يا نصير المستضعفين
............

..........
............
  


....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور الثامن
 

يحيى السماوي  

 

 

 

 

ملف مهرجان النور السابع

 .....................

فيلم عن
الدكتور عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 

 ملف

مهرجان النور السادس

.

 ملف

مهرجان النور الخامس

 

.

تغطية قناة آشور الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ والاهوار

.

تغطية قناة الديار الفضائية 

تغطية الفضائية السومرية

تغطية قناة الفيحاء في بابل 

 

ملف مهرجان النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة الرشيد الفضائية
لمهرجان النور الرابع للابداع

.

تغطية قناة آشور الفضائية
لمهرجان النور الرابع للابداع

 

تغطية قناة الفيحاء
لمهرجان النور في بابل

 

ملف مهرجان النور

الثالث للابداع 2008

 

 

 

ملف مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


موسوعة أعلام الصائغ الثقافية / الباب الأول - النجف الأشرف

أ. د. عبد الإله الصائغ

 خاصة بموقعي النخلة والجيران ومركز النور

إهداء : الى الاستاذ عباس سميسم ابن النجف الطليعي و الباحث الموسوعي والمؤرخ التقدمي بعض امتنان لمعطاه التراثي واجتهاده النبيل .

 


الشيخ جمال الدين الأفغاني / الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء / الشهيد السيد محمد سعيد الحبوبي
/السيد ابو الحسن الموسوي / الشاعر الشيخ محمد باقر الشبيبي


المحامي احمد هادي الحبوبي / القاص موسى كريدي / الدكتور عباس الترجمان / 
الشاعر عبد الامير الحصيري / الشاعر محمد مهدي الجواهري


الأستاذ فاضل الرادود / الاستاذ عبد الرضا الرادود/ الشاعر احمد الصافي النجفي / الكوميديانالشيخ حسين قسام
  
الشهيد حسين نجل الشيخ محمد الشبيبي ورفيقه فهد قبيل  الإعدام   / الشيخ دكتور احمد الوائلي /
الشاعر الدكتور سيد مصطفى جمال الدين / الشاعر والخطيب الشيخ محمد علي اليعقوبي

الشاعر الشيخ عبد المنعم الفرطوسي / الشهيد الدكتور الشيخ حسين مروة /
الشاعرة فليحة حسن / الكاتب الشيخ محمد كاظم الطريحي

الشاعر الشيخ علي الشرقي / الزعيم الوطني سعد صالح جريو / المؤرخ ورائد القصة العراقية جعفر الخليلي 
 
/ الحاج محسن شلاش وزير المالية في العهد الملكي

البوم الصور : جمال الدين الأفغاني فالشيخ محمد حسين كاشف الغطاء فالشهيد السيد محمد سعيد الحبوبي فالسيد ابو الحسن الموسوي فمحمد مهدي الجواهري فعبد الامير الحصيري فالدكتور عباس الترجمان فالاستاذ فاضل الرادود فالأستاذ عبد الرضا الرادود فالشاعر احمد الصافي النجفي فالكوميديان الشيخ حسين قسام فالشهيد حسين نجل الشيخ محمد الشبيبي فالشيخ الدكتور احمد الوائلي فالسيد الدكتور مصطفى جمال الدين فالشيخ محمد علي اليعقوبي فالشاعر الشيخ عبد المنعم الفرطوسي فالشهيد الدكتور الشيخ حسين مروة فالقاص موسى كريدي

 

مدينة صحراوية ترتفع كثيرا عن سطح البحر ! صيفها تنور وشتاؤها زمهرير وربيعها عواصف رملية ! ولكنها مدينة خضراء وارفة مثمرة مغدقة ! قال فيها ابن بطوطة انها مدينة نظيفة منفتحة على الأجانب ! اهلها كرام  يشتغلون بالعلم ! وقال نزار قباني انها تهدي كل يوم شاعرا وتهدي كل جيل مفكرا فكانها سماء تمطر الخير على الجميع ! وابن النجف مفتون بها حتى قال الشيخ الدكتور  احمد الوائلي مغازلا النجف :

 وادي الغري وحق رملك وهو ما * اشتاقه في غدوتي ومسائي     

بلدي مواويل تلهب بالجوى   * وتبث ما للعشق من برحاء

ضاقت بها دنيا الحواضر فانتحت *  قصب الرعاة بها الى البيداء

وتقاسمت هي والرباب حكاية   * من وجد ليلى او هوى ميساء

وحكاية الناعور والسمار قد * حفوا به في الليلة القمراء

شرحوا لبانات لهم واتوا بها  *عريانة من دون اي رياء

بدأوا حكايا الحب في أسمارهم*   لكنها ظلت بلا انهاء

وبنوا الهوى مهما استطال حديثه  * سمعةوا وما ملوا من الاصغاء

بلدي تعانق والنجوم همومه    *وترود كل بعيدة عصماء

نبتت بتربته العلوم وانجبت * ثللا مميزة من العلماء

صنعته مدرسة الوصي ونوعت  * ملكاته وبنته خير بناء

بلد الفصاحة والسماحة والندى  * ومعرس الابرار والفقهاء

وابو فراس لو سبرت كفاحهم *  لقرأت فخر ملاحم الهيجاء

ممن تقلده الوسام يد الوغى *  بمؤهل حق وحسن بلاء

لامن تقلده يد هي لم تجيء   * للحكم عن شرعية بيضاء

لكنها مشبوهة جاءوا بها * في ليلة دموية دهماء

ركبت وليس على الجدارة ركبها  * لكن على كتف من الغوغاء

واجل نبتك يابلادي انه  * ابن الطهر وابن القادة الامناء

السائرين بضوء ابيض واضح   * وتحية للواضح الوضاء

اولاء يابلدي بنوك فهل ترى * اسمى غداة الفخر من اولاء

وادي الغري وحق رملك وهو ما * اشتاقه في غدوتي ومسائي

لو تستبين على البعاد مشاعري   * ملهوبة كالجمر في الظلماء

وصبابتي وانا القصي عن الحمى  *  وبمقلتيَّ تلفت الغرباء

لحزنت لي ولحن رملك مثلما  * ضج الحنين بادمعي ودمائي

فانا ابنك البر الوفي وفطرة *  عطف الاب الحاني على الابناء

اترى وطيفك يستبد بمقلتي  *  انساك لا ورمالك السمراء

فانا لهيب مشاعر وصبابة    *  تواقة لقبابك الشماء

والى محاريب العبادة والتقى * ولخشعة من راهب بكاء

اما مدارسك التي رقت بها  * للفكر الف خميلة غناء

انا من طيور خميلة اشدو بما  * في روضها من روعة وبهاء

وببطن تربك لي جذور اوغلت * من اعظم الاجداد والآباء

ممن اراق دما واسرج فكرة   * من اجل مجدك دونما ضوضاء

وبراعم لي في حشاك دفنتهم  *كانوا النسيج البكر من احشائي

ورايت فيهم للطفولة بسمة    *ودفنت فيهم بهجتي وهنائي

فلديك اصلي والفروع وانني  * انا لاحق بهما بدون مراء ! 

 

وقد خاطب عبدالاله الصائغ مدينته النجف وهو قابع مشيغن غريبا حريبا  : 

أقول لها وقد ثقل الغياب

سلام الشوق ايتها القباب

سلام الله يا اصلي وفصلي

  وأهلي والمحبة والصحاب 

سلام ياعلي فداك رهط 

  محبتهم اذا استعرت سباب

ألم تهتف بهم بالأمس جهراً 

 أطيعوني لتخضل الرحاب  

   أنا السِّرُّ المخبا  في مداكم 

  وعن عيني  قد كشف الحجاب

سلوني قبل ان امضي بعيدا 

ويحجز بعضنا بعضا مآب

ولكن الجهالة كل عصر

ضوار مثلما انتبهت ذئاب

أبا الحسنين ادركنا فإنا 

  يكذِّبُ في بوادينا السحاب

تكاثرت الوعود ولا وفاء 

 وجُمِّعتِ القشورُ ولا لباب

وكلٌ يدعي وصلا بليلى

وليلى سهمها السمُّ المذاب 

وها نحن الضياع بكل أرضٍ 

 رفيقانا التشرذم والعذاب

سلام الشوق مأوانا اغتراب

وغادرنا على كمدٍ شباب

فلا شعر يطيب ولا غناء

  وقد حمت على الربع اليباب

ولا زاد يساغ ولا شراب 

 ولا سعدى ستؤنس او رباب   

أنا ابن مدينة نبغت علواً 

 وجعجع عن أعاليها الشهاب

  انا ابن مدينة عبقٍ ثراها

 وكلُّ دعاء زائرها مُجاب

ليشفي سقمَ زائرِها التراب

انا ابن مدينة الشهداء فاسأل 

ثراها يأت من دمنا الجواب

انا ابن مدينة الكرار حسبي

اذا ماسامني دهري انتساب

  انا ابن عليٍّ الذهبِ المصفى

  له في كل مأثرة كتاب

سلام العشق  ايتها القباب  

   فهل وصلٌ وقد أذن الغياب

وقال عبد الاله الصائغ  ايضا :

مدينتي أزقةٌ تفضي

إلى أزقةٍ تفضي

  إلى أزقة

فيها السراديبُ بيوت الأهل

ياغابة القبور والأرواح

ياجرحها تلعقه الأشباح

مدينتي كركرة غيبها المغني

تبت يداه ثملاً وتب

الآكل السحت فما

أغناه هذا البلد البستان

والفيضُ  الفراتيُّ  

ونخلٌ تمرُهُ ذهب

مدينتي تنور

يولدُ فيها النور

يحرق فيها النور

  

النجف مدينة النور والانفتاح

هي مدينة علي بن ابي طالب كرم الله وجهه وعلي عربي قح فلا فرق في مروءته بين عراقي او شامي او حجازي ! وعلي مسلم لم يعرف غير الاسلام دينا فهو لكل المسلمين ! هو للسنة كما هو للشيعة ! وهو سقف لمن لايجد سقفا يحميه ! والنجف لم تختر عليا ولكن عليا اختارها فهي على رأي كثير من الصحابة الوادي المقدس الذي يخلع الناس نعالهم حين يمسون ثراه حتى الانبياء ! هذه هي مدينتي كما اعرفها ولست متعصبا لها  ! وآية ذلك انني لم اكتب عنها مقالة ولم افرد لها حيزا في موسوعتي  او شيئا قبيل هذا !  ولست ممن يسال العراقي عن مدينته او دينه او معتقده ! لعلمي ان العراق كل العراق مدينة واحدة شاء من شاء وهلك من أبى ! ولكن النجف ليست مدينة اعتيادية صدقوني  ! وليست مقدسة  بامير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام فحسب ! فهي مقدسة منذ آدم ونوح وهود وصالح ! والسؤال هو لماذا اختار الأنبياء آدم ونوح وهود وصالح تراب النجف مثوى لهم ؟ ويروى ان عليا كرم الله وجهه ذهب وصحابه الى موئل النجف وخط بعصاه دائرة واوصى ان يدفن فيها !! واقسم انا عبد الاله الصائغ وانا لست مجنونا ولا ثملا انني  لو كنت مولودا  بباريس او شلالات نياغرا  او  فينيسيا أوهونوللو  في اجمل عرائس المدن السياحية غربيها وشرقيها  لما تمنيت غير النجف وتمنيت ان اكون إبنا للنجف  أو في الاقل نزيلا في سطوحها او سراديبها  ! فهذه المدينة القاحلة ظاهرا الدائمة اليانعة  روحا ! ليست من المدن الدينية التقليدية تماما تماما ! وقد يظن ظان ان النجف التي تستورد كل شيء من الماء الى الرغيف الى الخضرة ! انما هي مدينة اتكالية مستهلكة فقط وعبء على سواها ! وسيعجب الظان  اذا علم ان العقول والرسا ميل النجفية تسيطر على اهم مناحي التجارة في العراق ابتداء بسوق الشورجة وانتهاء بالأرياف ! وربتما ايضا يتهيأ لمن لايعرف النجف ان اهاليها قساة الملامح غلاظ القلوب لا يعرفون البسمة ولايألفون النغمة ولا يستأنسون الرحمة بسبب من قيظ الصيف النجفي الذي تموت فيه الحشرات وتنفق الحيوانات فإذا هبت رياح السموم احرقت الوجوه كما لو انها لهب منبعث من تنور ! وفي الشتاء تبلغ الحال حد الانجماد ! ولكن اهالي النجف عادلوا قسوة الطبيعة برقة الطبع ! وضيق المكان بسعة الرؤية ! وإذا كانت النجف اليوم مدينة صحراوية فقد كانت الى وقت غير بعيد مدينة ساحلية تطل على بحر متلاطم ! وقد شهدت بعيني الجزر الصغيرة في وادي النجف ( الجدول او البحر او الطارات ) وقد غادرها الماء  وهي جزر مازالت ماثلة للعيان حتى اليوم ! ويكتشف ايضا وجود قواقع متحجرة كثيرة بشكل ملفت للنظر  ويسميها النجفيون ( مغيزل بابا ) تصنع منها النجفيات قلائد وأساور بينا رايت الارض وقد سمعت كما سمع غيري من بعض معمري النجف تفسيرا شعبيا متواتراً شائعاً لدلالة النجف يتجه الى ان النجف كانت ضمن بحر يسمى بحر ( الني ) ثم جف فقيل: بحر الني جف ثم اختزلت العبارة الى ( النَّيّ جَفَّ) ثم ادغم الأسم ( الني ) مع الفعل الماضي  ( جَفَّ ) فنحتت ( النجف ) إ.هـ  ولكنني اضعِّف تفسير المعمرين المتداول لدى العامة لأن المنطقة  ليس فيها اسم ( الني ) ولم تسعفنا كتب الجغرافيين  الى قبول هذا الراي الشعبي !!  لكن هناك نُهَيْراً صغيرا بين الحلة والكوفة  اسمه ( النيل ) ذكره الشاعر الأعشى الكبير !

ما النيل اصبح زاخرا في مده

   جادت له ريح الصبا فجرى لها

زبدا ببابل فهو يسقي اهلها   

   وغدا تفجره النبيط خلالها

  

ولا نجد صلة جغرافية بين(النيل )كنهر و( الني )  كبحر   ومع هذا التضعيف فإن الذي ينزل وادي النجف  من النجفيين  يقول نزلت الى البحر ولم يقل نزلت الوادي  وتسمى المنطقة المنخفضة اليوم ( البحر ) والذي ينزل الوادي يكتشف مشاهد محيرة منها وجود جزر صغيرة  مرتفعة عن الأرض  وقد جف الماء المحيط بها  لكنه ترك آثاره التي لاتخفى حواليها ! !! :

ذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان ( م. س) مادة نجف شعرا للموصلي اسحق بن ابراهيم مرَّ بنا شيء منه قبلها , يذكر البحر الذي تطل عليه النجف :

حُفَّتْ ببرٍّوبحرٍ من جوانبها   

  فالبرُّ في طرفٍ والبحر في طرف

وبين ذاك بساتين يحفُّ بها   

  نهرٌ يجيش بجاري سيله القَصَف

وهناك من يرى ان بحر النجف انما هو نضح من نهر الفرات !!  فهو ينخفض في الصيهود ويرتفع في الخنياب !  واذا كانت النجف خد الكوفة فهي  جارة الفرات وقد ذكر البحاثة البدري نقلاً عن القاموس الآشوري الذي اصدرته جامعة شيكاغو : إنّ (كادو ) اسم للفرات القديم وقد جاء في رواية عن المفضل ، عن الإمام الصادق عليه السلام: أنّه فرات الكوفة! ونقل ان   العلامة المجلسي تصوّر أنّها مصحّفة ، وأنّ الصحيح (قرب الكوفة) .. ونقل أنّه تحقق : أنّ (أرارات) الوارد في التوراة العبرية ، و (قردو) الوارد في التوراة الآرامية والسريانية على أنّ سفينة نوح استقرت على جبالهما إنّما هما اسمان لبابل.. ممّا ورد يقرب مع معرفة التحريف في العهد القديم صدق الرواية !بحر النجف كما ترى كان قائماً تاريخياً بل أدركنا منظره قبل جفافه حين أصبح ضحلاً وليس       لدينا عن تاريخه خبر   يوثق به عدا ما حدّثنا به الرحالة البرتغالي (تكسيرا) وان كان ذلك في وقت متأخر تاريخياً. قال تكسيرا الذي وصل النجف في 18 أيلول 23 ربيع الثاني سنة 1013هـ: إنّ مدينة النجف كانت تطل من موقعها العالي على بحر النجف ... وقال: إنّه ليس لهذه البحيرة شكل معين لكنها تمتد بطولها حتىّ يبلغ محيطها خمسة وثلاثين إلى أربعين فرسخا ، وهناك قريبا من منتصفها ممر ضحل تستطيع الحيوانات اجتيازه خصوصا في المواسم التي يقل فيها ماء البحر . وقال: إنّ هذه البحيرة كانت شديدة الملوحة، ولذلك كان يستخرج منها الملح الذي يباع في بغداد والمناطق المجاورة مع ملوحتها كان يكثر فيها السمك بأنواعه المختلفة ، ولهذا كان يسميها الناس بـ (الرهيمة) . ويرى تكسيرا: إنّ بحر النجف يستمد ماءه من الفرات ، ولذلك يلاحظ ازدياد مقادير الماء في مواسم الطغيان ( الخنياب ) كما يلاحظ انخفاظ المياه ايام ( الصيهود )  فالبساتين قائمة حول النهر المنحدر من أبي صخير والذي يزداد أيام فيضان الفرات ! ونرجح ان هذا المنخفض الكبير العميق كان موضعا لتجمع مياه الأمطار بحيث يظنه الرائي بحرا ! وكانت مياه الفرات زمن الفيضان تتجمع فيه  بحيث يسبح فيه النجفيون  حين تتكاثر ! لكن بناء سدتي الهندية  والرَّزَّازة اسهم حثيثا بجفاف هذا الحوض المائي .

 و بحر النجف كما ترى كان قائماً تاريخياً بل أدركنا منظره قبل جفافه حين أصبح ضحلاً وليس لدينا أخبر عن تاريخه  يوثق به عدا ما حدّثنا به الرحالة البرتغالي (تكسيرا) وان كان ذلك في وقت متأخر تاريخياً. قال تكسيرا الذي وصل النجف في 18 أيلول 23 ربيع الثاني سنة 1013هـ :

إنّ مدينة النجف كانت تطل من موقعها العالي على بحر النجف ... وقال: إنّه ليس لهذه البحيرة شكل معين لكنها تمتد بطولها حتىّ يبلغ محيطها خمسة وثلاثين إلى أربعين فرسخا ، وهناك قريبا من منتصفها ممر ضحل تستطيع الحيوانات اجتيازه خصوصا في المواسم التي يقل فيها ماء البحر . وقال: إنّ هذه البحيرة كانت شديدة الملوحة، ولذلك كان يستخرج منها الملح الذي يباع في بغداد والمناطق المجاورة مع ملوحتها كان يكثر فيها السمك بأنواعه المختلفة ، ولهذا كان يسميها الناس بـ (الرهيمة) . ويرى تكسيرا: إنّ بحر النجف يستمد ماءه من الفرات ، ولذلك يلاحظ ازدياد مقادير الماء في مواسم الطغيان ( الخنياب ) كما يلاحظ انخفاظ المياه ايام ( الصيهود )  فالبساتين قائمة حول النهر المنحدر من أبي صخير والذي يزداد أيام فيضان الفرات ! ونرجح ان هذا المنخفض الكبير العميق كان موضعا لتجمع مياه الأمطار بحيث يظنه الرائي بحرا ! وكانت مياه الفرات زمن الفيضان تتجمع فيه  بحيث يسبح فيه النجفيون  حين تتكاثر ! لكن بناء سدتي الهندية  والرَّزَّازة اسهم حثيثا بجفاف هذا الحوض المائي ! (!

قال  الشاعر اسحق بن ابراهيم  الموصلي يذكر البحر الذي تطل عليه النجف  في ايامه :

حُفَّتْ ببرٍّوبحرٍ من جوانبها   

  فالبرُّ في طرفٍ والبحر في طرف

وبين ذاك بساتين يحفُّ بها   

 نهرٌ يجيش بجاري سيله القَصَف

ولقد تعرضت النجف بعد ان اصبحت مثوى لعلي بن ابي طالب وانصاره ومحبيه الى هجمات اعرابية ظاهرها طائفي وباطنها لصوصي ! فنال سكانها اذى كبير لاطاقة لهم على احتماله وبخاصة بعد دفن الامام الطوسي الذي نجا من محاولة اغتياله في بغداد ! فتبرع السلطان مسعود بن بابويه الديلمي ببناء سور مشهد النجف بعد ان فرغ من تعمير القبة الزاكية وتجصيص خارجها وداخلها ثم دخل الحضرة الشريفة ومعه  الشريف الرضي فقبَّل السلطان القبة المنيفة  فوقف الشاعر ابو عبد الله الحسين بن الحجاج ت 491 هــ وانشد قصيدته الفائية مشددا على صفة الأشرف التي لحقت اسم النجف فيما بعد :  

ياصاحب القبة البيضاء في النجف

من زار قبرك واستشفى لديك شفي

زوروا ابا الحسن الهادي لعلكم  

   تحظون بالاجر والاقبال والزلف

اذا وصلت فاحرم قبل مدخله 

  مُلبِّياًواسْعَ سعياً حوله وطفِ

حتى اذا طفت سبعا حول قبته

    تأمَّلِ البابَ تلقى وجهه فقف

وقل سلام من الله السلام على

اهل السلام واهل العلم  والشرف

اني اتيتك يا مولاي  من بلدي 

   مستمسكا من حبال الحق بالطرف

  راجٍ بأنك يامولاي تشفع لي  

  وتسقني من رحيق شافي اللهف

لانك العروة الوثقى فمن علقت

بها يداه  فلن يشقى ولم يخف

لان شانك شان غير منتقص  

   وان نوركَ نورٌ غير منكسف

وانك الاآية الكبرة التي ظهرت  

  للعارفين بأنواع من الطُّرَف

بحب حيدرة الكرار مفتخري  

  به شرفت وهذا منتهى الشرف

تتاخم  مدينة النجف الحدود الحجازية من جهة الشرق ، فهي  في الطرف الغربي من المنطقة الوسطى فوق الهضبة الغربية قريباً  من ضفة نهر الكوفة ( المتفرِّع عن الفرات ) بمايساوي ثمانية كيلومترات ,   وقد  امتد اليوم البناء فيها الى الكوفة تقريباً  فالزائر للكوفة والنجف يحسبهما مدينة واحدة . وتحدها من جوانبها الاخرى مدينة كربلاء ، ومدينة الكوفة ، ومدينة ابو صخير ، ومركزها الاداري الحالي  محافظة    من احدى محافظات الفرات الاوسط العراقيةوتطل مدينة النجف الأشرف من الجهة الغربية على البحر الناشف حيث يشاهد القادم من مسافة بعيدة القبة التي تضم مرقد الإمام علي بن ابي طالب ومازالت الدهاليز والممرات التي اصطنعها اليهود زمن سابور ذي الأكتاف ماثلة حتى الآن رغم مرور اكثر من الفين سنة ويطلق عليها النجفيون ( القناط ) ويعنون ( القناة ) منذ سابور ذي الاكتاف كانت مفزعا لليهود الذين حفروا قنوات تحت أرضها  تصل بين الحواضر وبيوتا غرفا ومحلا للتبضع ! وهي مازالت قائمة حتى اليوم ويسميها النجفيون القناط  اي القناة وفي النجف عائلة كريمة هي بيت قناط  انتقيت منها صديقي الاستاذين الشقيقين  محسن وعدنان  قناط ! وهناك شرق النجف وقد زحف عليه البناء الآن ( عريسات ) وهي مسلحة لجند النعمان بن المنذر شيخ مشيخة الحيرة وديماس ايضا تحت الأرض اتخذه سجنا للمحكومين مدى الحياة !! ويقال ان النعمان بنى عريسات من اطلال مدينة قديمة اسمها ( تيز ناباذ ) وفيها حانات ومعاصر خمر وخانات للهو ! وقد جددها العباسيون وجعلوها وكنائسها امكنة للهو غير البريء ! وقد وردت في الشعر وهذا بيت للحسن بن هاني  ابي نواس :

قالوا تنسك بعد الحج قلت لهم   =  أخشى الإله وأغشى طيزناباذا

  

واهل الحيرة يقولون الى الآن  نحن ابناء النجف ! قال حنين  الحيري نسبة الى الحيرة مدينته وبات مالوفا ان ينتسب سكان المدن  والارياف والقرى المجاورة للنجف فيقول ابن الكوفة انا نجفي وهو صادق ويقول ابن الحيرة انا نجفي وهو صادق قال الشاعر حنين الحيري :

انا حنين  ومنزلي النجف  

  وما نديمي إلا الفتى القصف

وفي العصر الإسلامي توارد اسم النجف  في اخبار المسلمين  والذكوات البيض   وما زالت الذكوات البيض والغري ووادي السلام والوادي المقدس والطور   اسماء  للنجف الأشرف من بين اسماء كثيرة!! يقول الدكتور محمد فاضل الجمالي ( ... ‘ن مدينة النجف تبعد ثلاثة اميال عن مدينة الكوفة التي تقع على نهر الفرات والتي تحوي الجامع الذي صلى فيه الامام علي بن ابي طالب فالنجف والكوفة متقاربتان إذ يمكن اعتبار الكوفة ميناء للنجف على نهر الفرات واعتبار النجف ميناء للكوفة على الصحراء والكوفة كانت العاصمة الأسلامية الأولى واشتهرت بمدرستها في علم  تنافس البصرة في هذا العلم ثم ان النجف اصبحت اعظم مركز للدراسة الدينية للشيعة الأثني عشرية ويمكن مقارنة الدراسة فيها بدراسة الأزهر في القاهرة والزيتونة في   تونس والقرويين في الرباط )  ! لقد كان  الشيخ الطوسي  المرجع الديني الكبير في بغداد  بعد استاذه السيد المرتضى ابو القاسم علي بن الحسين ت 436هـ  قد  انتقل الى النجف  عام 449هـ، وانصرف فيها انصرافاً كاملا الى  البحث العلمي ، الامر الذي ساعده كل المساعدة على انجاز دوره العلمي العظيم  الذي ارتفع به الى مصاف  المؤسس  ! ويذكر صديقنا الشيخ  محمد كاظم الطريحي نور الله ثراه  :  بعث الوزير الهندي آصف الدولة يحيى خان النيشابوري ت 1220 هـ 1785 م اموالا طائلة لشق نهر الهندية وعند جريان هذا النهر صادف اراضي منخفضة اجترفها بقوته وهناك حدثت اهوار كثيرة منها بحر النجف وبحيرة يونس حتى كان بمقدور الراكب ان ياتي في سفينة من البصرة الى النجف إ. هـ!! . وهناك من يطلق على مدينة النجف اسم ( المشهد ) ومازال الناس يسمون النجفي ( مشهدي ) ويبدو ان مشهد اكتسبت شرعيتها من وجود الروضة الحيدرية فهي مشهد لهذه الروضة المشرفة , قال ابو اسحق الصابي مودعا عضد الدولة وقد خرج لزيارة النجف

توجَّهْتَ نحو المشهد  العلم الفرد 

 على اليمن والتوفيق والطائر السعد

تزور أمير المؤمنين فيا له 

ويالك من مجد منيخٍ على مجد

فَلَم يُرَ فوق الأرض مثلك زائرا

    ولاتحتها مثل المزور الى اللحد

وقال علي بن عيسى بن فتح الإربلي :

عرِّجْ على أرض ِ الغريِّ وقف به 

 والثم ثراه وزره خيرَ مزار

واخلع بـمشهده الشريف  معظما

تعظيم بيت الله ذي الأستار

  ونقل  الدكتور مصطفى جواد ما مؤداه  ان اطلاق اسم النجف على الغري واطلاق الغري على النجف  لا يلتبس لأن الموقع حمل التسميتين  منذ  العصور الجاهلية القديمة ! إ. هـ   والغري  تسمية قديمة لعل تاريخها يرجع الى عصور ما قبل الإسلام  وقد نقل المؤرخون ان جذيمة بن الابرش كان كثير السكر متهورا خلاله  وكان له صفيان حبيبان الى نفسه هما مالك وعقيل فجعلهما نديميه  في مجلس شربه الخاص !! وذات ليلة أسرف  جذيمة في احتساء الخمرة حتى  طاش صوابه فأمر بنديميه  ان يبطحا ارضاً وأمر حراسه ليقطعوا  راسيهما فكان له ذلك !! وحين صحا في اليوم التالي طلبهما للسمر معه قأخبر بأنهما مقتولان بأمره فحزن عليهما وبنى لهما بنائين طويلين وسميا الغريين لان سلفه النعمان بن المنذر كان يغريهما بدم من يقتله في يوم بؤسه قال خطام المجاشعي :

أهل عرفتَ الدار بالغريين

لم يبق من آيٍ بها يحلين 

ويبدو ان اسم النجف اقدم من اسم الغري فقد ذكر الشاعر الجاهلي الأعشى الكبير  ميمون بن قيس البكري  انه رافق النعمان بن المنذر في نزهته  المعتادة  بظهر النجف فرأى زهور الشقائق بألوانها  الجمرية الجميلة فأعجبه مرآها وادخل على نفسه السرور  ! وأمر بحمايتها وقتل كل من يقطفها او يتسبب في اتلافها  فسميت  من عهد ذاك  شقائق النعمان .

وقد ارتبطت النجف بالحيرة كما رد من اخبار شقائق النعمان ! وقد عثر على قصر الخورنق على اطراف مدينة النجف  فكان يمكن له ان يكون معلما سياحيا  و تاريخيا مهما  لكن العمى الطائفي اقام عليه بناية المعهد الصناعي في النجف حتى لا يظن العراقيون ان النجف اصيلة وماثلة من اقدم العصور ! وحين كنت عضو مجلس جامعة الكوفة للعلوم الانسانية استحصلت على موافقة  الجهات التاريخية على تهديم المعهد الصناعي واظهار اطلال قصر الخورنق خرجت ضدي ما يشبه المظاهرة وكاربت بيتي كشيء من التهديد ووصلتني رسالة تقول هل عدت للنجف لكي تهدم المعهد وهو فرصة لاولادنا لكي تنقذ تراثا وثنيا ! وحين عملت مؤتمرا للنحويين واللغويين في مدينة النجف واقر المؤتمرون مشروعي لتدريس النحو الكوفي ووقعوا الاقرار احتج عدد من ابناء مدينتي وطلبوا الى الدكتور يحيى الراوي رئيس جامعة الكوفة ان يلجم عبد الاله الصائغ من اجل ان لايصنع من الجامعيين النجفيين ارانب لاختباراته ! سقيا للذاكرة ! نعود الى الشعر  قال علي الحماني :   

فيا اسفي على النجف المعرّى

  وأودية منوَّرة الأقاحي

وما بسط الخورنق من رياض 

   مفجرة بأفنية فساح

كانت النجف الى سنة 1980 تحتفظ بجزء كبير من سورها مع نمحافظة على عمق الخندق الذي يحيط بها وقد صار شارعا يسمى الجديدة الاولى من جهة والسلام من جهة اخرى ! بعيني رايت القولات في سور النجف وبقايا غرف ومراصد وسلالم كما شاهدت الثلمة في العمارة  التي صنعها الانجليز في السور قرب جامع صافي صفا كما رايت تكية البكتاشية التي جلس عندها الرحالة المغربي ابن بطوطة ت  779هـ ودون مشاهداته عن زيارة مدينة النجف وكان يسميها مدينة الرافضة لكنه احبها واحب ناسها ! جاء في مذكراته : نزلنا مدينة مشهد عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) بالنجف، وهي مدينة حسنة في أرض فسيحة صلبة من أحسن مدن العراق، وأكثرها ناساً، وأتقنها بناءً، ولها أسواق حسنة نظيفة دخلناها من باب الحضرةوهو باب سور المدينة الخارجي فاستقبلنا سوق البقالين والطباخين والخبازين، ثّم سوق الفاكهة، تّم سوق الخياطين والقسارية ثّم سـوق العطارين  ثّم باب الحضرةوهو    باب الصحن الذي يحيط بالمرقد  حيث القبر الذي يزعمون أنّه قبر عليّ (عليه السلام)، وبازائه المدارس والزوايا والخوانق معمورة أحسن عمارة، وحيطانها بالقاشاني وهو شبه الزيج عندنا لكن لونه اشرق ونقشه أحسن !! ويتم ابن بطوطة مشاهداته فيقول :  يدخل من باب الحضرة إلى مدرسة عظيمة يسكنها الطلبة، والصوفية من الشيعة، ولكلّ وارد عليها ضيافة ثلاثة أيام من الخبز واللحم والتمر مرتين في اليوم. ومن تلك المدرسة يدخل إلى باب القبة، وعلى بابها الحجّاب والنقباء والطواشية فعند ما يصل الزائر يقوم إليه أحدهم أو جميعهم، وذلك على قدر الزائر يقفون معه على العتبة، ويستأذنون له ويقولون: عن أمركم يا أمير المؤمنين هذا العبد الضعيف يستأذن على دخوله الروضة العليّة فإن أذنتم له وإلا رجع، وإن لم يكن أهلاً لذلك فأنتم أهل المكارم والستر!! ( يشير ابن بطوطة الى الدعاء قبل الدخول ...
السلام على رسول الله أمين الله على وحيه وعزائم أمره الخاتم لما سبق والفاتح لما استقبل والمهيمن على ذلك كله ورحمة الله وبركاته، السلام على صاحب السكينة السلام على المدفون بالمدينة السلام على المنصور المؤيد والرسول المسدد السلام على أبي القاسم محمد ابن عبدالله ورحمة الله وبركاته
السلام من الله على محمد رسول الله أمين الله على وحيه ورسالاته وعزائم أمره ومعدن الوحي والتنزيل الخاتم لما سبق والفاتح لما استقبل والمهيمن على ذلك كله الشاهد على الخلق السراج المنير والسلام عليه ورحمة الله وبركاته اللهم صلى على محمد وأهل بيته المظلومين أفطل وأكمل وأرفع وأشرف ما صليت على أحد من أنبيائك ورسلك وأصفيائك اللهم صل على أمير المؤمنين عبدك وخير خلقك بعد نبيك وأخي رسولك ووصى جيبك الذي انتجبته من خلقك والدليل على من بعثته برسالاتك وديان الدين بعدلك وفضل قضائك بين خلقك والسلام عليه ورحمة الله وبركاته اللهم صل على الأئمة من ولده القوامين بامرك من بعده المطهرين الذين ارتضيتهم أنصارا لدينك وحفظة لسرك وشهداء على خلقك وأعلاما لعبادك صلواتك عليهم أجمعين السلام على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وصي رسول الله وخليفتة والقائم بأمره من بعده سيد الوصيين ورحمة الله وبركاته السلام على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وال سيدة نساء العالمين السلام على الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة من الخلق أجمعين السلام على الأئمة الراشدين السلام على الأنبياء والمرسلين السلام على المتوسمين السلام على المؤمنين الذين قاموا بأمره ووزروا أولياء الله وخافوا بخوفهم السلام على الملائكة المقربين السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين .. وصفه للحرم الشريف قال: صنع من الفضة، وكذلك العضادتان، ثّم يدخل القبة وهي مفروشة بأنواع البسط من الحرير وسواه، وبها قناديل الذهب والفضة منها الكبار والصغار، وفي وسط القبة مسطبة مربعة مكسوة بالخشب عليه صفائح الذهب المنقوشة المحكمة العمل مسّمرة بمسامير الفضة قد غلبت على الخشب بحيث لا يظهر منه شيء، وارتفاعها دون القامة، وفوقها ثلاثة من القبور يزعمون أن أحدها قبر آدم (عليه الصلاة والسلام)، والثاني قبر نوح عليه الصلاة والسلام، والثالث قبر عليّ (رضي الله تعالى عنه)، وبين القبور طسوت ذهب وفضة فيها ماء الورد والمسك وأنواع الطيب يغمس الزائر يده في ذلك ويدهن بها وجهه تبركاً، وللقبة باب آخر عتبته أيضاً من الفضة وعليه ستور من الحرير الملون يفضي إلى مسجد مفروش بالبسط الحسان مستورة حيطانه وسقفه بستور الحرير، وله أربعة أبواب عتباتها فضة وعليها ستور الحرير... ثّم قال : ولهذه الروضة كرامات.. إلى آخره.

ورغم أنّ قول ابن بطوطة عن النجف أنّها من أحسن مدن العراق وأكثرها ناساً،واتقنها بناءً. يعطي صورة عما بلغته النجف من سعة وازدهار في القرن الثامن إلا أنّها صورة مجملة لم تقدّر عدد السكان ولا عدد ما فيها من الدور.. وقد قدّر بعضهم دورها في تلك الفترة وما بعدها ـ عدا الخانات والمدارس ـ بما يقرب من سبعة آلاف دار ... وحين استولى الشاه إسماعيل الأوّل الصفوي المتوفّى سنة 930هـ مقاليد بغداد سارع إلى زيارة النجف، واعتنى بشؤونها وأصلح نهراً بقربها عرف بـ (نهر الشاه) كان يجري من الفرات بقناة خاصة تحت الأرض.. فأنهى بذلك مشكلة شحة المياه، وانتعشت النجف أيما انتعاش في زمنه وبعده بعقدين.. ثّم توالت عليها المحن والنكبات.  أين ما وليت وجهي فثمة شاهد على استثنائية النجف من  شاهد تاريخي او علمي او ديني او نضالي ! واينما يممت وجهك فثمة  شاعر وناثر وقاريء وحافظ ومفكر ومهندس وفنان ! ومن حق الغرباء عن هذه المدينة ان يقيسوها وفق المنطق العلمي !  فيرونها مدينة البكاء والنواح والمدافن ! وحين نقول لهم ان في النجف طاقة على الفرح تعدل طاقتها على الحزن  منذ اقدم العصور فسيكون قولي ضربا من التزيد  ! وانا قد عاصرت ثلاثة من كوميديانات النجف الكبار  كانت الملوك والامراء والمشايخ العرب يتوددون اليهم من اجل تحبيب الاقامة ولو مؤقتا بين عوائلهم وداخل بيوتهم ! ومن هؤلاء رجل الدين الشيخ حسين آل قسام وله مجموعة من الدواوين الشعرية الشعبية المطبوعة منها قيطان الكلام وسنجاف الكلام ودواوين اخرى ! وكان الملك فيصل الاول ومن بعده الملك غازي ومن بعده  الملك فيصل الثاني وعبد الاله ونوري سعيد وعبد الوهاب مرجان وفاضل الجمالي  يستضيفون حسين قسام وتكاد قلوبهم تتوقف من شدة الضحك ! وعاصرت الحاج صالح القندرجي وهو معمم  ومحله قبالة متوسطة الخورنق كان يبتكر النكتة ويرتجل القصيدة ويتحكم بملامح وجهه بشكل مدهش واعتادت المدينة  ان تختار ساحة الميدان فيقف على المسرح الصيفي البسيط  وحشود من آلاف الناس يضحكون لمرآه فقط رجلا ونساء  فكيف اذا غنى او حكى او مثل ! كما عاصرت الحاج زبالة الكوفي وكان نسيج وحده فهو يقلد الاصوات من الحيوانات والبشر والرعد والسيارة وانكسار الزجاج ويخرج اصوات من جسده  وفمه واصابعه بما يخلق هستيريا للضحك! هؤلاء الثلاثة رايتهم وعايشتهم  وكنت في محل الحاج حمودي منى فدخل علينا الشيخ الطريحي ولا اعرف اسمه ولكنه كان يتكلم ويحرك اذنيه وانفه وحاجبيه بشكل جعل الحاج الرائع حمودي منى يقطع سبحته الثمينة من الضحك وحين خرج الشيخ الطريحي قال لي الحاج حمودي ان هذا الشيخ هزلجي اي كوميديان اما الذين سبقوا جيلي او كانوا ضمن عصري ولكنني لا اعرفهم فهم كثر كما احسب !  ومن ذا ينسى من جيلي الراقصة كَليبي ( تصغير قلب منطوقة بالكاف الفارسية ) وهي رجل  يضع الباروكة ويتمكيج ويرتدي ملابس النساء ويرقص في الشوارع حفلات الاعراس والختان والمواليد بين زغردة النساء ومرح الرجال !! مدينة متفتحة مثل اكمام الورد عبقة مثل رائحة البكور ! فأين منها القسوة !  ومن نافلة القول ان رجال الدين عهد ذاك كانوا رومانسيين طيبين وكانوا  قدوة للناس في البساطة والظرف فهم  يجلسون مجالس العامة ويصغون كثيرا ويتكلمون قليلا  ! لم يترهبنوا ولم تحجب حاشيتهم اتصال الناس المباشر بهم ! ويعن لي ان اورد مثلا  شعرا للمرجع الديني الأكبر والشهيد الذي قضى 1915 وهو يقاتل الجيش  الانجليزي المحتل الذي حاول خداع العراقيين حين صرح الفاتح  الجنرال مود ( ايها العراقيون لاتخشونا فقد جئناكم محررين وليس فاتحين ) ! وكان االعراقيون اذكى من ان يصدقوا افتراء المحتل  والنجف عراقية ! هذا المرجع الديني الكبير يقول شعرا في وصف المرأة والخمرة والرغبة بما لايجرؤ عليه  أي الشاعر اليوم! وحتى لا القي القول جزافا سأختار لكم شيئا من موشحة هزّت الزوراء اعطاف الصفا

-2-

ياغزالَ الكرخ واوجدي عليكْ  *   كاد سري فيك أن ينهتكا

هذه الصهباء  والكاس  لديك    * وغرامي في هواك احتنكا

فاسقني كأسا  وخذ كاساً إليك   *   فلذيذُ العيش ان نشتركا

-14-

فاحدُ بالركْبِ إذا الركبُ حدا *   فيه يوماً وأقم ما إن اقام

يممن ( نجدا ) إذا ما أنجدا    *  وإذا أتْهَمَ فالمسرى ( تُهام(

وهو إن ( يشهد ) فأُمَّ ( المشهدا )  * وسلامٌ لك من( دار السلام (

إن ثوى جسمي فحلَّ ( النجفا )   *  ففؤادي عنده لم يظعنِ

أين من حَلّوا ( بجمع ) و( الصفا )  * من مقيمٍ ( بالغريِّ ) الأيمن

-15-

أيها العذال كفوا عذلكم   *  بالهوى العذري عذري اتضحا

وامنحوا يا أهلَ نجدٍ وصلكم  *  مستهاماً يتشكى البرحا

) واذكروني مثل ذكراي لكم * رُبَّ ذكرى قربتْ من نزحا(

الوفا ياعُرْبُ يا أهل الوفا *  لاتخونوا عهدَ من لم يَخُنِ

لاتقولوا صدَّ عنا وجفا  * عندكم روحي وعندي بدني

  

-18-

لا تخلْ - ويكَ- ومن يسمعْ يخل ْ  *  أنني بالراح مشغوف الفؤاد

أو بمهضوم الحشا ساهي المقلْ    *  أخجلتْ قامتُه سمرَ الصِّعاد

أو برباتِ خدورٍ وكللْ    * يتفنّنَ بقرب ٍ وبعادْ

إن لي مِنْ شرفي بُرداً ضفا *  هو مِنْ دون الهوى مُرْتَهِني

غيرَ أني رمتُ نهْجَ الظُّرَفا * عفّةُ النفسِ وفسقُ الألسنِ

شمس الحميا تجلت في يد الساقي

  

اشارة : حين قرأ  غوستاف لوبون هذه القصيدة وقيل له ان صاحبها لم يشرب الخمرة ولم يجالس شاربها لم يصدق ذلك وقال قولته المشهورة ( انا احتسيها منذ نصف قرن واعرف اوصافها جيدا وقصيدة الحبوبي لايقولها الاشارب خمر) ولأن غوستاف لوبون صاحب موسوعة حضارة العرب يعرف النجف وائمة النجف فقد اذعن !! قال السيد محمد سعيد الحبوبي يصف  الخمرة  بصوفية عالية : !

  

شمسُ الحميا تجلّتْ في يدِ الساقي  *   فشعَّ ضوءُ سناها بين آفاق

  سترتها بفمي كي لا تنمَّ بنا  *    فأججتْ شعلةً ما بين آماقي

تشدو أباريقُها بالسكب مفصحةً     *  بشرى السليم فهذي رقيةُ الراقي

خذها كواكبَ أكوابٍ ويشفعُها * ما يحتسي الطرفُ من أقداح أحداق

تسعى اليك بها خودٌ مراشفُها     * أهنا وأعذبُ مما في سيد الساقي

ما شابَ عقربَ صدغيها مُقبِّلُها    *   ألا ومن ريقها يرقى بدرياق

مسودةُ الجعدِ لولا ضوءُ غرتها   *   لما هدتني اليها نارُ أشواقي

يهدي اليك بمرآها ومسمعها  *جمالُ  يوسفَ  في ألحان  إسحاقِ

هيفاءُ لولا كثيبٌ من روادفِها  *   فرَّ النطاقان  من نزعٍ وإقلاقِ

ماهبتِ الريحُ إلا استمسكت بيدي  *  تِرْبٌ لها واعتراها فضل إشفاق

جال الوشاح بكشحيها متى نهضت *  تسعى اليك وضاق الحجل بالساق

ضممتُها فتثنت وهي قائلةٌ  * بالغنجِ رفقاً فقد فصَّمْتَ اطواقي

وبتُّ أسقي وباتت وهي ساقيتي *  نحسو الكؤوسَ ونسقي الأرضَ بالباقي . إ . هــ

  أما الشاعر المتمرد الكبير احمد الصافي النجفي ابن النجف البار فقد ساءه ان النجف اختارت الصحراء ولم تختر الماء ! فهجرها واختار بيروت سكنا امضى فيه كل ماتبقى من عمره  وحق له ان يفعل هذا !! قال النجفي مخاطبا النجف التي تركت رفقة الانهار واختارت رفقة الصحراء وبجرأة نادرة المثيل  ما يلي :

صدق الذي سماك في وادي طوى  *  يا دار بل وادي طوى وعراء

جلست على الأنهار بلدان الورى *  فعلامَ انت جلست في الصحراء

وقال احمد الصافي النجفي على سبيل الدعابة يصف وارادت النجف وصادراتها : :

إن الغريَّ بلدةٌ تليق أن    *  تسكنها الشيوخ والعجائز

فصادرات بلدتي عمائم ٌ   *   وواردات بلدتي جنائز !

ولا أتذكر ان أحدا من أبناء النجف اتهم احمد الصافي النجفي بما يتهم به الشعراء الصادقون او الاريحيون اليوم ! فهذه المدينة جامعة يتعلم الناس فيها ومنها التسامح والسلام والتآخي فضلا عن العلوم ! وقد اضحت اليوم وا اسفاه مثالا  للتعنت والتشدد في كل شيء !! وبين يدي شعر للصافي النجفي لم يعد الزمان يحتمله بسبب من موجة التشدد والعنف وسوء الظن التي سادت الدنيا هذه الايام! !! 

اما الشيخ العلامة علي الشرقي فقد داعب النجف والنجفيين وهو ابنهما وربيبهما مداعبة ثقيلة ! ومع ذلك كان العلماء والأدباء والسياسيون يستسيغون قوله و يستشهدون بشعره الذي ذهب مضربا للامثال  :

أنظر الى سبحته    *   ترَ الذي اقول لك

شيطانه كخيطها   *  بين الثقوب قد سلك

ياذرةً من نفخنا  *   قد ارتقت الى الفلك

ما اسودتِ السبحةُ  *  إلا لترينا عملك

 

مزرعة البصل

إن الكلام بلا عمل   *    أحلى مذاقا من عسل

قولٌ قديمٌ سار في     *  أسماعنا سير المثل

أخذت به دولُ العروبة   *  دون مختلف الدول

فاستكملت عُدد الكتابة   * والخطابة والجدل

حتى اذا حمَّ الكفاحُ *  نبا السلاحُ المبتذل

وتكسرت فوق الصخور  * قرونُ أكباشِ الدجل

اما البطولةُ فهي في  *  أفواهنا لما تزل

قومي رؤوسٌ كلها   *   أرأيتَ مزرعةَ البصل

  

ويستشيط الشرقي غضبا دون ان يناكفه احد ولكن نفسه الثائرة لاتعرف الهدوء فقال :

تحلل ايها الحاطبُ * من حبل ومن فاس

وخذ عن حطبِ الغاباتِ حزماتٍ من الناس

تلفُّ الهيِّنَ اللينَ  *  باليابس والقاسي

فمن حبر لحاخام  *  ومن قس لشماس

وحين سأله احدهم هل انت خارج عن تقاليد المجتمع النجفي ؟ أجابه استغفر الله فانا رجل دين ولكنني خارج على من خرج

ذممتُ التعصبَ من قبل ذا   *  وها انا في ذمه لاهج

دعونا نوسع آفاقنا   *  ليقبلنا المزج والمازج ُ

اقولُ وقد سالتني الرفاقُ   *  أأنت على وضعنا خارج ؟

أبى الثمرُ الفجُ عن أصله   *   فصالاً وينفصل الناضج

وقد وفقني الله فعشت قريبا من المؤرخ والشاعر والزعيم الشيخ محمد علي اليعقوبي وكانت تربطني وشقيقي دكتور محمد الصائغ صلات صداقة بأولاده وبه ايضا ! وهو القائل حين شب ضرام ثورة 1920 يوصي المناضلين ان يكملوا المشوار ولا يصدقوا الوعود :

ياضربة الله بأعدائه  *  كوني عليهم ضربة قاضية

  وكنا نستمع الى مواقفه الاريحية ولا نكاد نصدق ! فمثلا حين افتتح السيد محمد جواد الجزائري مدير ناحية الكوفة مشروع الماء الصافي الصالح للشرب دعي اليعقوبي ضمن احتفالية كبرى حضرها كبار الساسة والادباء ورجال الدين وكل القصائد كانت تشيد بشعب الكوفة وبصنعة ابن الشيخ محمد جواد الجزائري فقال :

لا تُعر اهلَ كوفة الجند أذنا* ودع القوم يهلكون ظماءا

كيف تسقي يا ابن الجواد اناساً  * حرموا جدك الحسين الماء ا

وثمة الشعراء العمالقة محمد مهدي الجواهري والشيخ باقر الشبيبي وعبد المنعم الفرطوسي وصالح الظالمي وصالح الجعفري ومرتضى فرج الله وعبد الرزاق الهلالي ومصطفى جمال الدين وجميل حيدر وعبد الغني الخضري ...

ثم نعرج على ظرف الشيخ حسين قسم النجفي :يحكي عن السرقة التي طالت نبيين  من انبياء الله الصالحين هما نبي الله هود ونبي الله صالح عليهما السلام  ! وكان الشيخ حسين قسام سادنا لروضة المرقدين الشريفين ويعتاش مما يتبرع به زوار النبيين وما اقلهم ! وفي ذات يوم سطا اللصوص على الضريحين وسرقوا الموجودات فكتب حسين قسام هذه الكوميديا السوداء  :

أمصيبة يا الهي صارتْ عليه * هود وصالح انباكَو بظهريه

يباري الكون انت تعلم بحالي *  هل بوكَة أبد ما كانت ابالي

اطلعت الصبح اطلب رزق لعيالي *  على الله اتوكلت وانحرت واديه

لمن جيت أكَعد على باب الله   *  إجاني هل حرامي سلم وصله

سألني شنهو ذولة انبياء الله  *   كَتله إي وهو اتفكّر عليه 

حميدي شافني من ابعيد ابن علوان*  كَلي وين وانه اتعبت رجليه

يكَلي بالكَراج السرسري شفته  *  يحسين اعله شانك آنه عطلته

من وصفك ونيشانك انه عرفته *  يريد الكربلا يمشي اله نيه

وفي هذا البيت  اشارة ظريفة  تدل على ان اللص بعد ان سرق النبيين هود وصالح قرر الذهاب الى كربلاء ليسرق ايضا !

و الشاعر الجميل الشيخ الدكتور عباس الترجمان فقد  كان مدرسة كاملة للخلق الرفيع  والمواهب المتعددة والعقل المتنور ! كان ذا صوت رخيم جميل مجلجل ! وقدرة على الخطوط العربية والفارسية والتركية وكان يوقع على خطوطه ولوحاته مشكين قلم ! وجهه ازهر وطلعته مهيبة فضلا عن العادة النجفية التي خسرناها فيما بعد واعني الميل القاتل للنكتة والظرف ! هذه الشاعر والباحث الاكاديمي شاء ان يرسم صورة لجغرافية النجف فقال :

موقعه في وسط العراق  * غرب الفرات مشرِقَ الرقراق

في ارض غربي جنوب الكوفة  * باسم الغري سابقا معروفة

في نجفةٍ شيد فوق الهضبة  * فالجو صاف والرياح طيبة

وأرضه الرملية المشرفة  *  بالدُّر من رب السماء مُتْحفة

ينقلب الحصى بوادي النجف *  درَّاً شهيراً باسم درِّ النجف

جانبه فيه دلالة على   * زوالِ بحرٍ زاخرٍ فيما مضى

لأنه ينحدر انحدارا  *  بعامل النحت الذي توارى

تصلُّب الطين على جوانبه  * دلالة النحت على رواسبه

معروفة هناك بالطارات  * كهوفها تعرف بالغارات

ومسك الختام اروي هذه الحكاية ! كنت اعد للتلفزيون العراقي برنامج ادب المحافظات وفي الحلقة الخاصة بمدينة النجف كنا ذات ظهيرة تموزية في النجف انا عبد الاله الصائغ  والمصور سمير الوكيل  والمخرج خليل عبد الواحد وكان الحر قد بهذل حالنا فملت برفقتي الى الجديدة حيث مضافة بيت الشيخ سلمان الخاقاني فدخلنا البيت وقد استقبلنا صديق طفولتي الشيخ صادق نجل الشيخ سلمان الخاقاني إمام ولاية المحمرة العراقية التي اغتصبتها ايران ! نزلنا الى السرداب الكبير المهيب وهناك استقبلنا السيد مصطفى جمال الدين والشاعر جميل حيدر والشاعر صالح الظالمي والشاعر محمد حسين المحتصر ورحبوا بنا اجمل ترحيب وبعد الجلوس والابتراد وشر ب اللبن الرائب والتحيات والاشواق وتناول الغداء والفاكهة دار بنا الحديث حول الشعر الهزلي وحين ايقن الدكتور جمال الدين ان المصور والمخرج قد اخذتهما قيلولة عميقة من النوم اخرج من تحت وسادته ديوانا مخطوطا اسمه ديوان الملخيات اشترك فيه الشعراء الذين كانوا معنا في السرداب واخذ السيد يقرأ ونحن لانكف عن الضحك والاعجاب برجال الدين المتنورين المتحررين وكان فيما قرأه علينا قصيدة كتبها العلامة الكبير السيد مصطفى جمال الدين  اسمها فجر عاليه كتبها في بلاج عاليه البيروتي في عيد شم الورد حيث كان الفتيان والفتيات يحملون اكاليل الورد ويتوشحون بها وينتطقون ! ومعه خيرة الادباء والمشايخ : محمد صادق القاموسي ( ابو رشاد ) وشمس الدين  وعبد الغني الخضري وآخرون ! وكانت هذه القصيدة البلاجية :

فجر عاليه في جبينك اشرا  *  ق ولفح الصحراء في البنطلون

خبريني افي شمالك قد خبّـ  *  أت سر اللهيب ام في اليمين

خبريني ولاتخافي  فأيّـ  *  ركِ في مأمن لدى تشريني

لايغرّنكِ اشتعال حديثي  *  والتهاب الحروف بين لحوني

فثلوج الشتاء ترسف  في اعماق ذاتي في حيرتي في يقيني

لم أزل يا ابا رشاد  كما تعهد  * من عفة و تقوى  ودين

حاملا بين حاملي الورد رأساً  *  صدق الله انه من طين

وفؤاداً لو رقت الصخرة الصمَّـ  * اء ما اهتز نبضه بالحنين

وعيوناً لو ابدلوني عنها  *  بالصلابيخ لم أقل ظلموني

فمتى يكره العماية طرفطارت بي  *   ورويال مركبي وسفيني

صاعدا في الفضاء من فوق بيرو  * ت كأني  من سرب كَاكَارين

أتهادى بمشيتي مثقلَ الخطو    كأني أجرُّ عبءَ سنيني

عن يميني عبد الغني وعن يســ*رايَ وا غربتاه شمسُ الديني

وحواليّه من مشايخ من شيـ *  ـراز  من اردبيل من قزويني

فأحلنا لبنان وهي جحيم *  من قدود جنينة من ذقون

وأذبنا سوقَ الشيوخِ بسوق الغرب والصحن في ذرى كيفون

فتساوت والحمد لله بكفيَّـــ  *   ـةُ عندي وقرية المؤمنين

وتراءت بجشم ما صورة الشيلة بهتر أز بي حيا البنطلون

هكذا زارت الكليرة لبنا * ـن ولكن بجبة وزبون

وعزاء لهذه الأكم الخضــ  *   راء من إهدن الى جزين

وانتظارا ابا رشاد لهجوي * كيف قشمرتني بها يا دوني

والمغفور له جعفر الخليلي اصدر كتابا اسمه من خمائل الأدب الفارسي اختار فيه ما تهيأ له انه اجمل ما قيل في الشعر الفارسي وقد صاغ الشعر الفارسي بهيئة شعر عربي لا احلى ولا اجمل ! واحمد الصافي النجفي ترجم رباعيات عمر الخيام فكتب عنه العلامة الميرزا محمد خان القزويني استاذ الدراسات الفارسية في السوربون ما معناه لقد كتب الخيام رباعياته  بالفارسية وذلك ما عرفناه ويبدو ان الخيام كتب رباعياته بالعربية فجاء الصافي النجفي وادعاها لنفسه ! إ. هـ وتلك مقول يفهمها اللبيب بان الصافي النجفي افضل من ترجم رباعيات الخيام والامثلة كثيرة ! قارن بين  ترجمة الصافي العربية :

الصافي

قد انطوى سفر الشباب واغتدى

ربيع افراحي شتاءً مجدبا

لهفي لطير كان يدعى بالصبا

متى اتى واي وقت ذهبا

 

الخيام

افسوس كه نامهء جواني طي شد

وآن تازه بهار شادماني دي شد

آن مرغ طرب كه نام او بود شباب

فرياد ندانم كه كي امد كي شد .

 

الصافي

إلهي قل لي من خلا من خطيئة

وكيف ترى عاش البريء من الذنب

إذا كنت تجني الذنب مني بمثله

فما الفرق مابيني وبينك ياربي

 

الخيام

ناكَناه در جهان كيست بكَو

وان كس كه كَنه نكرده جون زيست بكَو

من بد كنم وتو بد مكافات دهي

بس فرق ميان من وتو جيست بكَو

 

الصافي

يا باقيا رهن الرياء ورائحا

لقصير عيشك في عناء متعب

أتقول أين اروح من بعد الردى

هات المدام واين ما شئت اذهب

 

الخيام

أي مانده بتزوير فريبنده كَرو

واز بهر دو روزه زندكَي در تك ودو

كَفتي كه بس از مر كَه كجا خواهي رفت

مي بيش من آر و هر كجا خواهي رو .

  

وبعد اية مدينة انجبت كما ونوعا من الزعماء والعلماء والأدباء كمدينتي ؟ اية مدينة يكون الوالد فيها رجل دين والولد رئيس الحزب الشيوعي ! اي مدينة كمدينتي فيها تاسست اول خلية لحزب البعث وفيها كبار البعثيين ؟ اية مدينة انجبت زعيم الحركة الاشتراكية العربية ! المدن مثل البشر ثمة الرفيع المنيع وثمة الوضيع الشنيع ؟ الشاعر حنين الحيري يفخر بانه نجفي ! مصطفى جمال الدين ابن كَرمة بني سعيد يفخر بأنه شاعر نجفي ! وما كان ذلك ليكون لولم تكن النجف اما رؤوما تحتضن القادمين فلا تسألهم عن قوميتهم ولا مذهبهم ولا دينهم وحين بدأ القصف الأمريكي على بغداد هرع الناس من كل المذاهب والأديان الى النجف ولاذوا بحماها المسلم والمسيحي والمندائي والسني والشيعي ! النجف لن تكون نجفا الا بعشقها للانسان والحرية والعلم والادب . 

 

 

النجف الأشرف

موسوعة أعلام الصائغ الثقافية

الباب الثاني   المرجعية في النجف

بروف د. عبد الإله الصائغ الحسيني المرعبي

إهداء : الى صديقي وتلميذي المغفور له الشيخ محمد رضا آل صادق ! ابن النجف  الوفي وحبيبهاالتقي وقد مات كمداً وذاب اشتياقا بعيدا عن وكنه  في الصقاع الغريبة النائية  ! هذه يارضاوي اشياء كانت تسرك فهي لك وليرحمك الله ايها المظلوم عراقيا  باراً بالوطن  وشاعرمخلصا للكلمة  وصديقا صافيا مع الخليل   .

المرجعية الدينية في النجف المحروسة

يتساءل الغرباء عن الواقع العراقي وهم يرون الى تفاقم اهمية مدينة النجف عن السر الكامن في ذلك ؟! اهو عائد الى دور المرجعية بحيث باتت النجف بفضل المرجعية فاتيكان المسلمين ! ام ان المرجعية اكتسبت اهميتها من ملازمتها لمدينة النجف الطهور التي تشرفت بقبور ألأنبياء آدم ونوح وهود وصالح ومن ثم بقبور الأولياء علي بن ابي طالب ومسلم بن عقيل وهانيء بن مسعود وخدجة الصغرى والمختار الثقفي ! ويحضرني جدل جميل بين نحويي الكوفة والبصرة طائفة منهم تقول ان المبتدأ هو الذي رفع الخبر وطائفة تقول ان الخبر هو الذي رفع المبتدأ ! فنهد العقل البغدادي ليقول للمدرستين المهم ان المبتدا والخبر مرفوعان فلنقل انهما ترافعا اي ان كلا منهما رفع الآخر ! والحر يكفيه المثال ! وفي تاويل مصطلح المرجعية شجون ! فمن قائل انها تمهد لرجعة صاحب الزمان الى قائل انها جاءت بعد رجعة الطوسي مؤسس النجف الى النجف الى لائذ بالدلالة المعجمية !!

فرَجَع يرجٍَع رَجعاً رجٌوعاً ومٌرجعاً  ورجع فلان من بغداد اي  عاد وراجع فلتان الكتاب اي تطلع فيه وراجع زيد زوجته ردها اليه  بعد طلاق والرجع الصدى وترديد الحمامة والرجعى الرجوع  ( الى ربك الرجعى  ) أي رجوعكم  , والمرْجِع  الرجوع وفي التنزيل العزيز ( الى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم  تعلمون     (34 ) وجاءت في كتاب الله العزيز آيات فيها شحنة الدلالة  ( رب ارجعونٍ لعلي أعمل صالحافيما تركت ) (35) ، وقوله تعالى (قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع الينا موسى )   ( 36

والمرجعية في حقيقة امرها محاولة للتوكيد ان الدين للناس خلافا ما اشيع بان الدين لله ! نحن نفتقر الى الدين والله الغني عن الدين وعن البشر ! ومن هنا تتحمل المرجعية وزر دمعة المظلوم وارتعاشة اليتيم في ليالي القر ! وهكذا تكون المرجعية في أطار التشريع الاسلامي مساحة خصبة  لكل ما يعني الانسان من شأن في حياته فيما يتصل بشؤونه الفكرية والمادية ومن الحيف اقتصار عمل المرجعية  على مسائل الصلاة والصوم  والطهارة والحج حسب فالله لايريد للناس ان يترهبنوا  ! واغلب مؤرخي الشيعة يقرنون بين ظهور المرجعية واختفاء الامام المهدي ! فعلى حد قولهم ان انتهاء  عهد الامامة بالغيبة الكبرى للامام المهدي الثاني عشر سنة - 328هـ يقابلها بالميلادي  939م وقد دامت الغيبة الصغرى خمساً وسبعين سنة ! فتناوب عهدذاك اربعة نواب هم: عثمان بن سعيد العمري و محمد بن عثمان بن سعيد و  حسين بن روح و علي بن محمد السمري !! وحين بدات الغيبة الكبرى بعيد سنة 328هـ فتناوب على المرجعية الممثلة للامام الغائب جمهرة من العلماء: لشيخ الكليني   والشيخ الصدوق، حتى عهد الشيخ محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي ، المعروف ب" الشيخ المفيد "   (339-413هـ) المرجع الديني المتنور ذو الشخصية المحببة الجذابة وكان المفيد الشيخ المفيد يتنقل بين البصرة والنجف والحلة وبغداد ! لكنه ولأسباب تبشيرية اختار بغداد مقرا للمرجعية !! وحين حمت على التاريخ دولة قبيلة بويه ! حاولت هذه القبيلة اشعار المسلمين بالتزامها الديني في تكريم العلم والعلماء فحظي الشيخ المفيد بمنزلة هو اهل لها دون ان يتفضل عليه متفضل ! ولم يسع المفيد لمجاملة آل بويه فكان حسن التدبير حاذق التصرف ! ولعل الشيخ المفيد وهو المسلم الثقة كان احب الأئمة الى نفوس البغادنة والبصارنة والحليين سنة وشيعة مسلمين وغير مسلمين !  مرة طلب اليه احد العلماء المناضرة امام الخليفة فكتب ورقة الى الخليفة وقال له اكرم حاملها فانه يستحق الإكرام ! وحين انتقده تلاميذه قبض على لحيته هاشا باشا وقال يا اولادي ان غلبته او غلبني فنحن معا مغلوبان او غالبان فديننا واحد وربنا واحد ! وحين ادركته الوفاة وكان في حال الغيبوبة قيل له لمن توصي بعدك فصحا وغضب غضبا شديدا وقال هل تجعلون المرجعية وراثية وبكى ومات !وبعد رحيله  تسنم المرجعية الدينية للمسلمين تلميذه ( الشريف المرتضى 355-436هـ) السيد المرتضى علي بن الحسين بن موسى المنتهي الذي يصل نسبه الى الامام موسى بن جعفر الكاظم الامام السابع من ائمة اهل البيت عليهم السلام وهو نقيب الطالبين وابن نقيبهم وهو عيلم فطحل في الفقه والتشريع والحديث والتفسير والكلام واللغة والنحو والتاريخ والأدب ! وكانت مرجعيته عهدا من التسامح الديني فكان ابو اسحق الصابي يحضر مجالسه ويناقشه وقد ارتبط اخوه الشريف الرضي بصداقة عميقة مع ابي اسحق ! وتنفس الناس الصعداء فلم تكن لتسمع كلاما يميز بين المسلمين شيعة كانوا ام سنة ! ولكنه الموت لايبقى حالا على حاله فاختطف الشريف المرتضى فانتخب مجلس المرجعية الشيخ الطوسي محمد بن الحسن ، ابو جعفر ، المعروف بشيخ الطائفة ! والطوسي عالم شامل وامام فاضل ومفكر متميز فدان له المسلمون سنة وشيعة وصلى خلفه كبار ائمة السنة والشيعة حتى طبقت شهرته الآفاق وقد اهدى له الخليفة العباسي القائم بأمر الله منبرا من البنوس الثمين المنقوش لكي يلقي دروسه او خطبه حال جلوسه  ! ويمكن ان نقول ان ابليس ربما يغفل ولكن الطائفيين الظلاميين لايغفلون ! فكان ان كلف صبيان لقذفه بابشع القول فما رد عليهم ولا اذن لخاصته بالرد عليهم ! ثم دنس منبره فما زاد عن الحولقة ! لكن سيناريو الفتنة كان محبكا ومحكما ! فهجم الغوغاء على الشيخ الطوسي مصممين على قتله فوقف مريدوه دون تصميمهم ! ولعل سنة اربعمئة وثمان واربعين هجرية كانت الصفحة الأخيرة من السيناريو الطائفي  ! فجم الغوغاء على مسجد الطوسي وكان جامعة حضارية بحق فضربوا الطلبة والاساتذة واحرقوا الكتب والمخطوطات واخرجوا منبر الابنوس الى السوق القريب واحرقوه وداسوه ! ثم تحرك الغوغاء نحو بيت عائلة الطوسي واضرمت النار فيه فاحترقت نفائس كتبه ومخطوطاته وملابسه وكانوا يفتشون عن الشيخ في زوايا البيت وسراديبه فما عثروا على نأمة اثر !! وهنا تدخل طلبة الطوسي وزملاؤه وتوسلوا اليه كي يهجر بغداد ولو مؤقتا ! فالخليفة العباسي لم يحرك ساكنا وقد بلغته تفاصيل العدوان ! فاستجاب الطوسي للضغوط وترك بغداد عام 449 هـ ميمما وجهه صوب النجف ! ويوم دخول الشيخ الطوسي النجف هو يوم تنظيم المرجعية واجتراح تقاليد تعزز دورها وتحميه !  

نعم لقد دشنت المرجعية في النجف عهدا جديدا ! وقد غرس الطوسي فسيلة  حتى اذا جاءت اجيال من بعده قطفت الثمار! ويمكنني القول ان عهد المرجعية المنظمة بحيث اجترحت التقاليد لصالح المراجع الكرام وطلبتهم ومدارسهم وضبط ارزاقهم وتحديد مستويات الدراسة هذا العهد كان بجدارة عهد السيد محمد مهدي بحرالعلوم الذي عاش ( 1155-1212هـ)، "فهذا السيد الهميم كان مدرسة تخرج فيها النوابغ والفحول من العلماء الأعلام ! حتى كتب مؤرخو المرجعية ان عدد الطلبة القادمين من اصقاع الدنيا فاق عدد قاطني النجف المحروسة ! لقد قسم السيد محمد المهدي بحر العلوم المسؤوليات على عدد من المتخصصين ! من اجل انسيابية العمل وسط الناس والعناية القصوى بمصالحهم , وللمثال فقط فقد اجاز للناس مراجعة  تلميذه الشيخ جعفر الكبير  كاشف الغطاء المتوفي سنة 1228هـ للتقليد والفتيا  بل ان بحر العلوم بدا بعياله وذويه كي يقلدوه او يرجعوا اليه ! ثم كنصّب الشيخ حسين نجف المتوفى 1251هـ للامامة والمحراب  فكان يقيم صلاة  الجماعة في المسجدالهندي !  وكلف الشيخ شريف محي الدين  من اعلام القرن الثاني عشر الهجري  للقضاء وحل الخصومات بوصف محي الدين فقيها في القضاء . وبمرور الزمن ومقتضيات تطور البلاد ، اخذت المرجعية تتسع دائرتها و تتعاظم  مسؤولياتها ومنذ اواخر القرن التاسع عشر الميلادي  بدأ الوعي السياسي الحديث في النجف حيث بدأت الحركات الدستورية في كل من تركيا وايران .وكانت ردود الفعل فيها تنعكس على النجف انعكاساً عنيفاً فعقدت الندوات الدراسية الدينية وبات لعلماء الدين دور مهم في المسائل وزاد الوعي السياسي في عهد  الثورة الشعبية على الانكليز 1914 -1918 ثم ثورة 1920  بالتي قادتها المرجعية وفي الطليعة منهم المرجع السيد محمد سعيد الحبوبي من النجف ومن كربلاء المقدسة  الميرزا محمد تقي الشيرازي ومن الكاظمية السيد مهدي الحيدري  .

ميقات عهد النجف الاشرف بالمرجعية

عسير على المؤرخ الثبت وضع ميقات محدد لبدء المرجعية في النجف المحروسة !

فمن الصعوبة بمكان تحديد تاريخ احتضان النجف الاشرف للمرجعية الدينية ولكننا سوف نقترح نجوما تضيء هذه الاشكالية التاريخية   :

ألف  : وجدت المرجعية منذ ان اتخذ  الامام علي (ع) الكوفة مركزاً لخلافته ، وبقي فيها خمس سنوات قبل اغتياله ، واصبحت مركزاً للعلم قال رسول الله (ص) ( انا مدينة العلم وعلي بابها فمن اراد المدينة فليات بابها )  والذي يذهب هذا المذهب يستند الى اعتداد  الكوفة والنجف حالة واحدة

باء : سكن عدد من الاسر الطالبية والعلوية مدينة النجف بعد الكشف عن القبر الشريف .تاء : يقول الشهيد السيد محمد باقر الصدر : ان مؤرخي هجرة الشيخ الطوسي الى النجف لم يشيروا اطلاقاً الى ان تلامذته في بغداد قد رافقوه ، أو التحقوا به فور هجرته إ. هـــ وهذا يعني ان الطوسي وجد مدينة آهلة وطلبة ودارسين .

ثاء : مناهج الدرس في النجف  وترتيب الحلقات الفكرية وتوزيع الرواتب الشهرية على الاساتذة والطلاب  وكتب الدرس والأمالي  منذ عهد الشريف المرتضى والشيخ المفيد في بغداد ! وذكر النجاشي احمد بن علي بن احمد ت 450هـ  في رجاله ( كان الحسين بن احمد بن المغيرة ابو عبد الله البوشنجي ثقةً فيما يرويه وله كتاب عمل السلطان , قال اجازنا بروايته عنه ابو عبد الله الخمري الشيخ الصالح في مشهد مولانا امير المؤمنين سنة اربعمائة وقد كثر اهل العلم وصارت الرحلة الى النجف لطلب العلم  ) 

جيم : لاينكر احد دور الشيخ الطوسي في تطوير المرجعية ولكن من المتعذر القول ان النجف قبله كانت خالية الوفاض ! نعم  لمع شأن  الجامعة النجفية العلمية كمركز علمي في عهد الشيخ الطوسي بعد انتقاله الى النجف من بغداد عام 449هـ اثر الفتنة الطائفية فيها ، والتي قتل فيها الاف المسلمين شيعة وسنة حين  تأججت في بغداد بعد ان قطعت الخطبة فيها عن الخليفة العباسي " القائم بأمر الله  عبد الله بن القادر " وخطب فيها للمستنصر الفاطمي في مصر حين قويت الدعوة للفاطميين ببغداد ، مما دعا القائم العباسي ان يكاتب السلطان طغرلبك الغزنوي ويستحثه على القدوم الى بغداد لانقاذ الخلافة العباسية ، وذلك عام 447 هـ ، وحين دخلها الغزنوي  قوض حكم البويهين ، حتى اذا بلغت سنة  448 هـ أقيم الاذان في مشهد الإمام  موسى بن جعفر  ومساجد الكرخ بـالإضافة الغريبة ( الصلاة خير من النوم )  على رغم كثرة عدد الشيعة ،ورفع عن (حي على خير العمل) ويروي   المؤرخ ابن الجوزي  عبد الرحمن بن علي المتوفى ببغداد        597هـ عن حوادث هذه سنة 448 هـ ( .... وفي هذه السنة أقيم الاذان في المشهد بمقابر قريش  ومشهد العقبة ومساجد الكرخ بالصلاة خير من النوم وازيل ماكانوا يستعملونه في الاذان " حي على خير العمل "، ودخل الكرخ ( وهو معقل الشيعة ) منشدو اهل السنة من باب البصرة فانشدوا اشعار الدروشة ) ويذكر ابن الجوزي ان كبير المنشدين السنة أمسك بشيخ البزازين ابي عبد الله الجلاب وسحبه من دكانه في باب الطاق  امام صبيانه  وقتله شر قتلة  وصلبه على باب دكانه وحين عوتب في ذلك قال صلبته لغلوه في حب علي واهل بيته ! ويسترسل ابن الجوزي( ..  وقد كبست دار ابي جعفر الطوسي   متكلم الشيعة واخذ ماوجد فيها من دفاتره وكرسي كان يجلس عليه للكلام، وأخرج الى الكرخ ،واضيف اليه ثلاث سناجق بيض  وهو اللواء كان الزوار من اهل الكرخ يحملونها معهم اذا قصدوازيارة الكوفة ،فاحرق الجميع وهرب ابو جعفر الطوسي ،ونهبت داره !! .......... ) .

حاء : تضم النجف بيوتات علمية  قبل مجيء الطوسي وهي من البيوتات العلمية التي سكنت الكوفة قبل القرن الرابع الهجري كآل شــهريار

وآل الطحال والمتتبع لتاريخ الكوفة وما ضمنت من اعلام في الفكر الاسلامي فقهاً وحديثاً ولغةً وادباً لايعقل انها اجدبت مرة واحدة .

خاء :يحدثنا  المؤرخ ابن الاثير في تأريخه  بان دراسة العلم في النجف بدأت منذ القرن الثالث الهجري  وبلغت أوج عظمتها في عهد عضد الدولة البويهي ، حيث اطلق الصلات لاهل العلم ، ورجال الدين المقيمين في الغري .

دال : ويعزز هذا الراي مانقله ابن طاووس حين روى  عن يحيى بن عليان الخازن بالقبر الكريم ( مرقد الامام علي ) : انه وجد بخط ابن البرسي المجاور بمشهد الغري على ظهر كتاب بخطه قال : توجه عضد الدولة عام 371هـ الى المشهد الشريف الغروي ، وزار الحرم المقدس ( ووزع اموالا على المجاورين والمترددين والنَّوَّاحين على الحسين (ع) وعلى الفقراء والفقهاء ثلاثة الاف درهم .

إشارة مهمة : المصادر والمراجع نهديها لقاريء موسوعتنا بعد الانتهاء من ابواب النجف المحروسة وهي سبعة ابواب

  

  

النجف الأشرف

موسوعة أعلام الصائغ الثقافية

الباب الثالث     

جامعة النجف

 

إهداء : الى صديق عمري ورفيق مشواري وتربي الشيخ صادق الشيخ سلمان الخاقاني ! هدية ممتن الى متفضل !  ففي بيتكم العامر في جديدة النجف ومن مكتبتكم الزاهرة الوارفة تعلمت  كيف يكون العلم والادب وفاء للمدينة وسدادا لدينها .

  

جامعة النجف عن كثب

النجف جامعة ؟ نعم النجف جامعة بامتياز ! كنا في اربعينات وخمسينات القرن العشرين لانجد مواطن لنزهتنا نحن صبيان وشباب ذلك الزمن سوى الصحن المحيط بضريح الامام علي بن ابي طالب ! او مقبرة وادي السلام ! او السوق الكبير الذي نذرعه جيئة وذهابا ازيد من مئة مرة فمن هذا السوق وعنهاو قريبا منه تتفرع اسواق وأسواق وأسواق !! منها سوق الصياغ وسوق المسابك وسوق القصابين وسوق الصباغين  وسوق العلاوي وسوق الحمير وسوق العبايجي وسوق الريحة وسوق النجارين وسوق الصفارين وسوق الكتب! واذا حمي المناخ وحمت ريح السموم فالفقراء يهرعون الى بحر النجف حيث الماء والخضراء والمناخ الحسن ! والاثرياء يستقلون الترام او السيارة الخشبية لقاء اربعة فلوس ( آنة أو عانة ) ذهابا ومثلها ايابا زائد عانة شيشين كباب بفلسين وشيش طماطة بفلس وقرصة خبز بفلس ! والغريب حقا وصدقا ان النجف كانت اكثر انفتاحا من هونغ كونغ قبل انضمامها للصين ! صدقوني للهنود اربعة خانات عملاقة وللايرانيين بيوتات موقوفة  وللمنغوليين والصينيين محلات خاصة تسمى محلات البربر ولليهود زقاق اسمه عكَد اليهودي وثمة محلة الفيلية اما القادمون من جمهوريات السوفيت عهد ذاك فاغلبهم كان يحصل علىى غرفة في واحدة من المدارس الدينية وما اكثرها واسخاها ويعطى الطالب دفترا بثلاثين ورقة ممهورا من المرجع يحق للطالب ان يشتري بكل ورقة خمسة ارغفة يوميا ومئة غرام لحما وشيئا من الخضار ! وبعضهم كان يضغط على نفقاته ليوفر دفترا او اثنين ويبيعه على الراغب ويرسل المبلغ امانة الى عائلته البعيدة ! ومن هؤلاء الطلبة من يلبث للدرس اربع سنوات او عشرا ! بل ان الاردبيلي امضى في النجف للدراسة اربعين عاما وحين عاد الى اردبيل وجد ابويه ميتين واخوانه واخواته واقرباءه ولم يعرفه احد فعاد الى النجف وتربع للافتاء فيها ومات وفن بمقربة من حبيبه المام علي ! طلبة النجف قارات مكتظة فيهم المغامر وفيهم المؤمن وفيهم الطموح وفيهم اللغز ! للمثال فإن رجل الدين الدكتور حسين مروة الشيوعي المعروف الذي اغتيل بسبب افكاره الماركسية وكان حسين مروة نشطا داخل حلقات العلم النجفية حتى اطراه الشاعر الكبير حسين قسام بقوله :

يحسين المروة امجانها راسك وانت اتوصفت بيها وحكَـ باسك

  

بلاط العلم سوّاك وضخم راسك  وعلمك صار خزنة وكنز ماليه

  

فكرتك يبن المروة تشعشع نور  تشهد لك اهل فنك ولا منكور

  

عند اهل الأدب انت علم ومنشور إلك ثوب الثقافة موش عاريه

  

علوم الفلسفة ما زالت ابصدرك  إلك يد بالعلوم ومرتفع كَدرك

  

حاوي علوم درية وقعر بحرك حده ليك وانختمت العلميه

  

احلفنك بموسى والمسيح الروح  باخلاقك وبعلومك صرت ممدوح

  

وشخصك عل رفاكّه اهلال من ايلوح  يحبون اسمك وشخصك وطاريه

  

مثلك بالأخلاق الراقيه ما صار  ياراعي العلوم وصاحب الأفكار

  

بيك المنفعة للمحل من تنزار محلك علم يتفجر بناديه 

  

انت العبقري منهو اليصل حدك  وتتعلم معاني الناس من عندك

  

يربي هل مهذَّب لايذ ابسدك  وانت اتصير من دونه محاميه

  

وفي القصيدة اشارات الى المشاكل التي كانت تواجه الشيخ حسين مروة بسبب نزعته التقدمية ومحاربة بعض رجال الدين والإقطاعيين والتجار لأفكار مروة الإشتراكية ! الإحترام المتبادل بين مروة والمجتمع النجفي كان واضحا ! وقد بدأ الدكتور حسين مروة الكتابة عن حسين قسام لأنه يتبنى هموم الناس وبخاصة الفقراء والإشادة بموهبته في فن الإضحاك الهادف !! وهكذا نجد حسين قسام مدافعا عن حسين مروة مزدريا  لخصومه ولم يترك اي جسر بينه وبين خصوم صديقه الدكتور مروة :

  

اليكرهك إيد تطلع فوكَـ علباته  تضربه جم عجل وتمزكَـ اعباته

  

تهلس شاربه وتحركَـ لك امواته   بصفحة والده ايذبون سليه

  

سليه تصيد اضلوعه واعظامه بإذنه ديج لاري لابس اعمامه

  

يو بزون طوله سطعش كَامه  لابس له انعجه وراكبله بنيه

  

اليكرهك اظن اسود ينكَلب لونه  كَالولي من اباطه طالعه اسنونه

  

امضيعلك اشفافه وبايع اعيونه  يمشي لي وره وزردومه عاريه

  

هذا اللي يكرهك مثله ابد ما صار  جفوفه سندلوس وكَصته طاكَـ مدار

  

نوبه ايصير طياره ونوبه كار  ويكَدر من تريده ايصير حوليه

  

من صرته لعد رجله تره امبنج  لا تطي اشعير الوجع يتحجج

  

ما بي حيل من احوايجه يعرج  أهله بين لندن والحميديه!!

ومن خريجي مدرسة النجف المصلح الكبير جمال الدين الأفغاني ومازالت نوادره يتناقلها النجفيون في مجالسهم ! وثمة طالب احمر الوجه ازرق العينين اشقر الشعر اسمه الشيخ صاحب كان يزعم انه متن بلاد البوشناق ! واصبح معتمدا ومؤتمنا لدى بعض المراجع العظام واقام علاقات حميمة مع الشيوخ الثائرين ضد الاحتلال الانجليزي بحيث دلوه على الطرق السرية تحت الارض ومخازن الليرات الذهبية والاسلحة ! وحين فشلت ثورة النجف اتضح انه كان جاسوسا خطيرا بحيث لبس ملابس العسكر البريطاني برتبة فيلد مارشال وكشف عن اسمه الحقيقي وهو الجنرال تك آمر حاميتي الكوفة والنجف وهو الذي استعمل خبرته فالقي القبض على ثوار النجف الأثني عشر جماعة الزعيم كاظم صبي  واعدموا في ذات المكان الذي صلب فيه الامام زيد الشهيد وهو اي الموضع ( كناسة الكوفة ) ! ومن طلبة النجف الامام عبد الحسين شرف الدين والشيخ حسن الخنيزي والإمام السيد محسن الأمين والشيخ اسد حيدر والشيخ محمد جواد مغنية فضلا عن اكابر علماء العراق الدكتور مصطفى جواد والدكتور فاضل الجمالي والشيخ محمد رضا المظفر والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء والدكتور مصطفى جمال الدين والدكتور احمد الوائلي والاستاذ جعفر الخليلي ... الخ !! .

ولم تكن الدراسة كما يظن الظان في الحيض والنفاس والمتعة ( كذا ) بل هي دراسة في علوم الكلام والفلسفة والنحو والبلاغة وموسيقا العروض والتلاوة ! وكانت المدارس حرة تقريبا فكل من يستطيع فتح مدرسة واعالة الطلبة وتعيين راتب للاحد

 المراجع يكون من حقه وضع اسمه على المدرسة ! وقد ساءت حال بعض المدارس الدينية حين تفرد بها بعض الجشعين فهذه مدرسة دينية غايتها منح شهادات يعفى بموجبها الطالب من خدمة العلم ! وهذه مدرسة للكسب تحل محل الدكان ! فنهد المصلح الكبير السيد ابو الحسن الموسوي ومنع فتح المدارس كيفما اتفق ومنع التدريس الحر ! وحدد المستويات والكتب والمناهج وجعل مفتشين على اوضاع الدراسة والطلبة والاساتذة ! فاقترنت الدراسات بالحوزة ثم درج الناس على نعتها بالدراسات الحوزوية ! فما الحوزة ؟؟ 

  الحوز هو السير الشديد ونقيضه السير الوئيد ! وحَوَزَ الإبلَ ساقها الى الماء , والأحوزي والحُزي الجاد في امره وانحاز القوم تركوا موضعهم الاول الى ثان والتحوز التلبث والتمكث وفي الحديث الشريف وحمى حوزة الاسلام أي حدوده ونواحيه وفلان مانع لحوزته أي لما في حيزه والحوزة زنة فعلة والحيز عند المتكلمين هو الفراغ المتوهم الذي يشغله شيء ممتد كالجسم  او غير ممتد كالجوهر الفرد وعند الحكماء هو السطح الباطن المماس للسطح الظاهر من المحوي  ! والحوزة في الاصطلاح مؤسسة دينية علمية قائمة على خدمة الدين الاسلامي الحنيف وفق رؤية اهل البيت رضوان الله عليهم , وتضم بين جوانحها طلبة العلم واساتذتهم ومناهج التدريس وكتبه والمدارس والأوقاف والأقسام الداخلية ! وقد يتلقى الطالب درسه في الصحن الشريف او المسجد او المدرسة اوة الحسينية او بيت الاستاذ وقد يترادف  المصطلحان الحوزة والمرجعية.                                     ولابد من توفر اربعة عناصر للحوزة  لكي  تحتل اهمية متميزة من تراث المجتمع الأسلامي لاتضارعها اشكال التراث الأجتماعي الاخرى والنجف هي المكان المقدس للنشاط الحوزوي وهذه العناصر هي انتساب التراث الى مباديء الاسلام وتعاليم اهل البيت  ثم برَّروا  البعد العلمي ثم امتداده الزماني واخيرا اقترانه بالقدسية المكانية.

يقول الشاعر العربي الكبير  محمد مهدي الجواهري ( ... ويأتي الى النجف طلاب العلم والشعر والأدب من كل انحاء العالم : من جبل عامل في لبنان ومن الاحساء والقطيف في الجزيرة ومن مناطق الخليج الاخرى وكانت النجف محطا لكل الوافدين عليها من انحاء الارض كافة  , الوجوه الشقر مما كان يسمى الاتحاد السوفيتي والوجوه السود من العبيد المساكين المبتاعين وكل الألوان الأخرى فيما بين بلاد الهند والأفغان وإيران وحتى من المسلمين في دول البلقان   ) .                                

. والحقيقة ان الدراسة في الحوزة العلمية بمدينة النجف الأشرف  مثابة حلقات او فصول يجبر الطالب عليها فمن حق الطالب ان يختار استاذه بنفسه وأن ينتقي الدرس الذي يحتاج اليه والطالب حر في مغادرة الحلقة الدراسية حين يشعر بأن استفادته منها اقل مما يبتغيه وغالبا ما ينتقي الطالب الصفوة المعروفة بالتميز العلمي ! اما مراحل الدراسة في الحوزة فهي : المقدمات فالسطوح ثم الخارج !! وفي ذلك شيء مما دأبت عليه الطرق الحديثة في التربية والتعليم وهي ان يشعر الطالب بحريته وان يختار مستواه الدراسي وفق اساليب علمية ويعلل آية الله النائيني اسباب الخور الذي يعتري الدراسات والحوزة بعامة فيعقد مقارنة بين الحالين الاوربي والاسلامي فيقول ( ان حسن ممارسة الأوربيين لهذه المباديء وجود استنباطهم واستخراجهم لها , وبالمقابل السير القهقرى للمسلمين ووقوعهم تحت نير الاستعباد المذل )  وقد تخرج في حلقات الحوزة العلمية في النجف مفكرون كبار ومصلحون وعلماء ذوو شأن في حياتنا اعترفوا بعمق الأثر الذي تركته دراساتهم الحوزوية على توجهاتهم الأصلاحية والمعرفية ومن بين هؤلاء مثلا وليس حصرا المصلح الاجتماعي والداعية الديني جمال الدين الأفغاني فضلا عن المصلحين الهداة أساطين المرجعية العليا امثال الشيخ محمد رضا ال ياسين والسيد ابو الحسن الموسوي والشيخ محمد رضا المظفر  ومحمد حسين كاشف الغطاء والسيد محمد باقر الصدر والسيد ابو القاسم الخوئي وقد اجتذب أئمة الحوزة  افئدة المسلمين المنصفين  سنة وشيعة ( والحق يقال انهم علماء اتقياء تعلوهم هيبة ووقار  فهم يديرون شؤون الحوزات العلمية ويؤسسون المدارس والمطابع وينفقون على طلاب العلم الوافدين من كل البلاد الاسلامية وهم مستقلون ولايرتبطون بالحكام من قريب او بعيد كما هو شأن علمائنا الذين لايفتون ولا يتكلمون إلا برأي السلطة التي تضمن معاشهم وتعزل من تشاء منهم وتنصب من تشاء )  ودروس الحوزة العلمية مكرسة لتعليم الطلبة العقيدة الامامية في النظر والمعرفة من نحو الاعتقاد في التقليد بالفروع والاجتهاد ويتم ذلك بعد تفقه الطلبة بعقائد الامامية في الله تعالى والتوحيد والصفات والعدل والتكليف والقضاء والقدر والبداء واحكام الدين وهو مايدخل في حقل الإلهيات ثم عقيدة الامامية في ما يدخل في حقل النبوة وما يمسها من لطف ومعجز وعصمة والكتب السماوية ثم الاعتقاد في الاسلام  والأئمة والمهدي عجل الله فرجه والتقية وكل ما يتصل بالدين والحياة  وقد يمر زمن على الدراسات الحوزوية وهي تغدق المعرفة على الطلبة بما يؤهلهم لاحقا لقيادة مجتمعاتهم وقد يمر زمن على الدراسات الحوزوية(  فتتحول الدروس من وسائل للعمل والخلاص الى غايات طوباوية يتسابق العلماء على اكتشاف آفاقها الخيالية لا على بحث المسائل العلمية المتعلقة بحياة الناس وحركتهم وعلاج الاسلام لها )

 

 شروط الانتساب للدراسات الحوزوية

وقد يتساءل البعض عن شروط انتساب الطالب الى الحوزة  فيفاجأ بأن ليس هناك من شروط ولا قيود ويستطيع الطالب ان يتفق مع أي استاذ حوزوي فيتلقى العلم على يديه وبإمكانه ان يذهب الى أي مدرسة من مدارس النجف الكثيرة لكي يحصل على الرعاية السكنية المجانية التي تمنحها تلك المدارس عادة لطلاب الحوزة ويستطيع الطالب تسجيل اسمه ضمن سجلات الطلاب الذين يشكلهم المرجع بعطائهالمالي يقول الشيخ محمد جواد مغنية ( يدخل الطالب الى النجف فلا يسجل اسمه ولا صفته في سجل ! بل لا يسأله احد عن هويته واسمه إلات للتعارف فقط  ويترك له الخيار في تعيين الكتاب الذي يدرسه والرفيق والاستاذ ) لكن عبين الحوزة لاتغفل عن المنتسب غير المؤهل اخلاقيا او غير المستعد لمتطلبات الدرس ! فهناك اجراءات تتخذ بطرده وحرمانه من المخصصات وذلك لا يعني مثلا التشدد في قبول الطالب لضعف مستواه الدراسي  فقد ينتمي الى الحوزة من لايحسن غير القراءة والكتابة وقد ينتمي اليها من يحمل أرقى المؤهلات الجامعية ! زد على ذلك التزام الطلبة بزي موحد هو العمة والجبة الإسلاميتين اللتين كان النبي والأئمة والخلفاء الراشدون يرتدونهما !  فالعمة السوداء سهم السيد المنتسب لآل هاشم  والعمة البيضاء لسائر الطلبة ومع ذلك قد يحصل خلل ما كأن يطرد طالب من مدرسة ما  فيجد قبولا له في مدرسة اخرى وفقدان التنسيق بين المراجع والمدارس هو حالة تعاني منها الحوزة بشكل او بآخر ! ) .

 

مراحل الدراسات الحوزوية

اما طبيعة الدرسة الحوزوية ومراحلها فهي من ثوابت الحوزة  العلمية ففي الأغلب الأعم ثلاث مراحل  : أ. مرحلة المقدمات ب . مرحلة السطوح  ت . مرحلة الخارج

ألف . مرحلة المقدمات :   وميقاتها ساعة او ازيد في اليوم وهدف هذه المرحلة هو التمهيد للمرحلة التي تتلوها أي مرحلة السطوح ! ولهذا فلا مندوحة من دراسة النحو والصرف والبلاغة والمنطق :أ-  ففي النحو والصرف  يدرس الطالب الأجرومية  لعبد الله بن هشام  وقطر الندى لابن هشام وشروح الفية ابن مالك لأبن الناظم وابن عقيل وابن هشام والأشموني وحين يراد التوسع فثمة مغني اللبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام وشذور الذهب لابن هشام والكتاب لسيبويه ب: البلاغة والمعاني والبيان وفي ذلك يقرأ الطالب للتفتزاني  المطول والمختصر الذي اختصر فيه المفتاح للسكاكي وجواهر البلاغة لأحمد الهاشمي ت : المنطق وفيه يدرس الطالب حاشية ملا عبد الله النجفي والشمسية لقطب الدين الرازي والمنطق للشيخ محمد رضا المظفر وحين يتوسع الطالب فثمة شرح المطالع  ث: اصول الفقه : وكتبه هي المعالم للشيخ  الشهيد الثاني حسن بن زين الدين والجزءان الأولان من اصول المظفر وكتاب المعالم الجديدة للسيد محمد باقر الصدر ج: الفقه ويندرج في التبصرة للعلامة الحلي ومختصر النافع للمحقق الحلي وشرح الشرائع للمحقق الحلي واحيانا يدرس الطالب مع هذه العروة الوثقى للسيد كاظم الطبطبائي ووسيلة النجاة لابي الحسن الموسوي الاصفهاني ومنهاج الصالحين للسيد محسن الحكيم ح : كتب اخرى قد يتوفر الطالب عليها مثل كتب علم الكلام والعلوم الرياضية والعروض والقافية والبديع والنصوص الادبية حسب حاجة الطالب واستعداده .

باء   -  مرحلة السطوح وميقات الدراسة فيها بين ثلاث سنوات وست سنوات وقد تزيد وتسعى هذه المرحلة الى توسيع ذهن الطالب والتصرف بالادلة وطرق الحوار والمناظرة لدفع براهين المناظر ! وينكب الطالب فيها لدراسة المتون في الفقه الاستدلالي واصول الفقه ومناقشة ذلك في حلقات الفصل أ- الفقه : شرح اللمعة الدمشقية للشهيد الثاني زين الدين والمكاسب للشيخ مرتضى الانصاري وقد يدرس الطالب رياض العلماء للسيد علي الطباطبائي وكتاب مسالك الافهام للشهيد الثاني زين الدين العاملي .ب : الأصول مثل كتاب القوانين للقمي والفصول للحائري وكفاية الاصول للشيخ محمد كاظم الخراساني والرسائل للشيخ مرتضى الانصاري والجزء الثالث من الاصول للشيخ محمد رضا المظفر وللتوسع يقرا الطالب كتاب الاصول للسيد محمد تقي الحكيم وفيه درراسة مقارنة للاصول كما يقرأ كتبا في دراسة علم الكلام والحكمة والفلسفة الإلهية والتفسير الحديث واحوال الرواة  .

تاء - مرحلة بحث الخارج : وهي المرحلة الاخيرة التي تبوِّء الطالب منزلته العليا ( الاجتهاد والفتيا ) أو منزلة المستعيد لما درسه حين تحصل القناعة بعدم اهليته للتخرج ومعاودة حضور بحث الخارج ! وليس لهذه المرحلة الحاسمة منهج محدد او كتاب مشخص فالطالب يدخل مع استاذه او زميله في مفاتشة ليكوِّنَ له رايا خاصا وقد تستمر هذه المرحلة لسنوات طوال يكتب خلالها بحوثه ويعرضها على استاذه فإن رضي استاذه عن بحثه منحه ( إجازة اجتهاد ) ليكون الطالب مجازا ومجتهدا

ومن مزيج المراحل الثلاث نستخلص يقينا مؤداه ان هدف الاجتهاد هو الهدف المركزي ولذلك حظي المجتهد باهتمام جل كبارعلماء الحوزة  من المراجع الأعلام ! وقد اوجزت مخطوطة  الشيخ مهذب الدين احمد بن عبد الرضا عناصر تشكيل المؤسسة الاجتهادية بثلاثة نجوم  هي اولا : في العلوم الإثني عشرية الموقوف عليها الاجتهاد وهي اللغة  والصرف والنحو والمنطق والكلام والاصول والتفسير والحديث والرجال والمعاني والفقه والوفاق والخلاف . ثانيا :في الأدلة الشرعيةالاربعة : الكتاب والسنة والاجماع والعقل بطرقه الخمسة والاستصحاب والبراءة ومفهوم الموافقة والعلة المنصوصة واتحاد طرق المسألتين . ثالثا : في كيفية الاجتهاد والاستدلال وترتيب الادلة وترجيح بعضها عن المعارضة وما يقع فيه الاجتهاد وما لا يقع مثل الاعتقاديات والاتفاقيات التي دلت عليها ظواهر الكتاب او السنة النبوية او الامامية او غيرها  . إ. هـ

البروف د. عبد الاله الصائغ

مشيغن المحروسة غرة رمضان المبارك

15 سبتمبر ايلول  2007

.اشارة : جدير بنا ان نذكر  مقترح صديقنا الأستاذ محمد سعيد الطريحي نجل صديقنا الشيخ محمد كاظم الطريحي ومؤداه ان يكون وضع النجف  شبيها بوضع الفاتيكان ! ووضع الاستاذ الطريحي بين يدي مقترحه كتابا ميدانيا اسمه دولة النجف .

الباب الرابع سيكون مكرسا لأعلام النجف مبتدئين بالسيد ابو الحسن الموسوي

أ. د. عبد الإله الصائغ


التعليقات

الاسم: أ. د. جعفر عبد المهدي صاحب
التاريخ: 01/03/2008 01:43:26
عزيزنا البروفسور الصائغ
انكم بهذه الابداعات الرائعة تجعلون من افئدتنا ركحا يستعرض لقطات الماضي الذي لا تتذكره الا حسراتنا المثخنات بغبار الغربة.
لقد سرحت بقراءة ما جاد به يراعكم الجواد وانتم تستعرضون مدينتنا الخالدة.قلت سرحت لان الرعاة لا يسرحون بخطوط مستقيمة وهذا وصف لطريقة قراءتي التي جعلتني اقرأ مقطعا لاعودفاقرأ ما قبله مرات ومرات،ثم استأنف القراءة دون تمكني من الوصول الى النهاية حتى جاءت الدكتورة وقالت انها الخامسة فجرا فارحم نفسك قليلا فاجبتها كيف انام ولم اكمل ما كتب عن النجف.
وبقلم من؟
بقلم بيكاسو الادب النجفي...انه الدكتور البروفسور عبد الاله الصائغ.
عزيزي الدكتور الصائغ لدي ملاحظة بسيطةوهي:
ان القندرجي صادق وليس صالحا ولربما حصل خطأ مطبعي،لاني كنت صغيرا احضر حفلاته التي تسمى بالمصطلح النجفي بالهزل(هزل صادق القندرجي) وغالبا ماتكون بمناسبة ميلاد امام من الائمة عليهم السلام. واعتقد ايضا وكما تقول ذاكرتي انه كان يعتمر الكشيدة على راسه وليست العمامة.
ملاحظة بسيطة ارجو من جنابكم تقبلها.
دعائي لكم بموفور الصحة.
مع خالص الود
اخوك الاصغر جعفر

الاسم: منذر الفضل
التاريخ: 22/09/2007 15:23:31
الاخ الفاضل الاستاذ الدكتور عبد الاله الصائغ المحترم
تحية طيبة ورمضان مبارك وكل عام وأنتم والعائلة الكريمة بخير
نبارك جهودكم القيمة في تسليط الضوء على بعض الشخصيات التي لعبت دورا مهما في تاريخ العراق ومن مدينة النجف الاشرف , المدينة التي كانت معقلا للتعددية السياسية والفكرية والثقافية والتي انطلقت منها ثورة العشرين والانتفاضات المتعدده ضد نظام البعث وصدام في الاعوام 1977 وفي عام 1991 والتي قدمت مئات الشهداء الابرار على طريق الحرية .المدينة التي انجبت مئات الشخصيات الفكرية والدينية والعشائرية والعلمية والسياسية والرياضية والادبية .هذه المدينة التي وقفت بقوة ضد انظمة الحكم المختلفة من اجل الحق وتشهد لها وقفتها ومساندتها لحقوق الشعب الكوردي .
وعلى الرغم من وجود كتابين كبيرين هما حصيلة ندوة عقدت عام 2000 في لندن خصصت لعنوان : النجف الاشرف – اسهامات في الحضارة الانسانية , غير ان هذا لا يكفي لكشف تاريخ هذه المدينة التي نعتز بالانتماء اليها وسيكون عملكم وجهودكم القيمة رافدا اخر سيزيد ويكمل اعمال الندوة المشار اليها .و الان العراق الجريح بحاجة الى شخصيات معتدلة ذات تاثير مثل شخصية السيد ابو الحسن الاصفهاني ليمنع بقوة شعائر لا علاقة للدين بها وانما هي بدع جاءت من خارج الحدود وصارت بيد جهله يمارسون تشويه الدين . فالدين يعني الطاعة , والطاعة نقيض العنف ومحور التسامح والحوار وفهم الاخر .
نشد على اياديكم , لكم مني كل تقدير واعتزاز واحترام
أخوكم المحب

الدكتور منذر الفضل
‏السبت‏، 22‏ أيلول‏، 2007

الاسم: الدكتور عبد الحسين شعبان
التاريخ: 20/09/2007 20:09:48
الاخ العزيز الدكتور عبد الاله الصائغ المحترم

تحية حارة وتهنئة قلبية بمناسبة حلول شهر رمضان،

أحيي فيك جهدك الدؤوب ومثابرتك العلمية الرصينة، واتمنى أن تخرج الدرر الدفينة ليراها ويطلع عليها ويستفيد منها أوسع قدر ممكن من الباحثين والمختصين والناس عموماً.

الشوق يسبقني الى شخصك الكريم والى نتاجك الخاص بموسوعة النجف الذي ننتظره بفارغ الصبر، نحن بحاجة الى مثل هذا العمل التوثيقي العملاق، ثقتي كبيرة بأن ما ستكمله سيكون مرجعاً لا يمكن الاستغناء عنه،

أحييك واعانقك ولعل ما اطلعت عليه لحد الآن يدفعني لمطالبتك لاستكمال هذا السفر الخصيب.

تحياتي للعائلة الكريمة وتهنئة للانجاز العلمي بالحصول على الدرجة الاكاديمية

أصافحك

عبد الحسين شعبان



الاسم: صبري الكربلائي
التاريخ: 16/09/2007 21:15:53
لي طلب اتوجه به عبر موقع النور الى كل المعنيين بالثقافة والادب
لي ابنة تنوي تكملة دراستها للماجستير وقد اتخذت اطروحتها عنوان هو "نقد نقد النقد - دراسة تحليلية لبحث الدكتورة دجلة احمد السماوي ونتحليها النقدي الرصين لنقد الناقدة الدكتورة وجدان الصائغ.. أتمنى من كل المخلصين مساعدتي بالحصول على الكتب التي تفيد ابنتي.. وفقكم الله.. وانا مستعد لدفع أي ثمن تتطلبه الحصول على هذه الكتب التي تتفتقدها مكتباتنا للاسف الشديد.
العنوان كربلاء - طويريج. شارع الصدر. مقابل مخبر الأمير بيت السيد صيري حسن الكربلائي

الاسم: صبري الكربلائي
التاريخ: 16/09/2007 20:52:40
من هؤلا المرجفين يا أخ مصطفى أن قامة العملاق البروفسور والعلامة الفطحل الدكتور عبد الاله الصائغ نعلو على هامة كل هؤلاء. انه وزوجته البروفسورة الدكتورة دجلة احمد كما ذكرت الاخت الفاضلة سهام ابنة العراق يشكلان قلعة تتحطم امامها كل الاقلام التي والتي.. ان هذه العائلة الكريمة المتحدة باواصر الحب والعراق مثالا على ان مسيرة الابداع لن تتوقف.. انهما خيمة تضم ايضا الشاعر الكبير زمان والشاعرة المرموقة جنان والخ من عمالقة الادب والسياسة والفكر
هنيئاً لأمتنا بهذه الانجازات الهائلة.. والأفكار المضيئة

الاسم: سهام - ابنة العراق
التاريخ: 16/09/2007 01:32:51
ابارك لموقع النور استضافة عميد الابداع العراقي البروفيسور د. عبد الاله الصائغ والبرفيسورة الراقية د. دجلة أحمد السماوي التي قرأت لها اليوم مقال هام جداً بعنوان "نازك الملائكة بين غربتين " في موقع المجلس الثقاي العراقي. تحدثت في الباحثة المرموقة عن شاعرية نازك ومناخ الغربة التي عاشتها وعن ارائهاالتنظيرية للشعر الحر منذ منتصف الخمسينات.. اتمنى على موقع النور اجراء حوارا موسعا معها لنلم باسهامات الباحثة د. دجلة وكتبها في مجال البحث العلمي الأدبي.
أكرر شكرنالأبن النجف البار البروفسور الصائغ..

الاسم: مصطفى
التاريخ: 15/09/2007 22:11:37
اعترف الكثير من الناضجين بان الدكتور عبد الاله الصائغ فطحل من فطاحلة العرب و من الناضجين الاؤائل اتمنى علية ان يستمر كما واتمنى على المرجفين ان ان يسكتوا قبال هذا العملاق . رغم اني يا دكتور عبد الاله ومع حبي للنجف و للنجفيين لكن قد لا اتفق معك في كل ماقلته عن النجف و ربما هذا يحتاج الى وقت . اعلم ان قلبك كبير و ترحب بجميع الاراء كما واني متيقن انك تفكر لانتشال ضحايا الافكار . ادامك الله للجميع

الاسم: جعفر
التاريخ: 15/09/2007 21:10:51
اتمنى على الاستاذ الصائغ ان لا يقحم كل هذه المادة الضخمة في حلقة و احدة بل اتمنى ان يجعلها في حلقات لانه ليس بالامكان مطالعة مقال يستغرق اكثر من 10 - 15 دقيقة فسوف يجهد القارئ في هذا الحال . هذا ما اعتقده انا مع حبي و اعتزازي بالدكتور الصائغ .




5000