع وليس العكس..

 س: اليوم المعلوماتية السريعة ، العصر البصري الذي يقصر الازمنة ، اوجدت لنفسها نوع من الانزياح عن معايير مهمة من ضمنها معايير تعيين الانزياح ومادام هذا المصطلح انتدبه الفن لكي يخدم ارتكازه الابداعي ولكن حضور الشاشة اليوم اقرب الموجات ، الاصوات، الصور ؟ ماهي قرائتك دكتور لهذا الموضوع ؟

ان غفلتنا البصرية الجديدة تدين بالكثير للثورة في المواصلات السلكية واللاسلكية والنقل، فمع انمحاء المسافات اختفى الاحساس بالمدى الترابي ومعنى المعيش الواقعي، لقد غدا كل شيء قابلا للامتلاك بسرعة وبلا جهد.

فالفن التشكيلي بطيء بينما المعلوماتية سريعة. والعصر البصري يقصر الازمنة على اللوحةبالاصباغ السائلة والسريعة الجفاف، بالاكرليك.. وهي ليست سوى ماء والدانة خاصة ومستعجلة.. هذه ما يريده عصر الشاشة السائل والمرتجل، عصر الانتقال والمرور المرتبط بقيم التيارات والموجات والاصوات والاخبار والصور. حيث تغدو سرعة اضطرارية الاشياء الصلبة والمتماسكة، سائلة والخصائص ملساء ومسطحة.. فوسطنا التقني يجعل من نفسه عابرا للحدود كالصور الاثيرية.. انه ينتج فنا عابرا للفنون .وسنكون امام عاملين وسائطين قد فرضا نفسيهما على الرسم.. هما (الشاشة) و(العمارة) وكلا الوسطين يحققان اليوم ما يمكن تسميته فن الفرجة المجانية، الذي بدا يتحكم في اساليب الرسم واتجاهاته في نهايات القرن الماضي والسنوات الاولى من قرننا الواحد والعشرين.

ان كلمة شاشة تعني فاصلا او حاجزا، تفصل بين الواقع والخيال، ولفهم آلية فعالية الصورة، ربما يتوجب علينا ان ننظر بعين جادة الى دور الشاشة في عملية الفرجة، الشاشة تنقل صورا من عالم آخر مختلف، من موقع آخر من زمن آخر (مهما كانت طبيعة هذا الزمان او المكان) تنقله على الحاضر الى آنية معينة هي آنية الفرجة، والتي تقتصر في هذه الحالة على كونها شخص مشاهد وشاشة

وبين الاثنين تبدأ لعبة الايهام، تطرح الشاشة الصورة وكأنها امتداد للواقع أو جزء منه.. فنرى الواقع والايهام يتحركان على امتداد بصري يومي في الصالات وعلى جدران المدن وكذلك في المطارات والساحات والبيوت.. فالشاشة فرضت نفسها كواقع آخر ينقل صورا من عوالم مختلفة.. وهنا يمكن تصور اختلاط البصري عندما تتحرك الصورة على شاشات العرض وتتجمد بالصورة الثابتة.. والمفارقة المعاصرة انك يمكن ان تجلس في البيت او المقهى وتشاهد الاثنين معا.. والسؤال كيف يستطيع الفن والرسم تحديدا ان يجد لنفسه مقعدا داخل فضاء متحرك على الشاشة وصور الفوتوغراف التي تغطي المساحات الكبيرة وتؤدي دورا معلوماتيا وجماليا هائلا. فتعددت اسباب الفرجة الاجبارية.. منها الحصول على المعلومة او ملاحقة حدث وكذلك للمتعة.. الشاشة تفرض نفسها علينا واقعا.. كما تقول موندزين في كتابها " هل يمكن للصورة ان تقتل"

ففي معرض كلامها عن الايهام ودور الشاشة فيه تورد المثال الاتي: اطفال في غرفة يتابعون فلما بانسجام كامل، لدرجة انهم ينسون تماما انفسهم ويدخلون في الايهام، ينسون وجود الشاشة، تمر المربية لتخاطبهم فتقطع عليهم تسلسل المتابعة، يصرخون طالبين منها الابتعاد (المربية هنا هي الشاشة لانها فصلت بين الواقع والخيال) وفي هذا المثال البسيط توضيح لمفارقة وجود الشاشة في فنون الصورة، في هذا المنحى ايضا يأتي التحذير من السماح للطفل بان يتابع ما يريده من صور لانه سينخدع وسيصدق، الطفل نموذج لمتفرج لايمتلك الحرية النقدية يتعامل مع المادة المعطاة له على الشاشة من خلال تمثل عال يعطيه متعة هائلة لكنه يضلله.

هكذا الصورة تبث عن طريق الشاشة حتى اصبحت في تناول الجميع فكسرت اسطورة التصوير كنتاج لفنان مبدع حصرا اذ بواسطة آلة تباع في الاسواق (قسم منها يستعمل لمرة واحدة) (كشفرات الحلاقة) اصبح بامكان طفل ان يصور صورا ثابتة او متحركة.. ومثلما ذكرنا في بحثنا عن اثر (الكولاج) فن اللصق في متحول الفن، فان عمليات المونتاج واللصق سمحت بالنسخ والاستعادة والتكرار واستخدام الصورة نفسها في حالات عديدة اضافة الى ان الصورة المتحركة سمحت بتسجيل الاحداث السريعة ومن ثم معالجتها.

من الناحية الفلسفية، خلقت الصورة المتحركة والفوتوغرافية علاقة جديدة بالزمن، فقد سمحت بالتقاطه ثم قامت من خلال الصورة المتحركة- الرقمية بتسجيل الامتداد الزمني وعبرت عليه بسهولة كبيرة، ولكن الاهم هو التحول الذي طرأ على ادراكنا لمفهوم الزمن (بمعناه المجرد) من خلال قدرة الصورة على استعادة الماضي وتوضيعه في الحاضر والرجوع الى الوراء لتبدو الصورة المستعادة كانها اشارة الى ظل الواقع بالمعنى الافلاطوني، وعليه فالواقع بحد ذاته قد يبدو ظلا هو الاخر لحقيقة ابعد ومن هنا فاننا قد نتعامل مع عالم افتراضي غير ملموس في اشكال التخاطب الالكترونية. لقد تأثرت اللوحة بهذا العالم من حيث الشكل وكذلك الجوهر.. لان لوحة الرسم تعلق وسط حشد من الاضواء الذي يسرق منها بريقها. وبالتالي تحولت عبر وسيط الشاشة الى التعبير عن نفسها وحضورها وكان ان تحركت الى تلك المنطقة عن طريق فن الكرافيك عندما ملأت الشاشات بالاعلانات واللوات المحمولة على لغة ليست لغتها القديمة.

ظهرت في ضوء ذلك تقنيات اخراج اللوحة الجديدة وساهم الحاسوب اليوم في فتح مجالات لم يكن الى فترة قريبة باستطاعة الفنان ادراكها.

لقد صار بامكان الفنان ان يقوم بعملية الرسم على الشاشة ثم يطبع نتاجه حيث يشار ما بواسطة طباعة (الفلكو) التي حلت محل القماش كما يستطيع الحاسوب ان يوفر (باليت) من الالوان بتجهيزها بتدرج لوني يتكون من 256 درجة مختلفة للون الواحد.. وعليه فاللوحات المنتجة اليوم تتعامل مع وسائط اخرى غير تلك التي جاءت بها حركة ما بعد الحداثة.. التي عمدت على اعطاء غرابة في المادة..

ان غرابة المنتج لم تعد قائمة مع سلطة الشاشة وملحقاتها.. وقد يسعى الفنانون او هم كذلك الى استثمار الطاقة العظيمة لعصر الشاشة في اخراج صورة (لوحة) لاتشابه الصور الفوتوغرافية الثابتة او المتحركة وانما تأخذ مدارها التقني وترميها اللوحة.. مركب بين اثيرية الضوء ومادتها الحسية.

 س: اعود دكتور الى الثورة الكبيرة في العمارة والتشييد وظهور المدن الكبرى بدأت الحاجة الى التزيين في الهندسة، وعلى وجه الخصوص الديكور بوصفه العنصر الجمالي للبيت الحديث والامكنة العصرية.هذا الانفتاح للامكنة هل يبسط الذائقة الجمالية ام يحيلها الى نوع من التعقيد؟

لقد قررت الذائقة الجمالية ان يصبح البيت الجديد والمقهى والمطعم والفندق هدفا للاستثمار المزدوج.. فمن جهة يؤكد المظهر الفني على كسب الناس الى جهة المبنى فصنعت البضائع الكمالية لتلبية حركة الطلب المحموم عليها.. ثم ظهرت طبقات جديدة قادرة على الشراء وبيوتها صورة معبرة ومتناقضة عن ذوقها ووضعها الاجتماعي فصار الاهتمام بالارائك والالات الموسيقية كالبيانو جزء من جماليات الجدار والداخل، وبرزت اهمية اقتناء اللوحات الفنية.. عندما بدأ يقتحم روح التسوق عقل الناس فتحول الفن لمادة للمقايضة والبيع والشراء من جهة اخرى فرض هذا التوجه الى سعي المعماري للموائمة بين ملمس ولون الجدار وبين العمل الفني نفسه.. حتى غدت الجدران في مجموعها تعكس المستوى المعرفي والجمالي والفني وتبرهن عن رغبة في اظهار الترف والذوق العصري ومسايرة التطور الاجتماعي العام وروح الاستهلاك.

  س: لكن ذلك لم يكن غريبا على مستوحى التاريخ الجداري يوم كانت للاعمال الفنية حضورا حقيقيا على الجدران المعمارية..

 الفرق بين تاريخ اللوحة المعلقة على الجدران قديما واللوحة الان هو فرق في المفاهيم وكذلك العرض والمواد وفي التوجه.. فقد كانت المواد تحقق تسمية واسلوب، وعليه نستطيع القول ان الفن الجداري مر بثلاث مراحل ومنعطفات تاريخية كبرى، في المرحلة الاولى بشكله البدائي ما قبل التاريخي مع انسان الكهوف فرسم الانسان والحيوان على جدران الصخور الطبيعية، كانت مادته وموضوعه رغم بساطتها مثار للاعجاب والدرس.. وما وجد في مغارة (هنري كوسكير) تعد علاقة مستوى التطور الفني الذي بلغه انسان المرحلة المجدلينية.

اما المرحلة الثانية فهي جداريات ما بعد الانسان البدائي ما قبل التاريخي والتي تجسدت في الرسوم والتصويرات والنحوت والحفريات الموجودة في المقابر والقصور والمعابد التاريخية، والتي تمثل مرحلة الحضارات القديمة مثل الحضارة البابلية والمصرية والصينية والهندية واليونانية والرومانية وغيرها من حضارات امريكا الجنوبية وفيها مستويات مختلفة في استخدام المواد الخام.. الى درجة اصبحت هذه اللوحات الجدارية تحمل خصوصية التجديد في جمالية الجدار والعمارة.. مثلما حدث للحضارة الفارسية والاسلامية للمنطقة العربية او على امتدادها الجغرافي عبر الفتوحات والحروب والتجارة، فاصبح الفن المزخرف والموزائيك والقاشان والبغدادي والتلبيس بالخشب او الجص على الجدران اضافة كبرى للفن الشرقي.

اما المرحلة الثالثة في تطور فن الجداريات فهي التجديد الاكثر جرأة وانقلابا في مجمل مجريات الحركة الفنية الاوربية وهي مرحلة عصر النهضة والتي قدمت جداريات ضخمة من حيث الحجم والتقنية العالية.. كاعمال دافنشي ومايكل انجلو وروفائيل التي زينت سقوف وجدران الكنائس..

لقد كانت التبدلات والتحولات التي تجري على اللوحة تستخدم المواد والمكونات على انها جزء من التقنية.. فالجداريات(لوحة) من حيث الموضوع والتركيب واللون والخطة.. لكنها تنحرف في لعبة المواد كما تتصف الجدارية بعامل الثبات في المكان مما يجعل هذا النوع من الفن مصاغا على وفق حاجات معينة تفرضها الامكنة والمفاصل المعمارية ولان كلمة جدارية نفسها ترتبط بالجدار فان المواد والسطح التصويري غالبا ما يتعالق مع ذات الجدار.. وتصبح علاقة ثلاثية قائمة بين الانسان والجدار والمادة الخام. وقد ترازمت بطريقة مستمرة صعودا مع ازدهار وتشكل المجتمع البشري وخصوصا المرحلة التي برزت فيها الكتابة والتصوير.. وهي مرحلة الحضارة ونمو المدن داخل حصونها او خارجها واستخدام الانسان الطين والحجارة والمواد الصخرية والجبسية والاسمنتية الصلبة.. فانتقلت الفنون من علاقتها بالطبيعة الى كيانات الدول والمدن والطقوس المكرسة بين اروقة المعابد والهايكل والمقابر المزخرفة.. ولادات جديدة وفنون متنوعة.. يجمع الفنان فيها بين حرفة البناء وحرفة الرسم.. او بمعنى ادق الرسم بالبناء..

لقد ساهم ذلك بهذا القدر او ذاك في جمالية الفريسكو(Fresco)  والتيمبرا (Tempera) وهي جميعا ترتبط بموضوعة الجدار وتتعامل مع بنيته.

س: لقد شكلت السنوات العشر الماضية انقلابا كبيرا على مستوى صناعة اللوحة واخراجها.. لقد ساد اتجاه في الرسم يهدف الى اعادة انتاج اللوحة على وفق تأثيرات الجدران المعمارية واستعار منها المواد والملمس..ماهي اوجه المساعدة في ذلك؟

لاشك ساعد على ذلك التقدم الصناعي الكبير على صعيد المواد الاولية للفن مثل ظهور العجينة الصناعية (ووتر بروف) والاكرليك وتطور مواد البناء الداخلة في صناعة اللوحة.. والحاجات الوظيفية للتزيين داخل الفنادق والعمارات والبيوت والمطارات.. في ظل هذا الوضع سعى الفنانون الى خلق اساليب تلبي الطلب المتزايد على اللوحات ذات التأثيرات الملمسية التي تتلائم مع الجدران المعمارية والواجهات الاخرى..

لقد ادت الجداريات -التي ذكرناها- وظائف معينة كان من اهمها الاستعمال التقني للمواد لكن هذا الفن كان مكبلا بالموضوع الذي من اجله تصاغ الجدارية. لكن اللوحة المعاصرة تحاول ان تستعيد الشكل الجداري مع اقصائها للموضوع وطريقة العرض الثابتة. فكان ان اتجه الشكل الى اقصاء كل محمولات الموضوع لسببين:

الاول ان تعدد الامكنة لايسمح بتعدد المواضيع التي لم تعد لها اهمية في صناعة الصورة المعاصرة..

والثاني.. الحاجة المتجددة الى صناعة جدار متنقل كلما دعت الحاجة الى نقل الاثاث والديكور من مكان لاخر او تحريكه وفقا لمستجدات اعادة صياغة المكان وعلى وفق ذلك، كانت اللوحة الفنية تقف على جوهر المادة، واصبح من الممكن القول انه التحول الذي حدث للفن هو تحول جوهري.. هنا تتدخل المواد لصنع اللوحة وليس العكس، فاذا كانت المادة وسيلة فيما مضى من تاريخ الفن، اصبحت اليوم غاية دون اي اعتبار آخر للموضوع او الشكل مما الفه البحث الجمالي.. هكذا اقصت اللوحة تاريخها الشكلي في احادية المادة وكذلك التحول الثقافي للصورة في الفن المفاهيمي والفن الشعبي وفنون ما بعد الحداثة ذات العرض المسرحي.. ازاحت الشكل ايضا لمصالح التزيين واقترب جسدها من ثنائية الناعم والخشن.. المتعرج والبارز.. ثم استعملت بعض مواد البناء نفسها مع قصصات ممكن ان تلصق بطريقة الكولاج لكن هذه المرة ليس الكولاج الذي جاء به براك وبيكاسو.. انما وضع اشياء ديكورية تسهم في بلورة الشكل الملمسي للوحة.

واذا كان يقال " ان الاسلوب هو الانسان" يمكن القول الان ان الاسلوب هو المواد.. التي سوف تبقى لزمن تلبي حاجات عصر الامكنة.

وختاما اتوجه بوافر الشكر وجزيل الثناء الى الاستاذ الدكتور بلاسم محمد جسام .

الذي اعطى قسطا وافرا من الجهد الى هذه المعلومات التي تكون بالتاكيد مصدرا ومرجعا مهما الى طلبته من الباحثين والمهتمين في هذا المجال.

  

                        

  

  

  

د. محمد العبيدي


التعليقات




5000