..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
د.عبد الجبار العبيدي
.
رفيف الفارس
امجد الدهامات
.......

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


العنف الثوري ومنهج التغيير

د. عادل عزام سقف الحيط

قد لا يكون الإنسان مُدركاً للبواعث الحقيقية المحركة للسلوك الإنساني الثوري، لكنه يتصرف بمقتضاها وفقاً لحتمية نفسية وتاريخية معقدة. وفي حين  أن الإبداعات الفكرية الثورية لا تنجم إلا عن جهود فردية تنجز في خلوة مع الذات، وتعيد استقراء التاريخ وفق منهج علمي؛ غير أن التغيير المادي   الثوري عبر التاريخ لا ينجم إلا عن جهود نفسية جمعية تجترح أنبل أفعال المقاومة والعنف للإطاحة بالطغاة المستبدين. وفي نشأة الطغيان يرى المفكر  جون لوك    (1632 - 1704) أن الطغيان السياسي يبدأ عندما تنتهي سلطة القانون، وبمعنى آخر عندما ينحل العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم.

تدفع الرغبة في التغيير الجماهير المقهورة إلى الثورة، بفعل تطور وعيها القهري، ونتيجة لتعاظم حاجاتها المادية، وتراكم العنف الذي مارسته السلطة  المستبدة ضدها. فتواجه الجماهير الغاضبة جحافل المستبدين متسلحة بالعنف الثوري اللازم لتفكيك السلطة الجائرة وتدمير أجهزتها. فعندما يصل الطغيان إلى حده الأقصى تتراجع قيمة الحياة لدى الأفراد المقهورين نتيجة ما أصاب ذاتهم من تبخيس في عهود الظلم، فيتحرك الأفراد متّحدين في مجموعات ومتسلحين بالعنف، للانتقام من كل رموز السلطة، ويطلقون العنان للحقد والكراهية الكامنة في ذواتهم الثائرة، وفي هذه الحالة يتماهى الجمهور المقهور "بعنف جلاده" كوسيلةٍ أخيرة للقضاء عليه.

وهنا يميل الجمهور إلى اجتراح المآثر الكبرى والتفاني والتضحية على مذبح الوطن والقضية، ويؤمن الثوار بحتمية القضاء على النظام القديم تماماً وبعث نظام جديد من رحم الأمة، وفي هذا يقول عالم الاجتماع الأمريكي جيمس ديفيز (1918): "الثورة هي اضطرابات مدنية تتسم بالعنف، وتؤدي إلى إبدال جماعة حاكمة بأخرى تلقى دعماً شعبياً على نطاق واسع".

وفي الجمهور الثوري، يتحد الأفراد في روح جماعية واحدة تحت تأثير الانفعالات العنيفة أو تحت تأثير حدث عظيم، أو ربما شرارة تفجّر مخزون الغضب، مثل حادثة استشهاد بوعزيزي في تونس متأثراً بإهدار شرطية لكرامته، ودعوة شباب ستة إبريل الجماهير المصرية للتظاهر في ميدان التحرير وتنكيل قوات الأمن بهم. ويدعم الشعب جمهوره بالعصيان المدني، ليعطل كل إمكانات الديمومة للنظام، ويتيح فرص الاتحاد بالجمهور لمزيد من أبنائه.

ويتحرك الجمهور وفق نمط جمعي لا شعوري يفقد فيه الأفراد ذاتيتهم ويذوبوا في الذات الجمعية، فيكتسب الجمهور شخصية جديدة تختلف عن شخصية أفراده المكونين له، وتظهر أشكال من التضامن لم تكن بادية قبل اتحاد الأفراد في جمهور، ويكون دافعهم الأهم هو تحقيق المصلحة الثورية الجمعية، ويطرحوا جانباً كل المصالح الذاتية الضيقة، ويكتسبوا فكراً تنظيمياً تصقله الممارسة. ويصف عالم الاجتماع الفرنسي غوستاف لوبون (1841 - 1931) الجمهور الثوري بأنه اندفاعي، وعاطفي، ومتفانٍ، وسريع التأثر، وسهل الانقياد، وجامح الرغبات، ووحشي، ومتجرد، ومثابر، وغير متسامح.

ويرى عالم النفس فرويد (1856 - 1939) أن انتشار عدوى الثورة سببه التأثير المتبادل الذي يمارسه أعضاء الجمهور على بعضهم البعض، إلى جانب ظاهرة الإيحاء "الحالة النوامية"، أو ما أطلق عليه: "الانقياد الحبي الشامل" للقادة في الميدان، حيث تنتاب أفراد الجمهور حالة من الإيثار والتجرد يفقد فيها الفرد جزءاً من شخصيته الواعية ويخضع لإيحاءات القائد. فحاجة الفرد إلى التوافق مع مجتمعه - كما يرى فرويد - تدفعه إلى طاعة القائد حباً في الآخرين الذين يشكلون جيشه الجمهوري، آنياً، ومجتمعه المدني، بعد انتصار الثورة. ويعتنق الجمهور رؤى ثورية تقدمية، كما يميل إلى اعتبار كل من يعارض رؤاه بمثابة عدوه، فالوقائع في فكره لا تخرج عن أحد أمرين: صواب أو خطأ.

وقد امتازت الثورتان التونسية والمصرية بقيادات شبابية من الإنتلجنسيا الطلابية والمهنية، غير الحزبية في معظمها، استطاعت حشد جمهور غاضب في وقت قصير وبصورة عفوية. وعلى سبيل المثال يصف المحامي المصري سيف الإسلام لطفي (إسلامي) التحرك فيقول: "بدلا من التحدث عن الديمقراطية تم التركيز على قضايا أكثر إلحاحا مثل الحد الأدنى للأجور". وهتف قادة التظاهرات في الأحياء الفقيرة: "إنهم يأكلون الدجاج والحمام ونحن تناول الفول في كل وقت"، ورددوا: "العشرة جنيهات تشتري القليل من الخيار يا للعار يا للعار". وتستطرد الطبيبة سالي مور (اشتراكية): "بدأنا مجموعتنا بخمسين متظاهر وعندما غادرنا الحي كان تعدادنا بالآلاف". وقد نظّم القادة الجدد الاحتجاجات الجماهيرية في غياب الأحزاب والنقابات والتنظيمات الرسمية، واستعانوا بالمواقع الافتراضية لتنظيم تحركاتهم، وقادوا الجماهير في مواجهة حملات قمعية ضارية.

وفي الثورتين التونسية والمصرية تجسدت روح التضامن الاجتماعي في تكوين اللجان الشعبية لحماية الأهالي في المدن الكبيرة والأحياء الفقيرة عقب انهيار النظام وهروب رجال الأمن. وكذلك تداعت الجماهير للدفاع عن الثوار المحاصَرين في ميدان التحرير من بلطجية النظام الذين تخفّوا في ملابس مدنية حيناً لشق الصف الشعبي، وفي بزات عسكرية حيناً آخر لبث الفتنة بين قوات الجيش والشعب، والتحريض على الانفلات الأمني. كما شكل الثوار المصريون حزام أمان حول المتحف الوطني واعتقلوا عدداً من الرعاع الذين حاولوا استغلال الفراغ الأمني وسرقة آثارهم العظيمة.

وفي الجمهور يكتسب الفرد شعوراً جارفاً بالقوة والثقة بالنفس الجمعية، بفعل العدد الكبير لأفراد جمهوره، وبفعل رغبة الجميع في التضحية وتدمير السلطة الجائرة إيماناً منهم بعدالة قضيتهم. فتتحرر الجموع الهادرة من عقدة الخوف، وتواجه عدوها بكل عنف ممكن لتقويض دعائم سلطته الجائرة. وقد كتب زعيم الثورة الصينية ماوتسي تونغ (1893-1976): "لا يمكن أن تكون الثورة حفل عشاء، أو كتابة مقال، أو رسم لوحة، أو تطريز قطعة. لا يمكن أن تكون بهذه الرقة واللطف، لا يمكن أن تكون رحيمة ودمثة ومهذبة، الثورة انتفاضة، عمل عنيف تستطيع  بموجبه طبقة أن تطيح بطبقة أخرى".

يجب إذاً أن يطاح بكل رموز السلطة دون أدني شفقة، حيث لا توجد "ثورة بيضاء" أو "ثورة ياسمين" كما أطلق بعضهم على الثورة التونسية الباسلة، أو "ثورة سلمية" كما يطلق بعض المفكرين على الثورة المصرية، فكلها مصطلحات مغلوطة ورِدّة عن الحتمية الثورية القاضية بالعنف الإقصائي الهادف إلى "تطهير" الوطن من كل أعدائه. فحرق مقار الحزب الوطني في مصر، والاشتباك مع قوى الأمن التي حاولت قمع الجماهير، وقتل أو اعتقال ومحاكمة المستبدين ومصادرة أموالهم كلها مصالح مشروعة وواجبة لضمان انتصار الثورة وانتقال الحكم بشكل كامل إلى النُّخَب الشعبية، كما أن العنف الثوري يقلل من الخسائر البشرية في صفوف الجماهير لأنه يختصر وقت الصراع.

ومشاهد تحرير السجناء السياسيين والجنائيين في معتقلات أبو زعبل ووادي النطرون والفيوم وسواها تذكر باقتحام جماهير باريس الغاضبة لسجن الباستيل يوم 14 يوليو 1789 الذي كان يمثل رمزاً للسلطة المطلقة والطغيان. وقد قَتَلَ الثوار آنذاك حراس السجن ومديره، واجتثوا رؤسهم وثبتوها على أوتاد نصبوها في الميدان العام، ولم تعترض الجمعية الوطنية التي نظّمت التظاهرات الثورية على ذلك، ولم تطالب الثوار بالالتزام "بسلمية التظاهرات" أو عدم الانصياع "للمندسين والمخربين"، بل استفادت من الهشاشة الشديدة التي اعترت النظام الحاكم المستبد في فرنسا فأمعنت فيه قتلاً وتدميراً؛ فالعنف جزء متكامل من التغير الثوري، وصحيح أنه ليس كل عنف ثورة، ولكن الثورة لا تحقق غاياتها بلا عنف، فالمستبدون لا يختفون طواعية.

وفي الثورات العربية ينقل لنا التاريخ تشبث الطغاة بالسلطة، واستخدامهم كل أساليب الخداع للاحتفاظ بامتيازاتهم، والإكثار من الوعود الإصلاحية، والتحدث عن القيم والأخلاق، والاستشهاد بالأمجاد التاريخية، في سبيل إقناع الجماهير بالعدول عن النهج الثوري.

وبعد خروج الشعب ضد الرئيس المستبد، غير عابئين بوعوده الكاذبة، وإصرارهم على دحره وتدمير سلطانه، يشتري الرئيس ذمم عدد من المرتزقة ويوكل إليهم مهمة التنكيل بالجماهير، تعويضاً عن مركب النقص الذي يعانيه، ولإقناع ذاته بأن الوضاعة والهوان هي صفات لصيقة بكل أفراد المجتمع، وليس بذاته المنتهكة فحسب. وفي خضم الأحداث، يجترح الحاكم المستبد كل الشرور دون أدنى إحساس بالإثم، حيث يتأصل في كينونته المشوهة أنه يدافع عن نفسه، وأنه مؤتمن على شعبه، وأن رحيله أو تركه السلطة خسارة كبيرة لوطنه وللتاريخ، وأن الثورة هي ثمرة آثمة زرعتها أياد أجنبية خبيثة، واعتداء على ذاته المتألهة.

في حين تنتاب بقايا الأجهزة القمعية التي درّبها النظام مخاوف من زوال حكم الطاغية وفقدانهم لامتيازاتهم وغنائمهم، فتحاول بقايا تلك الأجهزة إضعاف الحركة الفكرية الثورية ووقف تسربها إلى أفراد المجتمع، فتعمل على تعريضها إلى التهديد المتواصل بالقمع وتسخير البلطجية المأجورين، مما ينهك الثوار وينقلهم من موقف الهجوم إلى الدفاع الدائم عن النفس. كما تدس الأجهزة الأمنية بينهم من يدعو إلى التغير السلمي، أو من يحاول حرف الثورة عن أهدافها، أو من يَنهى الجماهير عن الهجوم على رموز الحكم ومؤسسات النظام بتصويرها مؤسسات وطنية مملوكة للدولة. ففي جمعة الغضب الأولى كادت الجماهير المصرية الغاضبة أن تقتحم مبنى الإذاعة والتلفزيون وتدمّره أو تسيطر عليه، لحرمان النظام من بث الدعاية الكاذبة المناهضة للثورة، غير أن بعض "العقلاء" المندسين حال بينهم وتلك الغاية، حتى وصلت طلائع الجيش وطوّقت المكان.

ويراهن النظام على استراتيجية إطالة أمد الاضطرابات وممارسة الحيل، حتى يقلل من تعاظم الشحنة الوجدانية لدى أفراد الجمهور ويُخفّف من حدة هياجهم، فتتمزق الروابط الوجدانية التي تجمعهم تحت حث (عدوى) الشعور الثوري، ويحل مكانها الخوف الجمعي من مصدر التهديد، ويفقد الجمهور سر قوته. كما يحرك النظام أعوانه لمفاوضة قادة الثوار ويقدم بعض التنازلات لزعزعة شرعية الخروج على النظام في وجدانهم، ولزرع الشقاق بينهم. وكذلك يتدخل النظام لإشاعة البلبلة وسط الجماهير المعتصمة، فيطلق يد "البلطجية" ويخلق حالة من الفوضى، ليوفر ذريعة للجيش لإخلاء الجميع من الشوارع، وما إن تخلو الشوارع من المحتجين حتى يضعف نفوذ قادة المعارضة، ويسهل ملاحقتهم واحتواء التمرد الشعبي.

وقد حذر قائد الثورة الإسلامية في إيران الإمام الخميني (1902 - 1989) من إضاعة الوقت والتقاعس في الانقضاض الكامل على النظام فقال: "على الشعب ألا يتقاعس، كي لا تتمكن قوة السلطة المتلاشية من لمّ شملها وفرض سيطرتها من جديد".

ويؤمن الثوار بأن السلطة المستبدة قد سخّرت كل موارد الدولة لتقوية أجهزتها القمعية وشراء الذمم وتعزيز صلاتها الدولية لتثبيت أقدامها في الحكم لأمد طويل. وقد يؤدي انهيار سلطة الاستبداد وتفكيك أجهزتها القمعية إلى خلق حالة من تعدد السلطات داخل المجتمع، فيسعى عدد من عناصر أجهزة القمع المكونة للسلطة السابقة لاستعادة امتيازاتهم وفرض سيطرتهم على المجتمع من جديد. لذلك لا بد من تدمير كل الأجهزة القمعية، وشرذمة كوادرها، ومحاكمة الناجين من أعضائها، واجتثاث الأيديولوجيا الرجعية المهزومة من الحياة السياسية الجديدة، حتى لا تشكل بقايا النظام البائد احتياطياً للجريمة والفساد والعمالة بعد انتصار الثورة، كما حدث في تونس بعد اندحار الدكتاتور المخلوع.

وفي المحصلة فالثورة لا تنتصر دون اكتمال أركان التغيير الثوري وهي: إبدال القيم، وإبدال البناء الاجتماعي، وإبدال المؤسسات، والتغير في تكوين القيادة الشخصية والطبقية، وانتقال السلطة، وممارسة العنف لدحر النظام.

والثورة هي نهاية أحد طرفي النزاع المسلح، الثوار أو النظام. ويشكل الجمهور الثوري مارداً مؤقتاً لا يلبث أن يتلاشى بمجرد قضائه على السلطة الجائرة. وبوصول الثوار إلى سدة الحكم لا يمكن تقليص حجم دائرة العنف والقهر المكتسب من تجربتهم الثورية إلا بانتزاع مسوغات العنف؛ وتتحقق هذه الغاية عبر التمسك بالثوابت القومية وإحلال الوفاق الاجتماعي والاحتكام إلى سلطة القانون؛ ليعود أفراد الجمهور إلى حياتهم الطبيعية، وفي ذاكرتهم عبق الأحداث الجماهيرية التاريخية.

 

 

 

د. عادل عزام سقف الحيط


التعليقات




5000