.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


حاسة الرقص

عزيز الشعباني

 

  

     تقرر أن يكون حفل التخرج في الثاني من آذار / 2006 وسيقام على حدائق الجامعة تحسباً للظروف الأمنية .

... "هكذا أعلنت الجامعة" ...

     كان الثاني من آذار موعداً مبكراً للحفل وكان يوماً ربيعياً لا زال يلبس ثوب الشتاء ، فتشيع منه برودة لذيذة مثلجة ، وشعاع الشمس ينشر الدفء كلما عبر غيمة قصيرة دكناء ، فبدت الجامعة بحدائقها وبناياتها وسمائها ، كأنها لوحة انتهى الرسام للتو من توزيع ألوانها الندية الواضحة ، وكان الفرح في قلوب الطلاب يحتضن المنظر جميعه ويكوّن له اطاراً سحرياً ، حيث كانت الإرادة تكافح لزرع ابتسامة في أرض تغشتها سمادير الكدر وصدأت نفوس أبنائها بالجهل والظلام وتركتني أقف بعيداً عن القاعة أتفرس في ابتسامة ابنتي الطفولية متقياً أفق اللحظات القادمة وسعاد ذائبة في وحدة زميلاتها المتلفعات جميعاً بحجاب محكم الإغلاق إلا من خيوط ليل وأشعة شمس تتطاير بغنج وتتصارع مع قيود الأحقاد وتشكل صرخة تحد ، لكنها بالتأكيد بعيدة عن سلاح المدينة وزفير أنفاسها المحرق ، بعيدة عن الضغائن والأنفاس المتوعدة ممن تضافرت حماقاتهم وعداؤهم وأرادوا مسح تأريخ مدينتنا بسخام الكراهية .

     اشتبكت أصابع سعاد العابثة بأصابعي في لحظة فرح خائفة لكني احتضنتها وأخذت أمسد شعرها رغم وجود الشال الذي كان حاجزاً بين حنو يدي وشعرها ، فغزلنا معاً جدائل فرحنا القادم بابتسامات واثقة وبأحاديث جرت على لسانها الناعم الذي لا يتعثر ولا يخطيء ، لتدخل بعدها إلى القاعة بعينين براقتين .

     في الثانية والعشرين من عمرها بثوبها الأنيق حين انفلتت من يدي وطارت كفراشة تنتقل بين صديقاتها ، كاظمات الغيظ والفرح ينسكب من كحل العيون بقطرات عسلية إلا أن سعاد راحت تغني غير عابئة بملاقاة رغباتهم المحمومة في أن

يكنسها الموت ، وصوتها العذب شيّع في أركان القاعة وأفئدة زميلاتها شذى الأمـان وبرد السلام ، بينما أخذ الآباء والأمهات بالتراتيل و التسابيح الخفية ، وبدوت أنا وكأني أرى سعاد لأول مرة بثوبها الباهي الأحمر ، المحتوي على خطوط متداخلة كأنها لوحة تشكيلية كشفت عن ذراعين سمراوين حتى الكتفين ، و بدا وجهها مع اللون الأحمر خمرياً أكثر ، وتميزت عن الأخريات بأنها الوحيدة التي وضعت المساحيق على وجهها في صراحة ووضوح ، وهذا الأحمر الوردي الذي صبغت به شفتيها فبدتا دقيقتين وبدا الفم صغيراً كفم طفل ، أما الميزة الأخرى عن جميع الحاضرين فكنت أعرفها من قبل ولم تفاجئني بها كالميزات السابقات ذلك أن لها صوتاً ذهبياً .

     ابتدأت الغناء ، وابتدأت التحيات يتبادلها الحضور عن طريق الابتسامات وأخذت العيون تتطلع إلى سعاد تطلب منها الغناء ، وحين طلب منها شاب أن تغني أغنية يحبها وبالغ في طلبه ، رمقتني بنظرة خجولة واحمر وجهها قليلاً وأظهرت بعض الدهشة والتجاهل .

     أكثر زملائها كان يخالط رغبتهم في الإنصات لصوتها ، رغبة أخرى هي اكتشاف حيوية هذا الصوت وصدق ما سمعوه عنه من قبل والى أي حد يستطيع أن ينشيهم أو يثير أشجانهم ويشد عزيمتهم .

     صوتك صاف ... عذبً ... يحمل مسحة حزن ريفية ... يملؤه الحنان والرقة ... هكذا كانوا يبلورون في روحها الرغبة والموهبة ...

     وانطلقت تصدح بصوتها ، واكتسب وجهها الجد ، ،كانت تحس بلا شك أنها تقوم بعمل جدي وكان صوتها ينخفض في حنان حالم تارة ويرتفع في شكوى صارخة مرة أخرى وهي تغني "جنة يا وطنه" وأصوات الاستحسان ترتفع بعد كل مقطع ، ورؤوس تتحرك إلى اليمين والى الشمال نشوانة بالصوت المتموج مع تعابير الألفاظ ، وحين يبالغ في تشجيعها ذلك الشاب تتغير تعابير وجهها فجأة من الجد إلى الضحك العميق المرتفع ،

 كأنها تحرر نفسها من كل القيود التي فرضتها الأحقاد وتقشر بغنائها أصداف الخوف وتفتت زيف الأحلام المريضة .

    وكانت تجيل عينيها في السامعين تارة وتطلقها في الفراغ تارة أخرى وحين انفعلت مع الأغاني بدأ التأثر واضحاً عليها كأنها تستحضر تجربة لها من أعماق كيانها وبهذا تعين الآخرين فتطفو تجاربهم القريبة والبعيدة متجسدة في النغم المنفعل ، وعيونهم تلتقي بعينيها ، لكن !

     هل كانت هذه العيون تحاول أن تقرأ شيئاً في معنى التلاقي ؟

     أو كانـت النظرات التـي تلقيها العيون ليست إلا ستاراً يخفي وراءه انبثاق شيء ما ؟

     لقد ترك البعض عينيه الشاخصتين توهمان الجالسين أنه لا يزال حاضراً هنا ، بينما هو قد رحل إلى حيث لا يعرف الآخر ، والغناء يصل إلى سديمه العاطفي في انخفاضة صوت حالمة مرة وأنين صارخ مرة أخرى فيدفعه دفعة أبعد في مجاهيله المترامية .

     أخذ صدى الغناء يسري في الدماء ، كأنها تتشربه بلذة على مهل ، شعرت في تلك اللحظة أن موسيقى العالم كلها إن هي إلا محاولات لن تبلغ كمالها من أجل الوصول إلى غناء ابنتي الذي لا يمكن أن تنشده إلا أوتار حنجرة متحررة .

     كانت تجلس طوال هذا الوقت على مبعدة شيء ما عن سعاد ، فتاة ترتدي ثوباً سماوياً ، يكشف عن ذراعين ناعمتين وكانت لاهية بغرز الدبابيس في شالها الصوفي ، الذي رفعته مرات عديدة متحججة بتعديل وضعه ، كاشفة عن شعر تدفعه برشاقة نحو الخلف كلما تراخى على عينيها ، وترفع عينيها بين حين وآخر تتأمل الآخرين الذين ربما هم أيضاً يتأملونها ، ولم تمض إلا لحظة أخرى حتى أخذ الحضور يتقدمون نحو المسرح ، كل يحمل كرسيه ويتقدم به صوب سعاد ، وإذا بهدى قد تركت شالها الصوفي يحتضن الكرسي ، وخلعت حذائيها ، وأصبحت بساقيها العاريتين وذراعيها

 الناعمتين البلوريتين وشعرها المسترخي ، وجسدها الناضج المتفتح ، خير من يجسد الرقصات الرائعة ، لكن انقطاع التيار الكهربائي لم يثن عزيمة هدى عن الرقص ولم

 يغير رغبة الحضور في أن يتمتعوا برقصها الإيقاعي الجميل ، فبدا الإشفاق على هدى واضحاً في عيني سعاد والأمهات المتحمسات ، فهي التي حاربت فلول التردد ، وأعدت نفسها للقيام بهذا الدور ، ظل الجميع متأهبين للتمتع بالرقص والوقت يزحف نحو الغسق ، وساعة منع التجوال قد اقتربت ، والشمس بدت من بعيد تتوهج توهجها الأخير ، وتنثر على غيوم آذار ألوانها السحرية الحمراء ، لكن نغمات صوت سعاد دوت فجأة في صمت المكان دون الحاجة لمكبرات الصوت فانفرجت الأسارير وأرهف الجميع سمعهم ، وبدا على هدى أنها لن تتراجع حين أعلنت أنها سترقص حتى إذا كان القطع مقصوداً ، فأقبلت في خطى وئيدة وسط المسرح ، وأرخت العنان لجسدها الحي اللين ليتحرك وينثني ، والذراعين العاريين ترتفعان تارة وتنبسطان في الفراغ تارة أخرى ، والشعر الكثيف ينسدل على العيون ثم يرتفع ، وكأن العيون أصبحت تقوم بحاسة اللحن ، تنتصب وتنثني وتسبح في الهواء ، حتى لكأن عدم إتاحة الفرصة الكافية لتستوعب فيها الوضع هو جزء من الوضع نفسه ، وهكذا لم تكن هدى تعطي من الحركات إلا أجزائها ، ومن محاسن جسدها إلا بعضها مما يثير إحساسا بالتوق واحساساً بالحرمان ومجالاً للخيال ، وهنا استثارت هدى في حمى الانفعال فصرخت تريد من سعاد أن تسرع في الإيقاع قليلاً وإلا فأن بطء حركة الإيقاع يهددها بالتعب ، وظهر الجميع وكأنهم كانوا مهيئين إلى رؤية حركات عنيفة جنونية بدلاً من هذا الهدوء الحالم .

     احتل الليل المكان ، ثمّ فسرعان ما نورت الفراغات وانبثقت المصابيح المرتفعة تنشر أشعتها من خلال أوراق الأشجار ، وبدت الأضواء من خلال النوافذ ، لكن النور لم يستطع أن يمتد إلا إلى حيث كنا جالسين ، ففي الأفق البعيد لم تعد تميز بين السماء والأرض ، وحين تصبح السماء والأرض كتلة واحدة من الفراغ الكبير فانك تفقد الطمأنينة إلى الأمان ، لأنهما قد يكونا اتفقا عليك .

     ابتدأ الخوف يتبدد رويداً رويداً في قلوب الفتيان والفتيات ولاحت رغبة ، تكاد تعلن عن نفسها وهي تتراءى في نظرات الجميع فاعتلى أحدهم وغنى أغنية قصيرة بصوت متعثر كوسيلة للتعبير عن حرية الفرح وتبعه الثاني والثالث والرابع وبعد أن كان هناك مغنية واحدة وراقصة واحدة ، أصبح الجميع مغنيين وراقصين ، وجاء دور الآباء والأمهات ، بالرقص والغناء .

     وبدت القاعة رغم انطفاء التيار مرة أخرى وكأنها صندوق سحري تفتح عن عشرات الأغاني ، وآلاف الرقصات وسعاد لا يزال يطلب منها الأغنية بعد الأخرى .

     وبدا الظلام وكأنه يساعد الجسد على التفرغ لحاسة السمع ليصبح الصوت هو الأداة التعبيرية الرئيسية في الليل .

     الساعة أصبحت العاشرة أي أننا تجاوزنا التاسعة موعد حظر التجوال ، ولم يكن بوسع أحدنا أن يوقف هذا التوق إلى حرية الرقص ، إلا أن البعض أخذ يتسلل من ظلام القاعة إلى الليل الربيعي العريض وثمة شعور غير منتظم يحسونه في دمائهم ما بين لعب ورقص وغناء وظنون .

     وبمجرد تفردنا إلى المسالك والطرق المختلفة المؤدية إلى مخادعنا بدأت بقايا اليوم الرائع المنتشرة في روح سعاد تختلط بتوقعات الغد ، وبدأت تعود لمزاجها السوداوي من جهة ، ومن جهة أخرى ، حين سألتها :

     مالك يا ابنتي وظنون الغد ؟

     تراخت ابتسامتها وطعن الخوف وجهها .

     وقالت :

     هل تظن يا أبي أن الفرح سيغسل البغضاء من القلوب ؟

     ودون أن تسـمع جوابي ، انسـحبت من عالمي ، مطأطأة رأسها ، كمن فعل جرماً شديداً !!!

 

عزيز الشعباني


التعليقات




5000