.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


جائزة النور للابداع الدورة الثالثة / البحوث - الفائز الثاني

فيصل عبد الوهاب

البحث الفائز بالمركز الثاني - البحوث  

جائزة النور للابداع دورة الشاعرة لميعة عباس عمارة 

2010

فيصل عبد الوهاب  

  

تأثير الترجمة في تنشيط التفاعل الثقافي   

 

المقدمة                                                                                         

 

لم يكن النمو الثقافي في أي حضارة قائما على أساس منفرد ومنعزل عن تطور الثقافات والحضارات الأخرى ، بل كان يجري على قدم من التبادل والتلاقح. ولم تكن عملية النمو هذه قائمة على أساس أفقي وفي زمن معين بالذات ولكن كانت حصيلة لتراكم خبرات وانجازات سابقة. ولعل هذا يعزز نظرية  دورة الحضارات التي تقول بتوارث الانجازات الحضارية وانتقالها من حضارة إلى أخرى . وبالتالي فانه يمكن تصور التاريخ البشري على انه سلسلة طويلة من الحضارات ذات حلقات متصلة يكمل بعضها البعض الآخر. ولا يخفى ما للترجمة من تأثير كبير في هذا التواصل الحضاري لاختلاف اللغات والثقافات. لذلك سيحاول هذا البحث تقصي النقاط الايجابية  والفاعلة في تنشيط التفاعل الثقافي بين الشعوب مع عدم إهمال النقاط السلبية لهذا التفاعل.

يتكون البحث من جزئين الأول يشتمل على نظرة  تستعرض التفاعل بين الثقافات والحضارات عبر التاريخ مع تقصي دور الترجمة كأحد العناصر المهمة في تنشيط هذا التفاعل والثاني يتعلق  بتفسير الترجمة وأثرها  في هذا المضمار.

                                                                    

                                                                                                      

 

 

لمحة تاريخية في التفاعل الثقافي

منذ أن تعددت الحضارات والثقافات احتاج الإنسان إلى وسيلة للتفاهم المشترك والتواصل الحضاري . وعلى الرغم من الصراعات التي اتسمت بها معظم فترات التاريخ بين الحضارات المختلفة إلا أنها كانت تحمل في طياتها جسورا من التواصل وفهم الآخر عبر وسائل اللغة المشتركة التي تبتكرها الضرورة أو وسيلة الترجمة التي يمكن اعتبارها في المقام الأول في هذا الشأن.

يقول د. ماجد فخري الأستاذ بجامعة جورج تاون الأمريكية في ندوة عن (التقارب بين الإسلام والغرب)  أنه

                   على اثر حقبة من المجابهة العسكرية بين الإسلام وبيزنطة، وريثة الحضارة                                                   اليونانية القديمة، بدأت مرحلة من التفاعل الثقافي لا مثيل لها في التاريخ أدت في أواسط القرن التاسع إلى ترجمة التراث اليوناني العلمي والفلسفي والطبي برمته تقريبا إلى العربية وتواصل هذا التفاعل طيلة ما لا يقل عن ثلاثة قرون كانت أوروبا قد تناست التراث اليوناني خلالها بينما انتقلت الوصاية على هذا التراث العريق إلى العالم العربي والإسلامي. (1)

 

ثم بدأت مرحلة نقل التراث اليوناني إلى الغرب (حيث بدأت عملية الترجمة المعاكسة للمؤلفات الفلسفية والعلمية والطبية من العربية إلى اللاتينية، كان من أشهر ممثليها جيرارد دي كريمونا -توفي سنة 1187- الذي ينسب إليه ما لا يقل عن ثمانين ترجمة لعدد من تلك المؤلفات)(2)

في العصر العباسي وخاصة في زمن الخليفة المأمون ، (أسهمت حركة الترجمة البغدادية فى التبادل الثقافي المثمر بين الشرق والغرب. وهذا النموذج الثقافي الفريد كان يستند إلى نموذج ثقافي أسبق وهو مجتمع الإسكندرية في العصر البطلمى والرومانى. والنموذج البغدادي هو الذي احتذاه الأندلسيون وزرعوه في أوروبا الناهضة، فاشتعلت جذوة النهضة في إيطاليا ومنها إلى سائر الدول الأوروبية.) (3)

كانت بغداد مركزا عظيما تلتقي فيها قوميات وثقافات مختلفة لذلك فان الترجمة فيها بعد تأسيس (بيت الحكمة) قد قامت (على أساس من التعددية الثقافية واللغوية. فهي حركة لم تكن اعتباطية أو عشوائية، وحيث أصبحت الترجمة من متطلبات الحياة اليومية وجزءًا ضروريًا من سياسة الدولة. فزاد الطلب على الترجمة والمترجمين.)(4)

وقد ترجمت أهم أعمال الفيلسوف العربي في الأندلس ابن رشد الطبية والفكرية إلى اللاتينية في أوائل القرن الثالث عشر حيث كان له الأثر الكبير في التفاعل الثقافي بين الإسلام والغرب في تلك الحقبة بفضل المؤيدين والمتحمسين لابن رشد والفكر العربي الإسلامي من المسيحيين من أمثال مطران طليطلة ريموندوس وسيجر دي براباك  وجان دي جاندون والتي عارضها أشخاص بارزون مثل توما الأكويني.(5) 

ويعترف الكثيرون من المفكرين المسيحيين بدور ابن رشد وفضله في إيقاظ النهضة في أوروبا وإحداث (نهضة عقلية سابقة للنهضة الإيطالية المعروفة في القرن  الخامس عشر)(6)  

 وعن فضل العرب  وإسهامهم في الحضارة والتفاعل الثقافي بين الشعوب يقول د. معن زيادة عن الدولة العربية في الأندلس أن العرب هناك (أقاموا دولة مزدهرة لعدة قرون كانت ميدانا فسيحا للتفاعل الثقافي والحضاري، وكانت إحدى المحطات الكبرى التي ساهمت في إنشاء المركب الثقافي الجديد الذي حققه العرب بفعل أخذهم عن الثقافات والحضارات الأخرى وتمثل ما أخذوه لإعادة إنتاجه مركبا ثقافيا بالغ الأهمية كان حلقة أساسية من حلقات التاريخ الحضاري للعالم.)(7)

ويرى د. ماجد فخري أن ( للتقارب الحضاري شروطاً عدة أهمها التبادل والتفاعل، وأن مثل هذا التبادل والتفاعل بين العالم الإسلامي والغرب كان في حقبتين: الأولى إبان القرن الثامن والتاسع مع بيزنطة وريثة اليونان القديم ، والثاني إبان القرنين الثاني عشر والثالث عشر مع أوربا الغربية.)(8)

 

ولم يقتصر التفاعل الثقافي للعرب والمسلمين على العلاقة ما بينهم والغرب فحسب ، بل امتد ليشمل الحضارات المجاورة كبلاد فارس والهند والبلدان التي فتحوها لنشر الدين الإسلامي:

 

             فسرعان ما أدخل العرب علم ومعرفة الشعوب الأخرى في مركبهم الثقافي الجديد، وانتقلوا بذلك  

               العلم وتلك المعرفة إلى ميادين رحبة  مستثمرينها في صناعات وفنون وآداب جديدة، فامتدت رقعة

               الزراعة، واتسعت دائرة الصناعة، وظهرت اكتشافات جديدة في علم الفلك، وآراء مستجدة في

              الفلسفة، ونظريات جديدة في الرياضيات، واقتحم العرب ميادين مباحث لم يكن لهم عهد بها،              وأظهروا  من الحماس ما يدهش حتى بلغوا درجة رفيعة من الثقافة، ومرتبة عالية من الحضارة. (9)          

  

وقد أخذ العرب من الفرس بعض المميزات الأساسية لفن العمارة الفارسي وأعطوهم الدين واللغة كما أخذ العرب عنهم علم الحساب كما أخذوا  الصفر والحساب العشري عن الهنود وهذا أفضل دليل على التفاعل الثقافي بين الشعوب في ذلك الوقت حيث أنهم استخدموا الأرقام الهندية بدلا من أرقامهم التي استعارتها أوربا التي كانت تتعامل بالأرقام اللاتينية.(10)

أما الحروب الصليبية التي بدأت في أواخر القرن الحادي عشر فقد كان لها أثر سلبي على عملية التفاعل الثقافي بين الإسلام والغرب ولكن ذلك لا يعني عدم حصول جوانب ايجابية نتيجة الاحتكاك بين الحضارتين الإسلامية والغربية حيث أنه

                   في مقابل التقهقر الإسلامي كان هناك توسع مسيحي صليبي في بلدان الشرق.. بعد أن قامت الترجمة بدورها البالغ الأهمية في هذا الصدد. فقد ترجم الأوروبيون أمهات الكتب الإسلامية، وكتابات عديدة عن الثقافة الإسلامية من مظانها الأساسية. ولم يكتفوا بترجمة النصوص الدينية أو شروحها فقط، بل تعدوها إلى ترجمة كتب الطب والعلوم والثقافة الإسلامية الشرقية. (11)

                                                                     

وقد كان دور الترجمة مهما وأساسيا في تهيئة الأرضية الملائمة والمستلزمات الضرورية للحملات العسكرية في تلك الفترة حيث (لم تتمكن دول العالم الإسلامي من رد هذه الحملات الصليبية إلا بعد أن استوعبت الثقافات الغربية، ولم تتمكن دولة السلاجقة والدولة العثمانية من وقف هذه الحملات والتوسع بل والتوغل في بلدان الإمبراطورية البيزنطية إلا بعد أن ترجموا وتعرفوا على ثقافة الغرب الصليبي).(12)

وقد انتبه العثمانيون إلى دور الترجمة في تنشيط التفاعل الثقافي بين الشعوب  حيث أسس السلطان محمد الفاتح (مركزا عالميا للترجمة) بعد فتحه للقسطنطينية وتحويلها إلى أستنبول.(13)

 وحملة نابليون على مصر سنة 1798 تؤكد الجوانب الايجابية للغزو فقد أدت إلى إحداث نهضة عربية ثقافية هامة تمثلت في محاولة استيعاب الثقافة الغربية على يد رواد النهضة العربية من أمثال رفاعة الطهطاوي وناصيف اليازجي وبطرس البستاني وخيري الدين التونسي وعبد الرحمن الكواكبي وأحمد فارس الشدياق. إن الغزو العسكري النابليوني قد فتح عيون العالم العربي على معالم النهضة الأوروبية وأدى إلى إرسال بعثات علمية كبيرة إلى أوروبا في عهد محمد علي وتأسيسه (دار الألسن) ومكتب للترجمة على غرار (بيت الحكمة) في العصر العباسي(14). وقد كان لدور المستشرقين الأثر المهم في تعريف المثقف الغربي بالحضارة العربية الإسلامية  وانجازاتها على الرغم من الممارسات العدائية لبعضهم واستخدامهم هذه المعرفة لخدمة التوجه الاستعماري والغزو الثقافي لشعوب المنطقة.

وفي مرحلة الحداثة وبداياتها بالذات في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أفترق المفكرون العرب إلى ثلاثة طرق: الأول انتهج طريق الغرب وأفكاره مؤمنا بتفوق الحضارة الغربية وثقافتها التي أحدثت تطورا هائلا في المجتمع البشري، والثاني: رفضها جملة وتفصيلا معلنا إيمانه بالفكر العربي الإسلامي كسبيل للتصدي للغزو الثقافي الغربي. وكلا الاتجاهين لا يخدم عملية التفاعل الثقافي المنشودة ويخل بعملية التوازن بين الثقافات .وسهولة هذين الاتجاهين تغري الكثيرين وتخلصهم من تعقيدات التفاعل الثقافي المتوازنة التي تتمثل في الاتجاه الثالث الذي يرى بضرورة الحفاظ على الفكر العربي الإسلامي  مع الاستفادة من المنجز الثقافي الغربي وكل المنجزات الثقافية العالمية. ويتهم البعض هذا الاتجاه بالتوافقية ولكنها الوسيلة الوحيدة المتاحة للحفاظ على الهوية مع الأخذ بسبل التطور والتقدم. وقد كان من آثار الاتجاه الأول أن الترجمات الأيديولوجية قد خلقت تغييرات فكرية وسياسية وأدت إلى إحداث ردات فعل ايجابية وسلبية تجاهها في الوطن العربي.وابرز هذه الاتجاهات التياران اللبرالي والماركسي وما مثلاه من غزو ثقافي لاستئصال الجذور الثقافية العربية الإسلامية.

وقد ظهرت هذه الاتجاهات أو ما يقاربها في ندوة عقدت في نادي دار العلوم بالقاهرة سنة 1908 حول موضوع التعريب  ( ووضع ألفاظ جديدة للكلمات الأجنبية الوافدة على البلاد العربية بحكم اتصال الحضارات والثقافات بين الشرق والغرب ، وبين العرب وغير العرب.)(15) حيث وقف  حفني ناصف من التعريب المطلق (موقف المعارض ، وهاجم سياسة إثراء اللغة العربية بألفاظ معربة ، وأسماها سياسة  "الباب المفتوح"  . ودافع عما قد يرمى به هو وأصحاب رأيه وأنصار مذهبه بالرجوع إلى الوراء ، والنفور من كل جديد ، والوقوف عند حد أماته الزمان ، ومخالفة سنة اللغات الحية صاحبة الحركة الدائمة.)(16) وخالفه في الرأي المترجم والمحرر في جريدة (المقتطف) - الذي كان جهدها منصبا على الترجمة والتعريب - د. يعقوب صروف الذي يرى أن (التوسع في اللغة بالتعريب هو زيادة في معجمها ، وإثراء لرصيدها، وتجديد لنموها حتى لا تقف وتجمد ، ووصل لما بينها وبين اللغات الأخرى .)(17)

وفي عصر العولمة حيث اكتسحت المنجزات التكنولوجية الغربية ، مثل الكومبيوتر والانترنيت والهاتف النقال والفضائيات ، الساحة الثقافية العالمية ولم تجد معها كل وسائل الرقابة وأساليبها وأصبح الغزو الثقافي متحققا بطريقة سهلة وناجعة. وهنا اختلت معادلة التفاعل الثقافي  على خلاف ما كان في عصر النهضة حيث أنه

 

              في عصور النهضة التنويرية لم يكن فقط ثمة استيعاب للظواهر المقبلة من بلدان "المعارف" و"الثورات" والتقنيات، وإنما أيضاً شعور بالمشاركة، أي بمقاسمة مادة الأصل صناعتها (عبر الترجمة فالتناص فالإبداع)، أي كان هناك علاقة إيجابية بين الرسائل والمتلقي ولو في حدود معينة، ربما لأن المجتمع كان مهيأ للخروج من زمن إلى زمن، من ذات تاريخية إلى ذات محولة. وربما لأن المراكز الكبرى المنتجة والمرسلة كانت محدودة نسبياً، وذات وتائر أبطأ (نسبياً) مما هي عليه الآن.(18)

         

 أي أن التفاعل الثقافي يسير باتجاه واحد فقط هو فرض ثقافة العولمة الغربية دون حصول أي غربلة لما يمر إلينا عبر الوسائل التكنولوجية الحديثة . وما على الترجمة إلا اللهاث وراء هذا المد الهائل لاقتناص بعض مفرداته لكي تساعد المجتمعات المتخلفة في فهم بعض ما يجري من حولها من أحداث. وأصبح معرفة اللغة الثانية ليست مسألة ترف فكري ومباهاة وإنما ضرورة يومية تدخل في صميم حياة الفرد. وهذا يشكل مؤشرا على عجز الترجمة في تأدية دورها المطلوب في هذه المرحلة. وهذا مؤشر خطير يلغي عملية التفاعل الثقافي ويحقق إحلالا لثقافة بدلا من ثقافة أخرى.

                                                   

الترجمة والتفاعل الثقافي                                   

في تعريفه للثقافة يقول العالم التربوي الأمريكي جون ديوي بأنها ( حصيلة التفاعل بين الإنسان وبيئته)(19) والمجتمع الإنساني في الوقت الحاضر مجتمع متعدد الثقافات يعيش فيه ما يقارب عشرة آلاف جماعة متميزة (20)  وأكثر من ستة آلاف لغة تتفاعل ما بينها من خلال الترجمة أو تعدد المعرفة باللغات .

يرى بعض العلماء أن الترجمة سلوك لغوي يقوم به كل إنسان في أي مرحلة من مراحل حياته ، ويرى رومان ياكوبسن Roman Jakobson أن عملية الترجمة  تكمن في ( أن فهم الإنسان للأشياء يعتمد على استبدال رموز لغوية برموز أخرى)(21). ويوغل البعض الآخر من العلماء في تفسير الترجمة على أنها تقوم ضمن اللغة الواحدة  حيث يتفق جورج ستاينرGeorge Steiner  مع ياكوبسن في أنه يمكن اعتبار

  كل نوع من الفهم نموذجا من الترجمة . ويقول أن فهم أي نص كتب قبل العصر الذي يعيش فيه القاريء ينطوي على تفسير ذهني لذلك النص عبر الحاجز الزمني. والحاجز الزمني سببه تغير اللغة وتطورها بمرور الزمن. فاللغة كالمخلوق الحي تنمو وتتطور. لذا ففهم النص القديم يتطلب استبدال رموز (قديمة) برموز (جديدة) في لغة واحدة - وهذه عملية الترجمة بمفهومها الأول.(22)

                                                                                                                 

ويطلق عليها ستاينر (الترجمة العمودية) وهي التي تتم عبر عصرين أو أكثر فيما تقع( الترجمة الأفقية) في (عصر واحد ولغة واحدة، كترجمة لهجة إلى أخرى أو استبدال أسلوب بأسلوب آخر في لغة واحدة.)(23)

وينطبق هذا المفهوم على اللغات الأخرى بشكل أدق وخاصة الانكليزية حيث أنها تستعمل كلمة تفسير ( interpretation ) بمعنى ترجمة تماما مثل الكلمة المعروفة (     translation    ) .

ولكن المفهوم التقليدي للترجمة يقتضي وجود لغتين مختلفتين على الأقل  لتحقق العملية . ولو رجعنا إلى التاريخ أيضا لوجدنا مدرستين في الترجمة منذ زمن الدولة العباسية استمر نهجهما حتى الآن ، الأولى يتبعها يوحنا البطريق وابن ناعمة المصري تمثل الترجمة الحرفية أي الاهتمام بالألفاظ بالدرجة الأولى والمدرسة الثانية يمثلها آل حنين وعلى رأسهم  حنين بن اسحق شيخ المترجمين في عهد المأمون وطريقتها بالاهتمام بالمعنى أولا أي الترجمة بتصرف.(24)

ويبرر الكاتب اللبناني بول شاوول فعل الترجمة بأن (الترجمة قد تكون أحد المعابر الأولى من حالة الثبات إلى حالة الحركة، من حالة الإخلاص للنموذج الذاتي، إلى خيانة هذا النموذج، من حالة الغفوة إلى حالة الصحوة، من حالة الركون، والانحطاط والسكون إلى حالة النهوض. من حالة التكرار إلى حالة التجاوز. ذلك أنها فعل خروج. ذلك أنها إدراك عميق بلا جدوى الاكتفاء الذاتي، من الأحادية إلى التعددية.)(25)

والمعنى الأكثر بروزا في هذا التبرير هو المفهوم الديمقراطي الذي تضفيه عملية الترجمة إضافة إلى الخلاص من العزلة باتجاه الانفتاح على الثقافات العالمية.

ويمضي الكاتب شاوول إلى القول بان( الترجمة لم تكن مجرّد تفاعل بالآخر فحسب أي مجرّد تلقٍّ له، وإنما أيضاً فعل تغيير في مستوى الذات وفي مستوى الآخر نفسه.)(26)   أي أن الحضارات العريقة لم تكن لتكون على ما هي عليه لولا الترجمة وفعلها الخطير في تكوين العناصر الأساسية في الدفع الحضاري والتقدم.

 

وتبدو المهمة النبيلة للترجمة في الطموح نحو خلق مجتمع إنساني متكامل تسوده القيم الإنسانية الحقة والسلام والتقدم مثلما يقول بيير فرنسوا كاييه(27) مهمة مثالية إلى حد كبير تتفق مع نمط تفكير رومانسي  لا يأخذ طبيعة العلاقات بين الثقافات وخلفياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية بنظر الاعتبار.

يحدد وزير التربية الوطنية التركي في أربعينيات القرن الماضي ، حسن علي يجل، في مقدمته لترجمة كتاب (الكلاسيكيات) هذه النظرة المثالية بدرجة تميل إلى إعادة كتابة الأدب القومي وفقا لاعتبارات الثقافة الأجنبية التي يعتبرها مقياسا للحداثة والتحضر:

                 

 إن المرحلة الأولية في فهم الروح الإنسانية تبدأ بالتهليل والابتهاج بأعمال أدبية تمثل إبداعا متكاملا للوجود الإنساني. ومن بين فروع الفن فان الأدب يعتبر الأغنى بعناصره الثقافية. إذن ، فان إعادة كتابة أمة ما لأدب أمة أخرى بلغتها الخاصة أو بالأحرى بوعيها الخاص ، يعني  تفويض وخلق وتنشيط لفكرها ومعرفتها الخاصة نسبة إلى العمل الأدبي الأجنبي.لذلك السبب فإننا نعد الترجمة كفعالية مهمة ومؤثرة في كفاحنا نحو التحديث والتحضر.(28)

ويعكس هذا المفهوم أيضا النظرة الدونية أو ما يمكن أن نطلق عليه (عقدة النقص الحضاري) تجاه الثقافة والحضارة الغربيتين.  فلا وجود لتوازن أو تكافؤ بين ثقافتين أو حضارتين وإنما هناك ثقافة قوية متدرعة بكل عناصر القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية ، وثقافة أخرى لا تمتلك من عناصر القوة إلا القليل.

ويحذر الدكتور محيي الدين صابر من خطورة الترجمة ويؤكد على (التعاون القائم على الاختيار الواعي لمصادر القدرة العالمية، واستيعابها، وعضونتها في نسيج الحياة لتصبح قدرة إبداعية جديدة، حتى لا يكون التعاون تقليدا عقيما يؤدي إلى تعميق التبعية ويوثق لها.)(29)

 

وفيما يتفق الدكتور علي ألقاسمي مع هذا الرأي باعتبار(أن تأثير الترجمة في الثقافة المتلقية قد يبلغ شأواً عالياً لدرجة أن بعض جوانب الثقافة المتلقية قد يصبح صدى للثقافة الأصلية)(30) فانه يقر بأن أثر الترجمة في التفاعل الثقافي لا يتوقف (عند إثراء الثقافة المتلقية بمعارف الآخر وعلومه، وإنما يمتد كذلك إلى تطوير اللغة المتلقية ذاتها)(31) . وهو الرأي نفسه للكاتب شاؤول  حيث أن ( مواصفات الفعل الثقافي الناتج عن الترجمة)  لا تقتصر (على تحوّل المتلقي فحسب، بل تحوّل النص موضوع التلقي. )(32)  وهذه فكرة لا يمكن قبولها فيما يتعلق بالنص الأصلي وتغيراته نسبة للتغيرات التي تحصل لدى المتلقي فعملية التفاعل هنا تجري باتجاه واحد فقط هو اتجاه المتلقي ويبرز  الجانب السلبي في هذه العملية وهو إحلال قوالب وصيغ اللغة المنقول منها إلى اللغة المنقول إليها واستعمالها بدلا عنها أي ترك قوالب وصيغ اللغة المنقول إليها وتدميرها شيئا فشيئا وهذا ما هو حصل فعلا  بالنسبة لتأثير اللغتين الفرنسية والانكليزية  في اللغة العربية أي أنهم تركوا أساليب اللغة العربية وتبنوا أساليب اللغات الأجنبية.                   

ولأن الترجمة حوار بين لغتين وثقافتين  - وفق المفهوم المثالي الذي لا وجود له على صعيد الواقع -  فان إعادة إنتاج النص التي يمارسها المترجم كما يؤكد الدكتور ألقاسمي تؤدي إلى (تغيير وتبديل وتعديل في مواقف المتحاورين)(33). لكن إعادة إنتاج النص قد  تؤدي  إلى إثراء النص الأصلي أو إلى إفقاره وتسطيحه حسب قدرة المترجم وعمق ثقافته. فقد يفسر المترجم النص الأصلي باتجاهين  الأول:  ما يتفق مع سياق النص الأصلي ومعناه المراد منه والثاني :أن يجتهد المترجم بتفسير يتوافق مع رؤيته هو وليس رؤية الكاتب الأصلي وهذا يمثل كتابة جديدة للنص.

ومثلما يقول الفاريز فيدال فان(الترجمة تكشف السلطة أو القوة التي يمكن أن تمارسها ثقافة ما على الأخرى فالترجمة ليست إنتاجا لنص يكون مكافئا لنص آخر وإنما هي عملية معقدة  في إعادة كتابة النص الأصلي والتي تسير بشكل متواز مع النظرة الكلية للغة ولتأثيرات وتوازنات القوة الموجودة بين ثقافة وأخرى)(34) .

ويصح هذا القول عن توازنات القوة بين ثقافة وأخرى في فترة زمنية معينة ولكنه يصبح لا معنى له إذا تغير ميزان القوة في فترة زمنية لاحقة - تطول أو تقصر - لأن مجرى التفاعل الثقافي سيتغير لصالح الثقافة الأقوى اللاحقة . وإذا اتفقنا مع النظرة المثالية لمفهوم التفاعل الثقافي فان الدورة الحضارية ستعاد ولكن برموز جديدة. أما النظرة الواقعية فتشير إلى استمرارية انحياز التفاعل الثقافي باتجاه الطرف الذي يمتلك وسائل القوة الثقافية وغير الثقافية منذ انهيار الحضارة العربية الإسلامية وحتى زمن لا تبدو بوادره في الأفق القريب أو البعيد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الخاتمة                                                                     

على الرغم من الصراع  بين الحضارات والحروب المتكررة بين الشرق والغرب إلا أن ذلك لم يغلق باب التفاعل بين تلك الحضارات المتقاتلة بل كان في غالب الأحيان سببا وحافزا لتنشيط التفاعل بينها مما يؤيد فكرة وحدة الجنس البشري ووحدة مصيره. وكان للترجمة فعلها الكبير في تواصل هذا التفاعل وإنتاج مركبات جديدة عناصرها الأساسية تعود إلى ثقافات وحضارات مختلفة.  ولم تكن الهوة بين حضارة وحضارة بحجم كبير بحيث لا يمكن ردمها وبمسافة لا تسمح بالتواصل الثقافي  إلا في العصر الحديث ، حيث كبرت هذه الهوة بمقدار هائل واختلت معادلة التفاعل الثقافي  حتى أصبح التشكيك في جدواها واردا لأنها تخدم اتجاه القوي ومخططاته فقط  . وتفاقمت المشكلة بعد عصر العولمة حيث ازدادت الفجوة اتساعا ولم تستطع الترجمة اللحاق بهذا الركب المتسارع وأصبح تعلم لغة القوي ضرورة يومية  لابد منها للتعامل مع المعطيات الجديدة مما يهدد بتهميش الترجمة والإيمان بعدم فاعليتها.

الهوامش

  1. شبكة النبأ المعلوماتية   ندوة عن التقارب بين الإسلام والغرب في واشنطن

 -الثلاثاء 20/كانون الأول/2005 -  17/ذي القعدة/1426                     

2. المصدر نفسه.

3.  أحمد عتمان   الترجمة والتعددية الثقافية في بغداد  

http://www.scc.gov.eg/moatmrat%20we%20ndwat/lmhaoer%20molaksat/elmlakasat.htm

4. المصدر نفسه.

5. شبكة النبأ المعلوماتية - مصدر سابق.

6. المصدر نفسه.

7. د.معن زيادة  معالم على طريق تحديث الفكر العربي  سلسلة عالم المعرفة الكويت : المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب  ، العدد 115 تموز 1987، ص  118

8. شبكة النبأ المعلوماتية - مصدر سابق.

9. د. معن زيادة ، مصدر سابق ، ص 112

10. المصدر نفسه ، ص 115.

11. الصفصافى أحمد المرسى القطورى  دور الترجمة في إثراء الحوار الحضاري

            http://www.scc.gov.eg/moatmrat%20we%20ndwat/mahaoer%20molaksat/elmlakasat.htm

12. المصدر نفسه.

13. المصدر نفسه.

14.   د. معن زيادة ، مصدر سابق ، ص  157  

15. محمد عبد الغني حسن  فن الترجمة في الأدب العربي  ، القاهرة: الدار المصرية للتأليف والترجمة ، 1966. ص  11 

16. المصدر نفسه ، ص  12

17. المصدر نفسه ، ص  17          

18. بول شاوول  ( مجتمع المعرفة والترجمة (2))    جريدة المستقبل اللبنانية الثلاثاء 28 شباط 2006 - العدد 2194 ثقافة وفنون ص 18.

                                                      

19. د.سليمان إبراهيم العسكري  " الثقافة ..في زحام الإصلاح "  مجلة العربي الكويتية العدد أغسطس 561  سنة 2005 ص 11.

20. المصدر نفسه

21. د. يوئيل يوسف عزيز مباديء الترجمة من الانكليزية إلى العربية  الموصل : مطبعة الجمهور ، 1990 ص  8.

22. المصدر نفسه ص 9.

23. المصدر نفسه ص 9 .       

24 .  محمد عبد الغني حسن ، مصدر سابق ص ص19 -20 ؛ د. سلمان الواسطي وعبد الوهاب الوكيل ويوئيل يوسف عزيز وأكرم حبيب  المدخل إلى الترجمة الجزء الأول الترجمة إلى اللغة العربية  بغداد : وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية ، 1979 ص ص 6-7 .                                                 

25. بول شاوول   الترجمة من التفاعل الى الفعل الثقافي (1)  جريدة المستقبل اللبنانية الثلاثاء  1 حزيران 2004 العدد 1607 - ثقافة وفنون-  ص 18 .

                                                                       

26.المصدر نفسه.                                         

27.   Berrin Aksoy, Ph. D. Translation: The Concept and Its Implications on the Emergence of a National Literature, Translation Journal Vol.5, No.3 July 2001.  \Translation as Rewriting.htm

                                                                                                                                           

28. المصدر نفسه Ibid.

29. د.محي الدين صابر، الأبعاد الحضارية للتعريب، كتاب «التعريب ودوره في تدعيم الوجود العربي والوحدة العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1982، ص76. في مقال محمد المشايخ  الأدب المُترجم والتبادل الثّقافيّ في عصر العولمة منتدى الفكر العربي الأدب المُترجم والتبادل الثّقافيّ في عصر العولمة.mht

30.  د. علي القاسمي (أثر الترجمة في التفاعل الثقافي)  جمعية الترجمة العربية وحوار الثقافات (عتيدة) 2006   أثر الترجمة في التفاعل الثقافي 1.htm

31. المصدر نفسه.

32. بول شاوول  ( مجتمع المعرفة والترجمة (2)) ص 18 ، مصدر سابق.                                                                                  

33. د. القاسمي ، مصدر سابق.                       

                                                              

34. د. بيرين أكسوي Op Cit. Berrin Aksoy، مصدر سابق.

المصادر العربية

- أحمد عتمان   الترجمة والتعددية الثقافية في بغداد  

http://www.scc.gov.eg/moatmrat%20we%20ndwat/lmhaoer%20molaksat/elmlakasat.htm

- بول شاوول   الترجمة من التفاعل الى الفعل الثقافي (1)  جريدة المستقبل اللبنانية الثلاثاء  1 حزيران 2004 العدد 1607.

- بول شاوول  ( مجتمع المعرفة والترجمة (2))    جريدة المستقبل اللبنانية الثلاثاء 28 شباط 2006 - العدد 2194.

-  سلمان الواسطي ، وعبد الوهاب الوكيل ويوئيل يوسف عزيز وأكرم حبيب  المدخل إلى الترجمة الجزء الأول الترجمة إلى اللغة العربية  بغداد : وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية ، 1979.                                                 

- سليمان إبراهيم العسكري  " الثقافة ..في زحام الإصلاح "  مجلة العربي الكويتية العدد أغسطس 561  سنة 2005

- شبكة النبأ المعلوماتية   ندوة عن التقارب بين الإسلام والغرب في واشنطن

 -الثلاثاء 20/كانون الأول/2005 -  17/ذي القعدة/1426

-  الصفصافى أحمد المرسى القطورى  دور الترجمة في إثراء الحوار الحضاري

            http://www.scc.gov.eg/moatmrat%20we%20ndwat/mahaoer%20molaksat/elmlakasat.htm

- علي القاسمي (أثر الترجمة في التفاعل الثقافي)  جمعية الترجمة العربية وحوار الثقافات (عتيدة) 2006   أثر الترجمة في التفاعل الثقافي 1.htm

-  محمد عبد الغني حسن  فن الترجمة في الأدب العربي  ، القاهرة: الدار المصرية للتأليف والترجمة ، 1966.

•-         محي الدين صابر، الأبعاد الحضارية للتعريب، كتاب «التعريب ودوره في تدعيم الوجود العربي والوحدة العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1982، ص76. في مقال محمد المشايخ  الأدب المُترجم والتبادل الثّقافيّ في عصر العولمة منتدى الفكر العربي الأدب المُترجم والتبادل الثّقافيّ في عصر العولمة.mht

•-         معن زيادة  معالم على طريق تحديث الفكر العربي  سلسلة عالم المعرفة الكويت : المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب  ، العدد 115 تموز 1987

•-         يوئيل يوسف عزيز مباديء الترجمة من الانكليزية إلى العربية  الموصل : مطبعة الجمهور ، 1990

   

المصادر الأجنبية                                                                   

- Berrin Aksoy, Ph. D. Translation: The Concept and Its Implications on the Emergence of a National Literature, Translation Journal Vol.5, No.3 July 2001.  \Translation as Rewriting.htm

فيصل عبد الوهاب


التعليقات

الاسم: فيصل عبد الوهاب
التاريخ: 14/02/2011 19:23:45
شكرا لك أستاذ علي..أمنياتي لك بالتوفيق..تحياتي

الاسم: علي حسين الخباز
التاريخ: 14/02/2011 10:20:41
مبارك عليك استاذ فيضل لاشك ان جميع البحوث المقدمة الى المسابقة هي بحوث رصينة تقبل مودتي ودعائي

الاسم: فيصل عبد الوهاب
التاريخ: 12/02/2011 22:25:04
الأخت زينب
شكرا لكلماتك الطيبة وتعليقك الكريم..حفظك الله وحقق أمنياتك..تحياتي

الاسم: زينب محمد رضا الخفاجي
التاريخ: 12/02/2011 19:29:35
فيصل عبد الوهاب
الف مبروك الفوز
يارب كل النجاح والتفوق




5000